حكم الزكاة في عروض التجارة

الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > حكم الزكاة في عروض التجارة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

حكم الزكاة في عروض التجارة - الأقوال والأدلة

الفُقهاءِ كلُّ ما أُعِدَّ لِلتِّجارةِ كائِنةً ما كانت، سَواءٌ مِنْ جِنسٍ تَجبُ فيه زَكاةُ العَينِ، كالإبلِ والبَقرِ والغَنمِ، أو لا، كالثِّيابِ والحَميرِ والبِغالِ (١).

حُكْمُ الزَّكاةِ في عُروضِ التِّجارةِ:

الزَّكاةُ في عُروضِ التِّجارةِ واجِبةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ.

أمَّا الكِتابُ: فالدَّليلُ الأولُ قَولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.

قال أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: وقد رُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ في قَولِه تَعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أنَّه من التِّجاراتِ، منهم الحَسنُ ومُجاهِدٌ. وعُمومُ هذه الآيةِ يُوجِبُ الصَّدقةَ في سائِرِ الأَموالِ؛ لأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَنتَظِمُها (٢).

وقالَ أبو بَكرِ بنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: قَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قالَ عُلماؤُنا: قَولُه تَعالى: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَعني التِّجارةَ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يَعني النَّباتَ.

وتَحقيقُ هذا الاكتِسابِ على قِسمَينِ: منها ما يَكونُ من بَطنِ الأرضِ، وهو النَّباتاتُ كلُّها، ومنها ما يَكونُ من المُحاولةِ على الأرضِ، كالتِّجارةِ

(١) «شرح فتح القدير» (١/ ٥٢٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٣٩)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (١/ ٢٧٧)، و «الإنصاف» (٣/ ١٦١).
(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٨) للجصاص.

والنِّتاجِ والمُغاوَرةِ في بِلادِ العَدوِّ، والاصطيادِ؛ فأمرَ اللهُ تعالَى الأَغنياءَ من عِبادِه بأنْ يُؤتُوا الفُقراءَ مما آتاهم على الوَجهِ الذي فعَلَه رَسولُ اللهِ (١).

وقالَ الإمامُ الرَّازيُّ رحمة الله عليه: ظاهِرُ الآيةِ يَدلُّ على وُجوبِ الزَّكاةِ في كلِّ مالٍ يَكتسِبُه الإِنسانُ، فيَدخُلُ فيه زَكاةُ التِّجارةِ، وزَكاةُ الذَّهبِ والفِضةِ، وزَكاةُ النَّعمِ؛ لأنَّ ذلك مما يُوصَفُ بأنَّه مُكتسَبٌ (٢).

وقد بوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ رحمة الله عليه في «صَحيحِه»: (بابُ صَدقةِ الكَسبِ والتِّجارةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآيةَ: إلى قَولِه: ﴿حَمِيدٌ﴾.

قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: هكذا أورَدَ هذه التَّرجمةَ مُقتصِرًا على الآيةِ بغيرِ حَديثٍ، وكأنَّه أشار إلى ما رَواه شُعبةُ عن الحَكمِ عن مُجاهِدٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: من التِّجارةِ الحَلالِ (٣).

الدَّليلُ الثاني: قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].

قال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: والدِّلالةُ على وُجوبِ زَكاةِ التِّجارةِ قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]، وأَموالُ التِّجارةِ أعَمُّ الأَموالِ فكانَت أَولى بالإِيجابِ (٤).

(١) «أحكام القرآن» (١/ ٤٦٩) لابن العربي.
(٢) «التفسير الكبير» للرازي (٢/ ٦٥).
(٣) «فتح الباري» (٥/ ٥٠).
(٤) «الحاوي الكبير» (٣/ ٦٠٦).

وقالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ عامٌّ في كلِّ مالٍ على اختِلافِ أَصنافِه وتَبايُنِ أَسمائِه واختِلافِ أغراضِه، فمَن أَرادَ أنْ يَخُصَّه بشَيءٍ فعليه الدَّليلُ (١).

وقالَ أبو الوَليدِ الباجيُّ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ الآيةَ: وهذا عامٌّ فيُحمَلُ على عُمومِه إلا ما خَصَّه الدَّليلُ (٢).

وقالَ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: والأصلُ في وُجوبِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣).

وقالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بشَرطٍ في المَأخوذِ والمَأخوذِ منه، ولا تَبيينِ مِقدارِ المَأخوذِ ولا المَأخوذِ منه، وإنَّما بَيانُ ذلك في السُّنةِ والإِجماعِ، حسَبَ ما نَذكرُه فتُؤخَذُ الزَّكاةُ من جَميعِ الأَموالِ (٤).

أمَّا السُّنةُ: فالدَّليلُ على وُجوبِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ منها ما يَأتي:

١ - عن سمُرةَ بنِ جُندُبٍ رضي الله عنه قالَ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ من سمُرةَ بنِ جُندُبٍ إلى بنِيه، سَلامٌ عليكم: «أمَّا بَعدُ؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ كانَ يَأمرُنا أَنْ نُخرِجَ الصَّدقةَ من الذي نُعِدُّ للبَيعِ» (٥).

(١) «شرح الترمذي» (٣/ ١٠٤).
(٢) «المنتقى شرح الموطأ» (٢/ ١٠١).
(٣) «شرح مختصر الخرقي» (١/ ٣٩٥).
(٤) «تفسير القرطبي» (٨/ ٢٤٦).
(٥) رواه أبو داود (١٥٦٢)، والدارقطني (٢/ ١٢٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٤٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٧/ ١٣١)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٣٨).

قال المُلَّا علِيٌّ القاري رحمة الله عليه: وفيه دِلالةٌ ظاهِرةٌ بوُجوبِ زَكاةِ التِّجارةِ (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: من الحُجةِ في إِيجابِ الصَّدقةِ في عُروضِ التِّجارةِ مع ما تَقدَّمَ من عَملِ العُمرَينِ رضي الله عنهما حَديثُ سمُرةَ بنِ جُندُبٍ عن النَّبيِّ ذكَرَه أبو داودَ وغَيرُه بالإِسنادِ الحَسنِ عن سمُرةَ (٢).

٢ - عن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «في الإبلِ صَدقتُها وفي البَقرِ صَدقتُها وفي الغَنمِ صَدقتُها وفي البَزِّ صَدقتُه» (٣).

ووَجهُ الدِّلالةِ منه: أنَّ البَزَّ هي الثِّيابُ أو مَتاعُ البَيتِ من الثِّيابِ ونَحوِها، كما في القاموسِ، فهو يَشمَلُ الأقمِشةَ.

قال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ومَعلومٌ أنَّ البَزَّ لا تَجبُ فيه زَكاةُ العَينِ فثبَتَ أنَّ الواجِبَ فيه زَكاةُ التِّجارةِ (٤).

٣ - عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: أمَرَ رَسولُ اللَّهِ بالصَّدقةِ فقِيلَ: منَعَ ابنُ جَميلٍ وخَالدُ بنُ الوَليدِ وعَباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ، فقالَ النَّبيُّ

(١) «مرقاة المفاتيح على مشكاة المصابيح» (٦/ ٩٢).
(٢) «الاستذكار» (٣/ ١٧٠).
(٣) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٥/ ١١٧٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨٥)، والبزار في «مسنده» (٩/ ٣٤٠)، والدارقطني في «سننه» (٢/ ١٠٠، ١٠٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٤٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٤٧)، وضعفه الألباني في «تمام المنة» (٣٦٣).
(٤) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٣).

: «ما يَنقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إلا أنَّه كانَ فَقِيرًا فأغْناهُ اللهُ ورَسولُه، وأمَّا خَالِدٌ فإنَّكُم تَظلِمونَ خَالِدًا، قد احْتَبسَ إِدراعَه وأَعتُدَه في سَبيلِ اللَّهِ، وأمَّا العَباسُ بنُ عبدِ الْمُطَّلبِ فعمُّ رَسولِ اللَّهِ فهي عليه صَدقةٌ وَمِثلُها معَها» (١).

قال القاضِي عِياضٌ رحمة الله عليه: وقيلَ: إنَّما طُولِبَ خالِدٌ بأَثمانِ الأدرُعِ والأَعتُدِ إذ كانَت للتِّجارةِ فأعلَمَهم ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ إذ قد حبَسَها (ففيه على هذا: إِثباتُ زَكاةِ التِّجارةِ، وهو قَولُ عامَّةِ العُلماءِ، خِلافًا لبعضِ المُتأخِّرينَ، وقد حَكى ابنُ المنذِرِ فيه الإِجماعَ) (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أهلُ اللُّغةِ: الأَعتادُ آلاتُ الحَربِ من السِّلاحِ والدَّوابِّ وغيرِها، والواحِدُ عَتادٌ، (بفَتحِ العَينِ) ويُجمَعُ أَعتادًا وأعتِدةً.

ومَعنى الحَديثِ: أنَّهم طلَبوا من خالِدٍ زَكاةَ أَعتادِه ظَنًّا منهم أنَّها للتِّجارةِ، وأنَّ الزَّكاةَ فيها واجِبةٌ، فقالَ لهم: لا زَكاةَ لكم علَيَّ، فقالوا لِلنَّبيِّ : إنَّ خالِدًا منَعَ الزَّكاةَ، فأخبَرَهم بأنَّهم يَظلِمونَه؛ لأنَّه حبَسَها ووقَفَها في سَبيلِ اللهِ قبلَ الحَولِ عليها، فلا زَكاةَ فيها.

ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ المُرادُ: لو وجَبَت عليه زَكاةٌ لَأعْطاها ولم يَشِحَّ بها؛

(١) رواه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٩٨٣).
(٢) «إكمال المعلم» (٣/ ٩٨٣).

لأنَّه قد وقَفَ أَموالَه للهِ تعالَى مُتبَرِّعًا، فكيف يَشِحُّ بواجِبٍ؟ واستنبَطَ بعضُهم من هذا وُجوبَ زَكاةِ التِّجارةِ، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ خِلافًا لِداودَ (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ورُويَ أنَّ النَّبيَّ : بعَثَ عُمرَ ابنَ الخَطابِ مُصدِّقًا فرجَعَ شاكِيًا من خالدِ بنِ الوَليدِ، والعَباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ وابنِ جَميلٍ، فقالَ النَّبيُّ : أمَّا خالِدٌ فقد ظلَمتُموه؛ لأنَّه حبَسَ أدرُعَه وأعتُدَه في سَبيلِ اللهِ، والأعتُدُ: الخَيلُ، ومَعلومٌ أنَّ الأدرُعَ والخَيلَ لا تَجبُ فيها زَكاةُ العَينِ، فثبَتَ أنَّ الذي وجَبَ فيها زَكاةُ التِّجارةِ (٢).

قال الطَّيبيُّ رحمة الله عليه: وفيه دَليلٌ أيضًا على وُجوبِ الزَّكاةِ في أَموالِ التِّجارةِ، وإلا لَمَا اعتَذرَ النَّبيُّ عندَ مُطالَبةِ زَكاةِ مالِ التِّجارةِ على خالدٍ بهذا القَولِ.

وقالَ: (قَولُه: قد احتسَبَها في سَبيلِ اللهِ) أنَّه احتسَبَها في سَبيلِ اللهِ وقصَدَ بإِعدادِها الجِهادَ دونَ التِّجارةِ، فلا زَكاةَ فيها؛ وأنتم تَظلِمونَه بأنْ تَعدُّوها من عُروضِ التِّجارةِ، فتَطلبوا الزَّكاةَ منها (٣).

(١) «شرح مسلم» (٧/ ٥٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٨٣).
(٣) «شرح الطيبي على المشكاة» (٥/ ١٤٧٨).

وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: واستدَلَّ به البُخاريُّ أيضًا على إِخراجِ العُروضِ في الزَّكاةِ، ووَجهُ ذلك أنَّهم ظَنُّوا أنَّها للتِّجارةِ؛ فطالَبوه بزَكاةِ قيمَتِها (١).

وهناك أَحاديثُ أُخرى عامَّةٌ تُطالِبُ بالزَّكاةِ في سائِرِ الأَموالِ من غيرِ فَصلٍ بينَ مالٍ ومالٍ.

أمَّا الإِجماعُ: فنقَلَ كَثيرٌ من أهلِ العِلمِ الإِجماعَ على وُجوبِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ.

١ - قالَ ابنُ المنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في العُروضِ التي يُرادُ بها التِّجارةُ الزَّكاةَ إذا حالَ عليها الحَولُ (٢).

٢ - قالَ أبو عُبيدٍ رحمة الله عليه: فعلى هذا أَموالُ التِّجارةِ عندَنا، وعليه أجمَعَ المُسلِمونَ أنَّ الزَّكاةَ فَرضٌ واجِبٌ فيها، وأمَّا القَولُ الآخَرُ فليسَ من مَذاهبِ أهلِ العِلمِ عندَنا (٣).

٣ - قالَ ابنُ القَطَّانِ رحمة الله عليه: وأَجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّ في العُروضِ التي تُدارُ للتِّجارةِ الزَّكاةَ إذا حالَ عليها الحَولُ (٤).

(١) «عمدة القاري» (١٠/ ٨٢).
(٢) «الإجماع» (٣٢).
(٣) «الأموال» (٤٣٤).
(٤) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٠١/ ٢١٥).

٤ - وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: الأئِمَّةُ الأربَعةُ وسائِرُ الأُمَّةِ -إلا مَنْ شَذَّ- مُتَّفِقونَ على وُجوبِها في عُروضِ التِّجارةِ (١).

وممَّن نقَلَ الإِجماعَ أيضًا البَغَويُّ (٢) وابنُ عبدِ البَرِّ (٣) والطَّحاويُّ (٤) وأبو الوَليدِ الباجيُّ (٥) والزَّرقانِيُّ (٦) وابنُ هُبيرةَ (٧) وغَيرُهم.

(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٣).
(٢) «شرح السنة» (٣/ ٣٥٠).
(٣) «الاستذكار» (٣/ ١٥٤).
(٤) «شرح مشكل الآثار» (٦/ ٢٤).
(٥) «المنتقى» (٢/ ١٠١).
(٦) «شرح الموطأ» (٢/ ١٤٥).
(٧) «الإفصاح» (١/ ٣٣١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

بابُ زكاةِ التِّجارةِ

تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" . ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ ، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" . قالَه بالزَّاىِ، ولا

خِلافَ فى أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ . وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

باب زكاة التجارة

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بن عيينة عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حماسٍ أَنَّ أَبَاهُ حِمَاسًا قَالَ مَرَرْتُ عَلَى عمر ابن الْخَطَّابِ وَعَلَى عُنُقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا فَقَالَ أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ المؤمنين مالي غَيْرُ هَذِهِ وَأَهُبُّ فِي القرظِ فَقَالَ ذَاكَ مال فضع فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَسَبَهَا فَوَجَدَهَا قَدْ وَجَبَتْ فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ فِي كُلِّ عَامٍ هَذَا مَذْهَبُنَا.

وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لا زكاة فيه بحال.

وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: دَاوُدُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ " .

فَأَخْرَجَهَا بِالتِّجَارَةِ عَنِ الْحَالِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ.

وَلَوْ كَانَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءً، لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ بِالتِّجَارَةِ مَعْنًى، بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ " فَكَانَ الْعَفْوُ عَلَى عُمُومِهِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل أموال التجارة

بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.

وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ تَقُومُ بِهِمَا وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْوَزْنُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ؟ .

وَكَذَلِكَ إذَا مَلَكَ آنِيَةَ ذَهَبٍ وَزْنُهَا عَشْرَةُ مَثَاقِيلَ وَقِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ.

وَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ لَوَجَبَتْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا عَيْنَانِ وَجَبَ ضَمُّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فَكَانَ الضَّمُّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَلَا اتِّحَادَ إلَّا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ أَجْنَاسٌ بِأَعْيَانِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِبْرِيقِ وَالْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا وَجَبَ ضَمُّهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى تُعْتَبَرَ فِيهِ الْقِيمَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ شَرْعًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَإِنَّ الْجَوْدَةَ وَالصَّنْعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 562 - 569

ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر