النصاب فيما لا يكال

الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > النصاب فيما لا يكال

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

النصاب فيما لا يكال - الأقوال والأدلة

واحتِجاجُ أَبي حَنيفةَ في النِّصابِ بهذا العُمومِ فيه ضَعفٌ، فإنَّ الحَديثَ إنَّما خُرِّجَ مُخرَجَ تَبيِينِ القَدرِ الواجِبِ منه (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: يَجبُ العَملُ بكِلا الحَديثَينِ، ولا يَجوزُ مُعارَضةُ أحَدِهما بالآخَر، وإلغاءُ أحدِهما بالكُلِّيةِ؛ فإنَّ طاعةَ الرَّسولِ فَرضٌ في هذا وفي هذا، ولا تَعارُضَ بينَهما بحَمدِ اللهِ تَعالى، بوَجهٍ من الوُجوهِ؛ فإنَّ قَولَه: «فيمَا سَقَت السَّماءُ العُشرُ»، إنَّما أُريدَ به التَّمييزُ بينَ ما يَجبُ فيه العُشرُ وما يَجبُ فيه نِصفُه، فذِكرُ النَّوعَينِ مُفرَّقًا بينَهما في مِقدارِ الواجِبِ.

وأمَّا مِقدارُ النِّصابِ؛ فسكَتَ عنه في هذا الحَديثِ، وبيَّنَه نَصًّا في الحَديثِ الآخَرِ، فكيفَ يَجوزُ العُدولُ عن النَّصِّ الصَّحيحِ الصَّريحِ المُحكمِ -الذي لا يَحتمِلُ غيرَ ما أُوِّل عليه ألبَتَّةَ- إلى المُجمَلِ المُتشابِهِ الذي غايَتُه أنْ يُتعلَّق فيه بعُمومٍ، لم يَقصِدوا بَيانَه بالخاصِّ المُحكمِ المُبيَّنِ، كبَيانِ سائِرِ العُموماتِ بما يَخُصُّها من النُّصوصِ؟ (٢)

النِّصابُ فيما لا يُكالُ:

ما ذُكرَ من النِّصابِ «الأوسُقُ الخَمسةُ» إنَّما هو في المَكيلاتِ من الحاصِلاتِ الزِّراعيَّةِ، أمَّا ما لا يُقدَّرُ بالكَيلِ كالقُطنِ والزَّعفَرانِ فقد اختلَفوا في تَقديرِ نِصابِه.

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٦٥).
(٢) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٢٩، ٢٣٠)، وانظر: «ابن عابدين» (٢/ ٤٩)، و «المغني» (٣/ ٤٧٢).

قال أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يُعتبَرُ فيه القيمةُ، وهو أنْ يَبلُغَ قيمةُ الخارجِ من قُطنٍ وغَيرِه خَمسةَ أوسُقٍ من أَدنى ما يُكالُ من الحُبوبِ -كالشَّعيرِ مَثلًا- وإنَّما قالَ ذلك؛ لأنَّ الأصلَ هو اعتبارُ الوَسقِ؛ لأنَّ النَّصَّ ورَدَ به غيرَ أنَّه إنْ أمكَنَ اعتِبارُه صُورةً ومَعنًى اعتُبِر، وإنْ لم يُمكِنْ يَجبُ اعتِبارُه مَعنًى، وهو قيمةُ المَوسوقِ (١)، واعتِبارُ الأَدنى لحَظِّ الفُقراءِ.

وعلى هذا تَجبُ زَكاةُ القُطنِ إذا كانَ ثَمنُ الخارِجِ منه يُساوى ثَمنَ خَمسينَ كَيلةً من الشَّعيرِ باعتِبارِه أرخَصَ الحُبوبِ الآنَ.

وقالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه: يُعتبَرُ خَمسةُ أَمثالٍ من أَعلى ما يُقدَّرُ به ذلك الشَّيءُ؛ لأنَّ التَّقديرَ بالوَسقِ في المَكيلاتِ لم يَكنْ إلا لأنَّ الوَسقَ أعلى ما يُقدَّرُ به في بابِه (٢).

وعلى هذا إذا كانَ القُطنُ يُقدَّرُ بالقَناطيرِ في عَصرِنا فنِصابُه خَمسةُ قَناطيرَ، وهكذا.

وقالَ الحَنابِلةُ: إنَّ ما لا يُكالُ يُقدَّرُ بالوَزنِ، ولِهذا قُدِّرَ نِصابُ الزَّعفَرانِ والقُطنِ وما أُلحقَ بهما من المَوزوناتِ بألفٍ وسِتِّمئةِ رَطلٍ بالعِراقيِّ (٣)؛ لأنَّه ليسَ بمَكيلٍ؛ فيَقومُ وَزنُه مَقامَ كَيلِه (٤).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٣٥، ٥٣٦)، و «ابن عابدين» (٢/ ٤٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٣٥، ٥٣٦)، و «ابن عابدين» (٢/ ٤٩).
(٣) وهو ٦٤٧ كيلو جرام. انظر: «فقه الزَّكاة» (١/ ٣٨٣).
(٤) «المغني» (٣/ ٤٧٤)، و «المبدع» (٢/ ٣٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل شرائط جواز النصاب

شَرَائِطِهِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَجَّلِ إذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» ، وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ سَنَتَيْنِ» وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَوَازُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ بَلْ الْوُجُوبُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ كَامِلٍ نَامٍ أَوْ فَاضِلٍ عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِحُصُولِ الْغِنَى بِهِ وَلِوُجُوبِ شُكْرِ نِعْمَةِ الْمَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الثالثة في معرفة نصاب الزكاة

مِثْلُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّيْتُونِ، فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ بِمِصْرَ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ قُوتٌ أَمْ لَيْسَ بِقُوتٍ؟

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ أَوْ لَا إِيجَابِهَا.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الثِّمَارِ دُونَ الْخُضَرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} الأنعام: ١٤١ الْآيَةَ، وَمَنْ فَرَّقَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالزَّيْتُونِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ إِلَّا وَجْهٌ ضَعِيفٌ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التِّجَارَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي إيجاب الزَّكَاة فِيمَا اتُّخِذَ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ، فَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.

وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» . وَفِيمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَدِّ زَكَاةَ الْبُرِّ» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 594 - 595

ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله