الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > إذا زاد على النصاب (الوقص)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءة٢ - ما رَواه عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه رضي الله عنه مَرفوعًا: «ليسَ في أقَلَّ من عِشرينَ مِثقالًا من الذَّهبِ ولَا في أقَلَّ من مِئتَيْ دِرهَمٍ صَدقةٌ» (١).
إذا زادَ على النِّصابِ (الوَقصُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في زِيادةِ النِّصابِ فيهما، وهو الوَقصُ.
فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ زيادَتُها بالحِسابِ، وإنْ قلَّت الزِّيادةُ، وألَّا وَقصَ في الذَّهبِ والفِضةِ، فلو كانَ عندَه (٢١٠) دَراهمَ ففي المِئتَيْن خَمسةُ دَراهمَ، وفي الزائِدِ بحِسابِه، وهو في المِثالِ رُبعُ دِرهمٍ.
لِما ورَدَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا كانَت لك مِئَتا دِرهَمٍ وحالَ عليها الحَولُ ففيها خَمسَةُ دَراهِمَ، وليسَ عليك شَيءٌ، يَعنِي في الذَّهبِ، حتى يَكُونَ لك عِشرونَ دِينارًا، فإذا كانَ لك عِشرونَ دِينارًا وحالَ عليها الحَولُ ففيها نِصفُ دِينارٍ، فما زادَ فبحِسابِ ذلك» (٢).
ولأنَّ الوَقصَ في السائِمةِ لتَجنُّبِ التَّشقيصِ ولا يَضرُّ في النَّقدَينِ (٣).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو عبيد في «الأموال» (١٢٩١).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٥٧٣).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧، ١٨)، و «الهداية» (١/ ١٠٣، ١٠٤)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٠٩)، و «ابن عابدين» (٣٧٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٤٥٥)، و «شرح المنهاج» (٢/ ٢٢)، و «المجموع» (٧/ ٧٤، ٩٢، ٩٣)، و «المغني» (٣/ ٥٢٧)، و «الإفصاح» (١/ ٣٢٧).
وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّ الزائِدَ على النِّصابِ عَفوٌ لا شَيءَ فيه حتى يَبلُغَ خُمسَ نِصابٍ، فإذا بلَغَ الزائِدُ في الفِضةِ أربَعينَ دِرهمًا يَكونُ فيها دِرهمٌ، ثم لا شَيءَ في الزائِدِ حتى تَبلُغَ أربَعينَ دِرهمًا وهكذا، وكذا في الذَّهبِ لا شَيءَ في الزائِدِ على العِشرينَ مِثقالًا حتى يَبلُغَ أربَعةَ مَثاقيلَ.
قال الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو زادَ على نِصابِ الفِضةِ شَيءٌ فلا شَيءَ في الزِّيادةِ حتى تَبلُغَ أربَعينَ فيَجبَ فيها دِرهَمٌ في قَولِ أَبي حَنيفةَ، وعلى هذا أبدًا في كلِّ أربَعينَ دِرهمٌ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيُّ: تَجبُ الزَّكاةُ في الزِّيادةِ بحِسابِ ذلك، قلَّت أو كثُرَت حتى لو كانَت الزِّيادُة دِرهمًا، يَجبُ فيه جُزءٌ من الأربَعينَ جُزءًا من دِرهمٍ، والمَسألةُ مُختلِفةٌ بينَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم:
رُوي عن عُمرَ رضي الله عنه مِثلُ قَولِ أَبي حَنيفةَ، ورُوي عن علِيٍّ وابنِ عُمرَ رضي الله عنهما مِثلُ قَولِهم.
ولا خِلافَ في السَّوائمِ أنَّه لا شَيءَ في الزَّوائِدِ منها على النِّصابِ حتى تَبلُغَ نِصابًا.
احتَجُّوا بما رُوي عن علِيٍّ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «وما زادَ على المِئتَينِ فبحِسابِ ذلك»، وهذا نَصٌّ في البابِ؛ ولأنَّ شَرطَ النِّصابِ ثبَتَ مَعدولًا به عن القياسِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ عُرفَ وُجوبُها شُكرًا لنِعمةِ المالِ، ومَعنى النِّعمةِ يُوجَدُ في القَليلِ والكَثيرِ، وإنَّما عرَفْنا اشتِراطَه بالنَّصِّ وأنَّه ورَدَ في أصلِ النِّصابِ فبقِيَ الأمرُ في الزِّيادةِ على أصلِ القِياسِ، إلا أنَّ
الزِّيادةَ في السَّوائمِ لا تُعتبَرُ ما لم تَبلُغْ نِصابًا دَفعًا لضَررِ الشَّركةِ؛ إذِ الشَّركةُ في الأَعيانِ عَيبٌ، وهذا المَعنى لم يُوجَدْ ههنا.
ولأبي حَنيفةَ ما رُوي عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «فإذا بلَغَت مئتَينِ ففيها خَمسةُ دَراهِمَ، وفي كلِّ أربَعينَ دِرهمٌ، وليسَ فيما دونَ الأربَعينَ صَدقةٌ» (١).
ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لِمُعاذٍ حين وجَّهَه إلى اليَمنِ: «لا تَأخذْ من الكُسورِ شَيئًا، فإذا كانَ الورِقُ مِئتَيْ دِرهَمٍ فخُذْ منها خَمسةَ دَراهمَ، ولا تَأخذْ مما زادَ شَيئًا حتى يَبلُغَ أربَعينَ دِرهمًا فتَأخذَ منها دِرهمًا» (٢).
ولأنَّ الأصلَ أنْ يَكونَ بعدَ كلِّ نِصابٍ عَفوٌ نَظرًا لأَربابِ الأَموالِ، كما في السَّوائمِ؛ ولأنَّ في اعتِبارِ الكُسورِ حَرجًا وهو مَدفوعٌ.
وحَديثُ علِيٍّ رضي الله عنه لم يَرفَعْه أحَدٌ من الثِّقاتِ، بل شَكُّوا في قَولِه: «وما زادَ على المِئتَينِ فبحِسابِ ذلك» أنَّ ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ أو قَولُ علِيٍّ.
فإنْ كانَ قَولَ النَّبيِّ ﷺ يَكونُ حُجةً، وإنْ كانَ قَولَ علِيٍّ رضي الله عنه لا يَكونُ حُجةً؛ لأنَّ المَسألةَ مُختلِفةٌ بينَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، فلا يُحتَجُّ بقَولِ بعضٍ على بعضٍ، وبه تبيَّنَ أنَّه لا يَصلُحُ مُعارِضًا لِما رَويْنا وما
(١) رواه بهذا اللفظ ابن حزم في «المحلى» (٦/ ١٣) بلفظٍ قريبٍ منه رواه ابن حبان في «صحيحه» (٦٥٥٩).
(٢) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه الدارقطني (١٩٠٣).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الثالثة في معرفة نصاب الزكاة
مِثْلُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّيْتُونِ، فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ بِمِصْرَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ قُوتٌ أَمْ لَيْسَ بِقُوتٍ؟
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ أَوْ لَا إِيجَابِهَا.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الثِّمَارِ دُونَ الْخُضَرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} الأنعام: ١٤١ الْآيَةَ، وَمَنْ فَرَّقَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالزَّيْتُونِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ إِلَّا وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التِّجَارَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي إيجاب الزَّكَاة فِيمَا اتُّخِذَ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ، فَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» . وَفِيمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَدِّ زَكَاةَ الْبُرِّ» .
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل شرائط جواز النصاب
شَرَائِطِهِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَجَّلِ إذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» ، وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ سَنَتَيْنِ» وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَوَازُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ بَلْ الْوُجُوبُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ كَامِلٍ نَامٍ أَوْ فَاضِلٍ عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِحُصُولِ الْغِنَى بِهِ وَلِوُجُوبِ شُكْرِ نِعْمَةِ الْمَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.
ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.