الإسلام > الزكاة > القسم الأول > وأما إدخالهم للنقدين لإمكان النماء بهما
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةوفي فَتوى عُمَرِ بنِ عبدِ العَزيزِ بزَكاةِ الدَّينِ لِماضي السِّنينَ قالَ الإمامُ خَليلٌ مُعللًا القَولَ:
وفي المُوطَّأِ: أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ رضي الله عنه أمَرَ بزَكاتِه لِماضي السِّنينَ، ثم رجَعَ فأمَر بزَكاتِه لِعامٍ واحِدٍ، وفَرقٌ في الشاذِّ بينَه وبينَ الدِّينِ؛ لأنَّ الدِّينَ إمَّا مع النَّماءِ كما في سِلَعِ التِّجارةِ، وإمَّا لأنَّه ترَكَ النَّماءَ فيه اختيارًا (١).
وقالَ الإمامُ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: وتُزكَّى أَموالُ الصِّبيانِ والمَجانينِ، وهُم في ذلك كالبالِغِ العاقِلِ، وهو قَولُ مالِكٍ، فأمَّا ماشيَتُهم وحُروثُهم، فتُزكَّى؛ لأنَّ النَّماءَ فيها مَوجودٌ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: (بابٌ في) بَيانِ (زَكاةِ الماشيةِ) وقَدرِ النِّصابِ، وهي في اصطِلاحِ الفُقهاءِ لا تُطلَقُ إلا على الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ، وهي التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ، فلا تَجبُ في خَيلٍ وبِغالٍ وحَميرٍ وإنَّما وجَبَت فيها دونَ غيرِها؛ لوُجودِ كَمالِ النَّماءِ فيها من لَبنٍ وصُوفٍ ونَسلٍ وغيرِ ذلك من أنواعِ الانتِفاعِ، بخِلافِ غيرِها من بَقيَّةِ أَنواعِ الحَيوانِ (٣).
وأمَّا إِدخالُهم لِلنَّقدَينِ لإِمكانِ النَّماءِ بهما:
قال الإمامُ ابنُ شاسٍ رحمة الله عليه: ولا زَكاةَ في شَيءٍ من نَفائِسِ الأَموالِ سوى النَّقدَيْن، وهو مَنوطٌ بكَونِهما مُتهيئَينِ لِلنَّماءِ، فلو اتَّخذَ منهما حُلِيًّا
(١) «التوضيح في شرح المختصر الفرعي» لابن الحاجب (٢/ ٢٤٧).
(٢) «التبصرة» للخمي (٢/ ٨٨٠).
(٣) «الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (١/ ٣٤١).
فجَوهَرُهما يَقتَضي وُجوبَ الزَّكاةِ وصُورَتُهما تَقتَضي إِسقاطَها؛ إذْ صارَ بالصِّياغةِ كالعُروضِ (١).
قال الإمامُ التَّنوخيُّ رحمة الله عليه: (بعضُ حِكمِها وأَسرارِها):
وقد عدَلَت الشَّريعةُ فيها بينَ أربابِ المالِ والمَساكينِ، فلم تُعلِّقْها بغيرِ النامي من المالِ. ولِهذا تَعلَّقت بثَلاثةِ أنواعٍ: النَّماءِ المَحضِ، وهو النَّباتُ والمَعدِنُ. وما يَنمو بطَبعِه، وهي الماشيةُ. وما هو مُعَدٌّ لِلنَّماءِ، وهو العَينُ؛ الذَّهبُ والفِضةُ. وأسقطَتْها من العُروضِ إلا أنْ يَقصِدَ بها التِّجارةَ فتَكونَ رِاجِعةً إلى حُكمِ العَينِ؛ لأنَّ نَماءَ هذا النَّوعِ يَصرِفُه في العُروضِ، ولا شَكَّ أنَّ ما هو نَماءٌ في نَفسِه لا يَفتقِرُ إلى ضَربِ الحَولِ بل تَجبُ الزَّكاةُ عندَ حُصولِه. وما يَنمو بطَبِعه أو بالتَّحريكِ لا يَحصُلُ فيه كَمالُ النَّماءِ المَقصودِ إلا بعدَ أنْ يَحولَ عليه الحَولُ، ولِهذا ضرَبَت الشَّريعةُ الأحوالَ لِلعَينِ والماشيةِ، وأوجَبَت زَكاةَ المَعدِنِ والنَّباتِ عندَ حُصولِها (٢).
ثانيًا: أَقوالُ الشافِعيةِ:
لم أجِدْ أحدًا من فُقهاءِ الشافِعيةِ نَصَّ على أنَّ النَّماءَ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وإنَّما قالوا: إنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في المالِ؛ لأنَّه نامٍ، وإذا نَفَوا وُجوبَ الزَّكاةِ عن شَيءٍ، قالوا: لا تَجبُ الزَّكاةُ في كذا، والسَّببُ أنَّه غيرُ نامٍ، أو لم يُعدَّ لِلنَّماءِ.
(١) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (١/ ٢٢٤).
(٢) «التنبيه على مبادئ التوجيه» (٢/ ٧٧٦).
قال الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: «الزَّكاةُ إنَّما تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزُّروعِ وتَسقُطُ في غيرِ الناميةِ، كالآلةِ والعَقارِ» (١).
وقالَ أيضًا: «إنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزَّرعِ وعُروضِ التِّجاراتِ دونَ ما ليسَ بنامٍ، كالدُّورِ والعَقاراتِ (٢).
وقالَ أيضًا: «ولأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ، وما ادُّخِر في الزُّروعِ والثِّمارِ مُنقطِعُ النَّماءِ مُعرَّضٌ لِلنَّفادِ والفَناءِ، فلم تَجبْ فيه الزَّكاةُ كالأَثاثِ والقُماشِ» (٣).
وقالَ الإمام الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ: «ولا تَجبُ الزَّكاةُ إلا في السائِمةِ من الإبلِ والبَقرِ والغَنمِ؛ لِما رُويَ أنَّ أبا بَكرٍ الصِّديقَ رضي الله عنه كتَبَ كِتابَ الصَّدقةِ وفيه: «صَدقةُ الغَنمِ في سائِمتِها إذا كانَت أربَعينَ فيها الصَّدقةُ» (٤) ورَوى بَهزُ بنُ حَكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «في الإبلِ السائِمةِ في كلِّ أربَعينَ بِنتُ لَبونٍ» (٥)؛ ولأنَّ العَواملَ والمَعلوفةَ لا تُقتَنى للنَّماءِ فلم تَجبْ فيها الزَّكاةُ كثِيابِ البَدنِ وأثاثِ الدارِ، وإنْ كانَ عِندَه سائِمةٌ فعلَفَها نُظرَت، فإنْ كانَ قَدرًا يَبقى الحَيوانُ دونَه لم يُؤثِّرْ؛ لأنَّ وُجودَه
(١) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٨٩).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٣٠).
(٣) «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٥٥).
(٤) رواه البخاري في «صحيحه» باب زَكاة الغنم (٢/ ٥٢٧) حديث رقم (١٣٨٦).
(٥) حَديثٌ حَسنٌ: رواه الإمام أبو داود في «سننه» (١٥٧٥).
كعَدمِه، وإنْ كانَ قَدرًا لا يَبقى الحَيوانُ دونَه سقَطَت الزَّكاةُ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ تَكامُلُ النَّماءِ بالسَّومِ» (١).
وقالَ أيضًا: فَصلٌ: وأمَّا المالُ المَغصوبُ والضالُّ فلا تَلزمُه زَكاتُه قبلَ أنْ يَرجِعَ إليه من غيرِ نَماءٍ، ففيه قَولانِ: قالَ في القَديمِ: لا تَجبُ؛ لأنَّه خرَجَ عن يَدِه وتَصرُّفِه فلم تَجبْ عليه زَكاتُه كالمالِ الذي في يَدِ مُكاتَبِه، وقالَ في الجَديدِ: تَجبُ عليه؛ لأنَّه مالٌ له يَملِكُ المُطالَبةَ به ويُجبَرُ على التَّسليمِ إليه، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ كالمالِ الذي في وَكيلِه، فإنْ رجَعَ إليه مع النَّماءِ ففيه طَريقانِ: قالَ أبو العَباسِ: تَلزَمُه زَكاتُه قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما سقَطَت في أحَدِ القَولَينِ لعَدمِ النَّماءِ، وقد حصَلَ له النَّماءُ فوجَبَ أنْ تَجبَ، والصَّحيحُ أنَّه على القَولَينِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لم تَسقُطْ لعَدمِ النَّماءِ، فإنَّ الذُّكورَ من الماشيةِ لا نَماءَ فيها، وتَجبُ فيها الزَّكاةُ، وإنَّما سقَطَت لنُقصانِ المِلكِ بالخُروجِ عن يَدِه» (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الزَّكاةُ إنَّما تَتكرَّرُ في الأَموالِ الناميةِ، وما ادُّخِرَ من زَرعٍ وثَمرٍ فهو مُنقطِعُ النَّماءِ مُتعرِّضٌ للنَّفادِ، فلم تَجبْ فيه زَكاةٌ كالأَثاثِ والماشيةِ؛ فإنَّها مُرصَدةٌ لِلنَّماءِ (٣).
وقالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه في كَلامِه عن زَكاةِ المَواشي: (لا الخَيلُ والرَّقيقُ)؛ لِقولِه ﷺ: «ليس على المُسلمِ في عَبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» (٤)، وقَولِه
(١) «المهذب في فقه الإمام الشافعي» (١/ ١٤٢).
(٢) «المهذب في فقه الإمام الشافعي» (١/ ١٤٢).
(٣) «المجموع شرح المهذب» (٥/ ٤٥٥).
(٤) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
ﷺ: «عَفَوتُ لكم عن صَدقةِ الخَيلِ والرَّقيقِ» (١)، مُتَّفقٌ عليهما؛ ولأنَّها تُقتَنى لِلزِّينةِ والاستِعمالِ لا النَّماءِ، فأشبَهَت العَقارَ (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ زَكريَّا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: لا زَكاةَ في العامِلةِ في حَرثٍ أو غيرِه ولو مُحرَّمًا، وإنْ سُمِّيتْ؛ لخبَرِ البَيهَقيِّ وغَيرِه، وصحَّحَ ابنُ القطَّانِ إسنادَه. ليسَ في البَقرِ العَوامِلِ شَيءٌ؛ ولأنَّها لا تُقتَنى لِلنَّماءِ بل لِلاستِعمالِ، كثِيابِ البَدنِ ومَتاعِ الدَّارِ، وذلك بأنْ يَستعمِلَها القَدرَ الذي لو علَفَها فيه سقَطَت الزَّكاةُ (٣).
ثالثًا: قَولُ الحَنابِلةِ:
عُلماءُ الحَنابِلةِ قالوا باعتبارِ النَّماءِ ولم يُصرِّحوا بكَونِها شَرطًا أو سَببًا أو عِلَّةً، فادخَلوا السائِمةَ لِوُجودِ النَّماءِ فيها.
قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «صِفةُ النَّماءِ مُعتبَرةٌ في الزَّكاةِ» (٤).
وقالَ أيضًا رحمة الله عليه: والفَرقُ بينَ ما اعتُبِر له الحَولُ وما لم يُعتبَرْ له، أنَّ ما اعتُبِر له الحَولُ مُرصَدٌ لِلنَّماءِ، فالماشيةُ مُرصَدةٌ لِلدَّرِّ والنَّسلِ، وعُروضُ التِّجارةِ مُرصَدةٌ لِلرِّبحِ، وكذا الأَثمانُ، فاعتُبِر له الحَولُ؛ لأنَّه مَظِنةُ النَّماءِ؛ ليَكونَ إِخراجُ الزَّكاةِ من الرِّبحِ، فإنَّه أسهَلُ وأيسَرُ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داوود (١٥٧٧)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي (٢٤٧٧).
(٢) «النجم الوهاج في شرح المنهاج» (٣/ ١٣٠).
(٣) «أسنى المطالب في شرح روض الطالب» (١/ ٣٥٥).
(٤) «المغني» (٢/ ٢٣٩).
مُواساةً، ولم نَعتبِرْ حَقيقةَ النَّماءِ لِكَثرةِ اختِلافِه وعَدمِ ضَبطِه؛ ولأنَّ ما اعتُبِرت مَظِنتُه لم يُلتفَتْ إلى حَقيقتِه، كالحُكمِ مع الأسبابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ، فلا بدَّ لها مِنْ ضابِطٍ، كي لا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ الواحِدِ مَراتٍ فيَنفَدَ مالُ المالِكِ (١).
وقالَ في «الكافي»: ولا زَكاةَ في الخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ والرَّقيقِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «ليسَ على المُسلِمِ في عبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» مُتفَقٌ عليه؛ ولأنَّه لا يُطلَبُ دَرُّها، ولا تُقتَنى في الغالِبِ إلا لِلزِّينةِ، والاستِعمالِ، لا لِلنَّماءِ، ولا زَكاةَ في الوُحوشِ لذلك، وعنه في بَقرِ الوَحشِ الزَّكاةُ لدُخولِها في اسمِ البَقرِ، والأولُ أَولى؛ لأنَّها لا تَدخُلُ في إطلاقِ اسمِ البَقرِ ولا تَجوزُ التَّضحيةُ بها، ولا تُقتَنى لِنَماءٍ ولا دَرٍّ، فأشبَهت الظِّباءَ.
وما تولَّد بينَ الوَحشيِّ والأهليِّ، فقالَ أَصحابنا: فيه الزَّكاة تغليبًا لِلإيجابِ، والأَوْلى ألَّا تَجبَ؛ لأنَّها لا تُقتَنى لِلنَّماءِ والدَّرِّ، أشبَهت الوَحشيةَ؛ ولأنَّها لا تَدخُلُ في إِطلاقِ اسمِ البَقرِ والغَنمِ (٢).
قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ كانَ مُباحًا كحِليةِ النِّساءِ المُعتادةِ من الذَّهبِ والفِضةِ، وخاتَمِ الرَّجلِ من الفِضةِ وحِليةِ سَيفِه وحَمائِلِه ومِنطَقتِه وجَوشَنِه وخَوذَتِه وخُفِّه ورانِه من الفِضةِ وكان مُعدًّا لِلتِّجارةِ
(١) «المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني» (٢/ ٢٥٧).
(٢) «الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل» (١/ ٢٨٣).
أو نَفقةٍ أو كِراءِ بَيتٍ؛ ففيه الزَّكاةُ؛ لأنَّه مُعدٌّ لِلنَّماءِ، فهو كالمَضروبِ، وإنْ أُعدَّ لِلُّبسِ والعاريةِ فلا زَكاةَ فيه؛ لِما رَوى جابِرٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليس في الحُليِّ زَكاةٌ»؛ ولأنَّه مَصروفٌ عن جِهةِ النَّماءِ إلى استِعمالِ مُباحٍ فلم تَجبْ فيه زَكاتُه كثِيابِ البِذلةِ.
وحَكى ابنُ أَبي مُوسى عنه أنَّ فيه الزَّكاةَ لعُمومِ الأَخبارِ (١).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والفَرقُ بينَ ما اعتُبِر له الحَولُ وما لم يُعتبَرْ له، أنَّ ما اعتُبِر له الحَولُ مُرصَدٌ لِلنَّماءِ، فالماشيةُ مُرصَدةٌ للدَّرِّ والنَّسلِ، وعُروضُ التِّجارةِ مُرصَدةٌ لِلرِّبحِ، وكذا الأَثمانُ، فاعتُبِر له الحَولُ؛ فإنَّه مَظِنةُ النَّماءِ؛ ليَكونَ إِخراجُ الزَّكاةِ من الرِّبحِ؛ فإنَّه أسهَلُ وأيسَرُ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت مُواساةً، ولم نَعتبِرْ حَقيقةَ النَّماءِ لِكَثرةِ اختِلافِه، وعَدمِ ضَبطِه؛ ولأنَّ ما اعتُبِرت مَظِنتُه لم يُلتفَتْ إلى حَقيقتِه، كالحُكمِ مع الأسبابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ، فلا بدَّ لها من ضابِطٍ، كي لا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ الواحِدِ مَرَّاتٍ، فيَنفَدَ مالُ المالِكِ.
أمَّا الزُّروعُ والثِّمارُ، فهي نَماءٌ في نَفسِها، تَتكامَلُ عندَ إِخراجِ الزَّكاةِ منها، فتُؤخَذُ الزَّكاةُ منها حينَئذٍ، ثم تَعودُ في النَّقصِ لا في النَّماءِ؛ فلا تَجبُ فيها زَكاةٌ ثانيةٌ؛ لعَدمِ إِرصادِها لِلنَّماءِ، والخارِجُ من المَعدِنِ مُستفادٌ خارجٌ من الأرضِ، بمَنزلةِ الزَّرعِ والثَّمرِ، إلا أنَّه إنْ كانَ من جِنسِ الأَثمانِ، ففيه
(١) «الكافي في فقه الإمام أحمد» (١/ ٣١٠).
الزَّكاةُ عندَ كلِّ حَولٍ؛ لأنَّه مَظِنةٌ للنَّماءِ، من حيثُ إنَّ الأَثمانَ قِيمُ الأَموالِ، ورأسُ مالِ التِّجاراتِ، وبهذا تَحصُلُ المُضاربةُ والشَّركةُ، وهي مَخلوقةٌ لذلك، فكانَت بأصلِها وخِلقَتِها، كمالِ التِّجارةِ المُعدِّ لها (١).
قال الإمامُ البُهوتيُّ وكذا الرُّحيبانيُّ: (و) الشَّرطُ الخامِسُ (ل) وُجوبِ زَكاةِ في (أَثمانٍ وماشيةٍ) وعُروضِ تِجارةٍ: مُضيُّ حَولٍ على نِصابٍ تامٍّ لحَديثِ «لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ» رِفقًا بالمالِكِ وليَتكامَلَ النَّماءُ فيُواسيَ منه؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ فلا بدَّ لها من ضابِطٍ لِئلَّا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ المُتقارِبِ فيَفنَى المالُ.
أمَّا الزَّرعُ والثَّمرُ والمَعدِنُ ونَحوُه فهي نَماءٌ في نَفسِها، تُؤخَذُ الزَّكاةُ منها عندَ وُجودِها ثم لا تَجبُ فيها زَكاةٌ ثانيةٌ لعَدمِ إِرصادِها لِلنَّماءِ إلا أنْ يَكونَ المَعدِنُ أَثمانًا، وقَولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَنفي اعتبارَ الحَولِ في الحُبوبِ ونَحوِها (ويُعفى فيه) أي: الحَولِ (عن نِصفِ يَومٍ) صحَّحَه في «تَصحيح الفُروعِ» (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: ثم قسَّمَ العُروضَ إلى قِسمَينِ: قِسمٌ أُعدَّ لِلتِّجارةِ، ففيه الزَّكاةُ، وقِسمٌ أُعدَّ للقِنيةِ والاستِعمالِ، فهو مَصروفٌ عن جِهةِ النَّماءِ فلا زَكاةَ فيه.
(١) «المغني» (٢/ ٢٥٨).
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٣٩٤)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٢٠).
ثم لَمَّا كانَ حُصولُ النَّماءِ والرِّبحِ بالتِّجارةِ من أشَقِّ الأَشياءِ وأكثَرِها مُعاناةً وعَملًا خَفَّفها بأنْ جعَل فيها رُبع العُشرِ، ولَمَّا كانَ الرِّبحُ والنَّماءُ بالزُّروعِ والثِّمارِ التي تُسقَى بالكُلفةِ أقَلَّ كُلفةً، والعَملُ أيسَرَ، ولا يَكونُ في كلِّ السَّنةِ جعَلَه ضِعفَه، وهو نِصفُ العُشرِ، ولمَّا كانَ التَّعبُ والعَملُ فيما يَشربُ بنَفسِه أقَلَّ والمُؤنةُ أيسَرَ جعَلَه ضِعفَ ذلك وهو العُشرُ، واكتَفى فيه بزَكاةِ عامِهِ خاصَّةً، فلو أَقامَ عندَه بعدَ ذلك عِدةَ أَحوالٍ لغيرِ التِّجارةِ لم يَكنْ فيه زَكاةٌ؛ لأنَّه قد انقطَع نَماؤُه وزيادتُه بخِلافِ الماشيةِ وبخِلافِ ما لو أُعدَّ للتِّجارةِ فإنَّه عُرضةٌ للنَّماءِ، ثم لمَّا كانَ الرِّكازُ مالًا مَجموعًا مُحصَّلًا وكُلفةُ تَحصيلِه أقَلَّ من غيرِه ولم يَحتَجْ إلى أكثَرَ من استِخراجِه كانَ الواجِبُ فيه ضِعفَ ذلك، وهو الخُمسُ.
فانظُرْ إلى تَناسُبِ هذه الشَّريعةِ الكامِلةِ التي بهرَ العُقولَ حُسنُها وكَمالُها وشهِدت الفِطرُ بحِكمتِها، وأنَّه لم يَطرُقِ العالَمُ شَريعةً أفضَلَ منها، ولو اجتمَعَت عُقولُ العُقلاءِ وفِطرُ الأَلبَّاءِ واقتَرحَت شَيئًا يَكونُ أحسَنَ مُقتَرَحٍ لم يَصِلِ اقتِراحُها إلى ما جاءَت به (١).
(١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٢/ ١١٠، ١١١)، وأما الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه فقد صرَّح بإنكارِ النَّماءِ بأنَّه شَرطٌ لِوُجوبِ الزَّكاةِ أو عِلَّةٌ لِوُجوبِها وشنَّع على القائِلين به.
قال الإمامُ ابنُ حَزمٍ: وأمَّا قوَلهُم: إنَّ الزَّكاةَ فيما يَنمي، فدَعوى كاذِبةٌ مُتناقِضةٌ؛ لأنَّ عُروضَ القِنيةِ تَنمي قيمَتُها كعُروضِ التِّجارةِ ولا فَرقَ.
فإن قالوا: العُروضُ لِلتِّجارةِ فيها النَّماءُ، قلنا: وفيها أيضًا الخَسارةُ وكذلك الحَميرُ تَنمي ولا زَكاةَ فيها عندَهم، والخيلُ تَنمي ولا زَكاةَ فيها عندَ الشافعيِّين والمالكيِّين، والإبِلُ العَوامِلُ تَنمي ولا زَكاةَ فيها عندَ الحنفيِّين والشافِعيِّين، وما أُصيب في أرضِ الخَراجِ يَنمي ولا زَكاةَ فيها عندَ الحَنفيِّين، وأموالُ العَبيدِ تَنمي ولا زَكاةَ فيها عندَ المالِكيِّين.
قال أبو مُحمدٍ: وأقوالُهم واضطِرابُهم في هذه المَسألةِ نَفسِها بُرهانٌ قاطِعٌ على أنها ليست من عندِ اللهِ تَعالى.
فإنَّ طائِفةً منهم قالت: تُزكَّى عُروضُ التِّجارةِ من أعيانِها، وهو قَولُ المُزَنيِّ، وطائِفةً قالت: بل نُقوِّمها، ثم اختلفوا، فقال أبو حَنيفةَ: نُقوِّمها بالأحوَطِ لِلمساكينِ، وقال الشافِعيُّ: بل بما اشتراها به، فإنْ كان اشتَرى عَرضًا بعَرضٍ قَوَّمه بما هو الأغلَبُ من نَقدِ البَلدِ.
وقال مالِكٌ: مَنْ باع عَرضًا بعَرضٍ أبدًا فلا زَكاةَ عليه إلا حتى يَبيعَ ولو بدِرهَمٍ، فإذا نَضَّ له ولو دِرهمٌ قوَّم حينَئذٍ عُروضَه وزكَّاها.
فليت شِعري ما شأنُ الدِّرهمِ ههنا، إنَّ هذا لعَجَبٌ فكيف إنْ لم يَنِضَّ له إلا نِصفُ دِرهَمٍ أو حَبَّةُ فِضَّةٍ أو فِلسٌ، كيف يَصنَعُ!
وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يُقوِّمُ ويُزكِّي وإنْ لم يَنِضَّ له دِرهمٌ.
وقال مالِكٌ: المُديرُ الذي يَبيعُ ويَشتري يُقوِّمُ كلَّ سَنةٍ ويُزكِّي، وأمَّا المُحتكِرُ فلا زَكاةَ عليه ولو حبَس عُروضَه سِنين إلا حتى يَبيعَ، فإذا باع زَكَّى حينَئذٍ لِسنةٍ واحِدةٍ وهذا عَجبٌ جدًّا.
وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: كِلاهما سَواءٌ يُقوِّمان كلَّ سَنةٍ ويُزكَّيان. «المحلى» (٥/ ٢٣٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الثانية في معرفة ما تجب فيه الزكاة من الأموال
الْكُفْرُ مِنَ الْأَعْمَالِ - إِلَّا التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَةِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُونَ بِي» .
" فَاشْتَرَطَ مَعَ الْعِلْمِ الْقَوْلَ، وَهُوَ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَمَنْ شَبَّهَ سَائِرَ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ بِالْقَوْلِ قَالَ: جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ شَرْطٌ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ. وَمَنْ شَبَّهَ الْقَوْلَ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ قَالَ: التَّصْدِيقُ فَقَطْ هُوَ شَرْطُ الْإِيمَانِ، وَبِهِ يَكُونُ حُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - حُكْمَ الْمُؤْمِنِ.
وَالْقَوْلَانِ شَاذَّانِ، وَاسْتِثْنَاءُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَعْرِفَةِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزكاة مِنَ الْأَمْوَالِ
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْأَمْوَالِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْهَا عَلَى أَشْيَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ. وَأَمَّا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَصِنْفَانِ مِنَ الْمَعْدِنِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ اللَّتَيْنِ لَيْسَتَا بِحُلِيٍّ، وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ الْحَيَوَانِ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَصِنْفَانِ مِنَ الْحُبُوبِ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، وَصِنْفَانِ مِنَ الثَّمَرِ: التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَفِي الزَّيْتِ خِلَافٌ شَاذٌّ.
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.