الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > الشرط الثاني: ألا تكون عاملة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوذهَبَ أبو مُحمدِ بنُ حَزمٍ إلى أنَّ المُطلَقَ يَقضي على المُقيَّدِ، وأنَّ في الغَنمِ السائِمةِ وغَيرِ السائِمةِ الزَّكاةَ، وكذلك في الإبلِ؛ لقَولِه ﷺ: «ليسَ فِيما دونَ خَمسِ ذَودٍ من الإبلِ صَدقةٌ» (١).
وأنَّ البَقرَ: لمَّا لم يَثبُتْ فيها أثَرٌ وجَبَ أنْ يُتَمسَّكَ فيها بالإِجماعِ، وهو أنَّ الزَّكاةَ في السائِمةِ منها فقط؛ فتَكونَ التَّفرِقةُ بينَ البَقرِ وغيرِها قَولًا ثالِثًا.
وأمَّا القياسُ المُعارِضُ لعُمومِ قَولِه ﷺ: «في أَربَعينَ شاةً شاةٌ» فهو أنَّ السائِمةَ هي التي المَقصودُ منها النَّماءُ والرِّبحُ، وهو أنَّ المَوجودَ فيها أكثَرُ من ذلك، والزَّكاةَ إنَّما هي فَضلاتٌ، والفَضلاتُ إنَّما تُوجَدُ أكثَرَ ذلك في الأَموالِ السائِمةِ، ولذلك اشتُرِطَ فيها الحَولُ، فمَن خصَّصَ لِهذا القياسِ ذلك العُمومَ لم يُوجِبِ الزَّكاةَ في غيرِ السائِمةِ، ومَن لم يُخصِّصْ ذلك، ورَأى أنَّ العُمومَ أَقوى أوجَبَ ذلك في الصِّنفَينِ جَميعًا، فهذا هو ما اختلَفوا فيه من الحَيوانِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ (٢).
الشَّرطُ الثاني: ألَّا تَكونَ عامِلةً:
العَوامِلُ: هي التي تُستخدَمُ في الحَرثِ أو الحَملِ، فالإبِلُ المُعدَّةُ للحَملِ والرُّكوبِ، والنَّواضِحُ، وبَقرُ الحَرثِ والسَّقيِ لا زَكاةَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لحَديثِ: «وليسَ على (في)
(١) رواه البخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٤٧، ٣٤٨)، وانظر: «فتح القدير» (١/ ٥٠٩)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٣٢)، و «شرح المنهاج» (٢/ ١٤)، و «الإشراف» (١/ ١٦٣)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢١٢)، و «الإفصاح» (١/ ٣٠٥)، و «المغني» (٢/ ٣٤٧).
العَواملِ شَيءٌ» (١) ولحَديثِ بَهزِ بنِ حَكيمٍ: «في كلِّ سائمَةِ إبلٍ في أَربَعينَ بِنتُ لَبونٍ» (٢)، فقيَّدَه بالسائِمةِ، فدَلَّ على أنَّه لا زَكاةَ في غيرِها.
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العَملَ لا يَمنعُ الزَّكاةَ في الماشيةِ لعُمومِ الأَحاديثِ في الإبلِ والبَقرِ: «في البَقرِ في كلِّ ثَلاثينَ تَبيعٌ وفي الأَربَعينَ مُسِنَّةٌ» (٣)، وحَديثِ: «في كلِّ خَمسِ ذَودٍ شَاةٌ» (٤) فلم يَخُصَّ عاملًا من غيرِ عامِلٍ.
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٥٧٢)، وغيرُه.
(٢) حَديثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١٥٧٥)، وغيرُه.
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٢)، والنسائي (٢٤٥٠)، وابن ماجه (١٨٠٣)، ولَفظُ أبي داودَ: «عن مُعاذٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا وجَّهه إلى اليمَنِ أَمرَه أَنْ يَأْخذَ من البَقرِ من كل ثَلاثِينَ تَبِيعًا أو تَبِيعَةً ومِن كل أَربَعينَ مُسنَّةً».
(٤) قال الإمامُ الشَّوكانِيُّ رحمة الله عليه في «نيل الأوطار» (٤/ ١٨٢): قَولُه: «في كلِّ خَمسِ ذَودٍ شَاةٌ» الذَّودُ بفَتحِ الذَّالِ المُعجَمةِ وسُكونِ الواوِ بَعدَها ذال (دال) مُهمَلَةٌ قال الْأَكثَرُ: وهو من الثَّلاثَةِ إلَى العَشرَةِ لا وَاحِدَ له من لَفظِه وقال أبو عُبيْدةَ: من الاثنَينِ إلَى العشَرةِ قال: وهو مُختَصٌّ بِالإِنَاثِ.
وقال سِيبوَيهِ: تَقُولُ: ثَلاثُ ذَودٍ؛ لأنَّ الذَّودَ مُؤَّثٌ وَلَيْسَ بِاسْمِ كُسِّرَ عليه مُذكَّرٌ وقال القُرطُبيُّ: أَصْلُهُ ذادَ يَذُودُ إذَا دَفعَ شيئًا فَهو مَصدَرٌ وكَأَنَّ من كان عِندَه دفَعَ عن نَفسِه معَرَّةَ الفَقرِ وشدَّةَ الفَاقةِ والحاجَةِ.
وقال ابن قُتيبَةَ: إنَّهُ يَقعُ على الوَاحِدِ فقَط وَأنكَرَ أَنْ يُرادَ بالذَّودِ الجَمعُ قال: وَلا يَصحُّ أَنْ يُقالَ: خَمسُ ذَودٍ كما لا يَصحُّ أَنْ يُقالَ: خَمسُ ثَوبٍ وغلَّطَه بعضُ العُلماءِ في ذلك، وقال أبو حَاتِمِ السِّجِستانِيُّ: تَرَكوا القِياسَ في الجَمعِ فقَالوا: خَمسُ ذَودٍ لِخَمسٍ من الْإِبِلِ كما قالوا: ثلاثُمائة على غَيرِ قِياسٍ، قال القُرطُبيُّ: وهذَا صَريحٌ في أَنَّ الذَّودَ واحِدٌ في لَفظِه، قال الحافِظُ: والأَشْهرُ ما قالَه المُتقدَّمونَ أنَّه لا يُطلَقُ على الواحِدِ.
ولأنَّ استِعمالَ السائِمةِ زيادةُ رِفقٍ ومَنفعةٍ تَحصُلُ لِلمالِكِ فلا يَقتَضي ذلك مَنعَ الزَّكاةِ بل تَأكيدَ إِيجابِها (١).
(١) «التمهيد» (٢٠/ ١٢٤، ١٤٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٣٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (١/ ٤١١)، و «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٣٦)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٦٨)، و «شرح فتح القدير» (١/ ٥٠٩)، و «شرح المنهاج» (٢/ ١٥)، و «المغني» (٣/ ٣٤٤)، و «كشاف القناع» (٢/ ١٨٤)، و «منار السبيل» (١/ ١٨٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٠٥).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب زكاة الفطر
الفصل الثاني في من تجب عليه زكاة الفطر وعن من تجب
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زكاة الفطر وَعَنْ مَنْ تَجِبُ
الْفَصْلُ الثَّانِي
فِي مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَنْ مَنْ تَجِبُ؟ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُخَاطَبُونَ بِهَا ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، عَبِيدًا أَوْ أَحْرَارًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ إِلَّا مَا شَذَّ فِيهِ اللَّيْثُ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَا شَذَّ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى الْيَتِيمِ.
وَأَمَّا عَنْ مَنْ تَجِبُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّهَا زَكَاةُ بَدَنٍ لَا زَكَاةُ مَالٍ، وَأَنَّهَا تَجِبُ فِي وَلَدِهِ الصِّغَارِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، وَكَذَلِكَ فِي عَبِيدِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.
وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أَنَّهَا تَلْزَمُ الرَّجُلَ عَنْ مَنْ أَلْزَمَهُ الشَّرْعُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ. وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ تَلْزَمُ الْمَرْءَ نَفَقَتُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا وَمَنْ لَيْسَ تَلْزَمُهُ، وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الزَّوْجَةِ وَقَالَ تُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهَا، وَخَالَفَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فِي الْعَبْدِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ زَكَّى عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يُزَكِّ عَنْهُ سَيِّدُهُ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.