زكاة الحلي

الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > زكاة الحلي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

زكاة الحلي - الأقوال والأدلة

فصل في زَكاةِ الحُلِيِّ

زَكاةُ الحُلِيِّ:

اختَلفَ العُلماءُ في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحةِ إذا كانَت مما يُلبَسُ ويُعارُ بعدَ إِجماعِهم على أنَّه يَجوزُ للنِّساءِ لُبسُ أَنواعِ الحُلِيِّ من الذَّهبِ والفِضةِ جَميعًا، كالطَّوقِ والعِقدِ والخاتَمِ والسِّوارِ والخَلخالِ والتَّعاويذِ والدَّمالجِ والقَرائدِ والمَخانقِ وكلِّ ما يُتَّخذُ في العُنقِ وغَيرِه وكلِّ ما يَعتَدنَ لُبسَه، ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا (١).

إلا أنَّهم اختلَفوا في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحةِ إذا كانَت مما يُلبَسُ ويُعارُ على قَولَينِ:

القَولُ الأولُ: وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةِ في المَذهبِ وأبي عُبيدٍ، وهو مَرويٌّ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ وابنِ عُمرَ وأنَسٍ وعائِشةَ وأسماءَ بِنتِ أَبي بَكرٍ رضي الله عنهم وغَيرِهم: أنَّه لا يَجبُ في الحُلِيِّ المُباحةِ زَكاةٌ.

(١) «المجموع» (٧/ ١١٧).

أدلَّةُ هذا القَولِ:

أولًا: أنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّممِ من التَّكاليفِ ما لم يَردْ بها دَليلٌ شَرعيٌّ صَحيحٌ، ولم يُوجَدْ هذا الدَّليلُ في زَكاةِ الحُلِيِّ، لا من نَصٍّ ولا من قِياسٍ على المَنصوصِ.

ثانيًا: أنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في المالِ النامِي أو المُعدِّ لِلنَّماءِ، والحُلِيُّ ليسَت منهما؛ لأنَّها خَرجتْ عن النَّماءِ بصِناعتِها حُلِيًّا تُلبَسُ وتُستعمَلُ ويُنتفَعُ بها، فلا زَكاةَ فيها، كما في العَواملِ من الإبلِ والبَقرِ فقد خرَجَت باستِعمالِها في السَّقيِ والحَرثِ عن النَّماءِ، وسقَطَت عنها الزَّكاةُ.

وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: إنَّ المُعتبَرَ في وُجوبِ الزَّكاةِ النَّماءُ دونَ غيرِه، فالزَّكاةُ تابِعةٌ له؛ لأنَّها تَجبُ بوُجودِه وتَسقُطُ بعَدمِه، يبيِّن ذلك أنَّ الزَّكاةَ على ضَربَينِ: منها ما تَجبُ الزَّكاةُ في عَينِه، ومنها ما لا تَجبُ الزَّكاةُ في عَينِه كالعُروضِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ ما لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا قُصدَ به الثَّمنُ وطُلبَ الفَضلُ وجَبَت الزَّكاةُ فيه، فوجَبَ أنْ تَكونَ ما في عَينِه الزَّكاةُ، إذا عُدلَ به عن طَلبِ النَّماءِ يُؤثِّرُ ذلك في سُقوطِ الزَّكاةِ عنه، ولا تَحتاجُ أنْ تَقولَ على وَجهٍ مُباحٍ؛ لأنَّ التأثيرَ إذا ثبَتَ لم يَبقَ إلا ما نَقولُه، وهذا يُمكنُ أنْ يُستدَلَّ به على أنَّه من قياسِ العَكسِ، ويُمكِنُ أنْ يَكونَ استِدلالًا مُبتَدأً (١).

(١) «الإشراف» (١/ ١٧٦).

ثالثًا: يُؤيِّدُ هذا الاستِدلالَ ما صَحَّ عن عِدَّةٍ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم من عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ فيه.

١ - فعن نافِعٍ أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما: «كان يُحلِّي بَناتِه وجَواريَه الذَّهبَ ثُم لَا يُخرِجُ منه الزَّكاةَ» (١).

٢ - وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «ليسَ في الحُليِّ زَكاةٌ» (٢).

٣ - وعن عَمرِو بن دِينَارٍ قالَ: «سَمِعتُ رَجلًا يَسألُ جابِرَ بن عبدِ اللَّهِ رضي الله عنه عن الحُلِيِّ أَفِيه زَكاةٌ؟ فقالَ: جَابِرٌ: لَا. فقالَ: وإِنْ كانَ يَبلغُ أَلفَ دِينارٍ؟ فقالَ جَابِرٌ: كَثيرٌ»، وفي رِوايةٍ قالَ: «يُعارُ ويُلبسُ» (٣).

٤ - عن أَسْمَاءَ رضي الله عنها: «أنَّها كانَت لَا تُزكِّي الحُلِيَّ» (٤).

٥ - وما رَواه مالِكٌ في المُوطَّأِ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ: «أنَّ عائشةَ زَوجَ النَّبيِّ كانَت تَلِي بَناتِ أَخِيها يَتامَى في حِجرِها لهنَّ الحُلِيُّ فَلا تُخرِجُ من حُليِّهنَّ الزَّكاةُ» (٥).

(١) رواه مالك في «الموطأ» (٥٨٥)، والبيهقي (٤/ ١٣٨) بسند صحيح.
(٢) أخرجه عبد الرازق (٤/ ٨٢)، ونحوه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٣)، والدارقطني (٢/ ١٠٩) بسند صحيح.
(٣) أخرجه عبد الرازق (٤/ ٨٢)، و ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٣)، والبيهقي (٤/ ١٣٨) بسند صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٣) بسند صحيح.
(٥) رواه ابن مالك في «الموطأ» (٥٨٦)، والشافعي في «المسند» (١/ ٩٥، ٩٦)، والبيهقي (٤/ ١٣٨).

قال أبو الوَليدِ الباجيُّ رحمة الله عليه: وهذا مَذهبٌ ظاهِرٌ بينَ الصَّحابةِ، وأعلَمُ الناسِ به عائِشةُ رضي الله عنها، فإنَّها زَوجُ النَّبيِّ ، ومَن لا يَخفى عليها أمرُه في ذلك.

وكذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، فإنَّ أُختَه حَفصةَ كانَت زَوجَ النَّبيِّ ، وأمرُ حُليِّها لا يَخْفَى على النَّبيِّ ، ولا يَخفى عليها حُكمُه فيها (١).

وما يَدلُّ على انتِشارِ هذا بينَ الصَّحابةِ والتابِعينَ ما قالَه يَحيى بنُ سَعِيدٍ قالَ: سأَلتُ عَمرَةَ عن زَكاةِ الحُلِيِّ، فقالَت: «ما رَأيتُ أَحدًا يُزكِّيهِ» (٢).

وعن الحَسنِ قالَ: لا نَعلَمُ أحدًا من الخُلفاءِ قالَ: «في الحُلِيِّ زَكاةٌ» (٣).

رابِعًا: قَولُ النَّبيِّ : «يا مَعشرَ النِّساءِ، تَصدَّقنَ ولَو من حُليِّكنَّ» (٤).

قال ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: هذا الحَديثُ يُوجِبُ بظاهِره أنَّه لا زَكاةَ في الحُلِيِّ بقَولِه لِلنِّساءِ: «تَصدَّقنَ ولو من حُليِّكنَّ»، ولو كانَت الصَّدقةُ فيها واجِبةً لَما ضرَبَ المَثلَ بها في صَدقةِ التَّطوُّعِ (٥).

يَعني أنَّه لا يَحسُنُ أنْ يُقالَ للرِّجالِ: تَصدَّقوا ولو من الإبلِ السائِمةِ،

(١) «المنتقى» (٢/ ١٠٧).
(٢) «المصنف» لابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٣)، وانظر: «الأموال» (٤٤٢).
(٣) «المصنف» لابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٣)، وانظر: «الأموال» (٤٤٢).
(٤) رواه البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠).
(٥) «شرح الترمذي» (٣/ ١٣٠، ١٣١).

أو تَصدَّقوا ولو مما أخرَجَت الأرضُ من القَمحِ، أو ممَّا أثمَرت النَّخيلُ من التَّمرِ، ما دامَت الصَّدقةُ في هذه الأَشياءِ لَازمةً ومَفروضةً، إنَّما يُقالُ مَثلًا: تَصدَّقْ ولو مِنْ لَبنِ بَقرَتِك، تَصدَّقْ ولو من طَعامِكم وزادِك، ونَحوُ ذلك مما لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ المَفروضةُ (١).

الَقولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى وُجوبِ الزَّكاةِ في الحُليِّ المُباحةِ إذا بلَغَت نِصابًا، وحالَ عليها الحَولُ، سَواءٌ كانَ الحَلْيُ مَلبوسًا أو مُدَّخرًا أو مُعَدًّا لِلتِّجارةِ.

أدِلَّةُ هذا القَولِ:

١ - العُموماتُ الوارِدةُ في القُرآنِ الكَريمِ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)[التوبة: ٣٤] ألحَقَ الوَعيدَ الشَّديدَ بكَنزِ الذَّهبِ والفِضةِ وتَركِ إنفاقِهما في سَبيلِ اللهِ من غيرِ فَصلٍ بينَ الحُليِّ وغيرِها، وكلُّ مالٍ لم تُؤدَّ زَكاتُه فهو كَنزٌ، فكانَ تاركًا أداءَ الزَّكاةِ منه كانِزًا، فيَدخلُ تحتَ الوَعيدِ ولا يَلحَقُ الوَعيدُ إلا بتَركِ الواجِبِ.

ولأنَّ الحُليَّ مالٌ فاضِلٌ على الحاجةِ الأصليَّةِ؛ إذِ الإِعدادُ للتَّجمُّلِ والتَّزيُّنِ دَليلُ الفَضلِ على الحاجةِ الأصليَّةِ، فكانَ نِعمةً لحُصولِ التَّنعُّمِ به؛ فيَلزَمُه شُكرُها بإِخراجِ جُزءٍ منها لِلفُقراءِ (٢).

(١) «فقه الزَّكاة» (١/ ٣٠٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤١٨).

٢ - لعُمومِ قَولِه : «في الرِّقَّةِ رُبعُ العُشرِ» (١)، وقَولِه: «ليسَ فيما دُونَ خَمسةِ أَواقٍ صَدقةٌ» (٢)، مَفهومُه أنَّ فيها صَدقةً إذا بلَغَت خَمسَ أَواقٍ.

ولعُمومِ قَولِه في زَكاةِ الذَّهبِ: «ما من صاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفِّحَت له صَفائحُ من نارٍ فأُحمِيَ عليها في نارِ جَهنَّمَ فيُكوَى بها جَنبُه وجَبينُه وظَهرُه، كلَّما برَدَت أُعيدَت له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ حتى يُقضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ» (٣).

٣ - استدلُّوا أيضًا بما ورَدَ من الأَحاديثِ في زَكاةِ الحُليِّ خاصَّةً، والوَعيدِ لمَن لم يُخرِجْها:

أ- بحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: «أنَّ امرَأةً (٤) أَتتْ رَسولَ اللَّهِ ومعَها ابنَةٌ لها، وفي يَدِ ابنَتِها مَسَكَتانِ غَليظَتانِ من ذَهبٍ، فقالَ لها: أتُعْطينَ زَكاةَ هذا؟ قالَت: لَا، قالَ: أيسُرُّكِ أنْ يُسوِّرَك اللهُ بهِما يَومَ القِيامَةِ سِوارَينِ من نارٍ؟ قالَ: فخلَعَتهُما فألقَتْهُما إلى النَّبيِّ وقالَت: هُما للَّهِ ﷿ ولرَسولِه» (٥).

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
(٤) في بعضِ الرِّواياتِ أنَّها من اليَمنِ.
(٥) حَديثٌ حَسنٌ: رواه أبو داود (٤٢٨٩)، والترمذي (٦٣٧)، والنسائي (٥/ ٣٨)، وأحمد (٢/ ١٧٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (١٢٦٠).

ب- عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ أَنَّهُ قالَ: «دخَلْنا على عائشةَ زَوجِ النَّبيِّ فقالَت: دخَلَ علَيَّ رَسولُ اللَّهِ فرَأى في يدَيَّ فتَخاتٍ من ورِقٍ، فقالَ: ما هذا يا عائشةُ؟ فقُلتُ: صنَعتُهنَّ أتَزيَّنُ لك يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: أتُؤدِّينَ زَكاتَهُنَّ؟ قُلتُ: لَا، أو ما شاءَ اللهُ، قالَ: هو حَسبُكِ من النَّارِ» (١).

ج- ما رَواه أبو داودَ وغَيرُه عن أُمِّ سَلمةَ قالَت: «كُنْتُ أَلبَسُ أَوْضاحًا من ذَهبٍ فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هو؟ فقالَ: ما بلَغَ أَنْ تُؤدَّى زَكاتُه فزُكِّيَ فليسَ بكَنزٍ» (٢)، (والأَوضاحُ: نَوعٌ من الحُلِيِّ).

٤ - الآثارُ الوارِدةُ عن بعضِ الصَّحابةِ مِثلَ:

أ- أثرِ ابنِ مَسعودٍ: «أنَّه سأَلَته امرَأةٌ عن حُلِيٍّ لها أفيه زَكاةٌ؟ قالَ: إذا بلَغَ مِئتيْ دِرهَمٍ فزَكِّيه، قالَت: إنَّ في حِجْرِي أَيْتامًا، فأَدفَعُه إليهم؟ قالَ: نَعم» (٣).

ب- أثرِ عمرَ: أنَّه كتَبَ إلَى أَبي مُوسَى «أَنِ اؤمُرْ مَنْ قِبَلَك من نِساءِ المُسلِمينَ أَنْ يَتصدَّقنَ من حُليِّهِنَّ [وفي رِوايةٍ: أنْ يُزكِّينَ] ولَا يَجعَلْنَ الهَديَّةَ والزِّيادَةَ تَعارُضًا بينَهنَّ» (٤).

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٥٦٥)، والدارقطني (٢/ ١٠٥)، والحاكم (١/ ٣٨٩)، والبيهقي (٤/ ١٣٩).
(٢) رواه أبو داود (١٤٦٥)، والدارقطني (٢/ ١٠٥)، والحاكم (١/ ٥٤٧)، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٨١)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٨٣) المرفوع منه فقط.
(٣) أخرجه عبد الرازق (٤/ ٨٣)، والطبراني (٩/ ٣٧١)، وفي سنده انقطاع.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٢)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٢١٧)، والبيهقي (٤/ ١٣٩)، وضعفه الحافظ في «الدراية»، وفي تخريج أحاديث «الهداية» (١/ ٢٥٦)، وقال في «التلخيص» (٨٥٨): هو مُرسَلٌ، قاله البُخاريُّ وقد أنكَر الحَسنُ ذلك -أي: البَصريُّ- فيما رَواه ابنُ أبي شَيبةَ قال: لا نَعلَمُ أحَدًا من الخُلفاءِ قال: في الحُليِّ زَكاةٌ.

وهذا الخِلافُ بينَ العُلماءِ إنَّما هو في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحةِ.

أمَّا الحُلِيُّ المُتخذةُ من ذَهبٍ أو فِضةٍ إنْ كانَ استِعمالُه مُحرَّمًا أو مَكروهًا مِثلَ أوانِي الذَّهبِ والفِضةِ والمِعلاقِ والمَجامرِ منهما وغيرِ ذلك فإنَّه تَجبُ فيه الزَّكاةُ بإِجماعِ المسلِمينَ، حَكاه النَّوويُّ وغيرُه (١).

(١) «المجموع» (٧/ ١١٣، ١١٤)، وانظر في هذا المبحث: «بدائع الصنائع» (٢/ ٤١٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (١/ ٤٢٩)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «فتح القدير» (٢/ ٢١٥)، و «المدونة» (٢/ ٢٤٥، ٢٤٧)، و «الاستذكار» (٣/ ١٥١، ١٥٣)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١٢٦)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٦٩)، و «الإشراف» (١/ ١٧٦)، و «الذخيرة» (٢/ ٤١٨)، و «جواهر العقود» (١/ ٣٩٨)، و «الأم» (٢/ ٤٠)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٧١، ٢٧٩)، و «المغني» (٣/ ٥٣١)، و «الإنصاف» (٣/ ١٣٨، ١٣٩)، و «الإفصاح» (١/ ٣٢٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب زكاة الحلي

باب زكاة الحلي

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مالكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أبيه عن عائشة أنَهَا كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتَ أَخِيهَا أَيْتَامًا فِي حجرها فلا تخرج منه زكاة وروي عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواربه ذهباً ثم لا يخرج زكاته (قال) ويروى عن عمر وعبد الله ابن عمرو بن العاص أن في الحلي الزكاة وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْحُلِيُّ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ذَهَبًا وَفِضَّةً.

وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ فَهَذَا لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَمَا كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً ضَرْبَانِ: مَحْظُورٌ وَمُبَاحٌ وَنَذْكُرُ تَفْصِيلَهُمَا، فَالْمَحْظُورُ زَكَاتُهُ وَاجِبَةٌ، وَالْمُبَاحُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ.

وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِهِ أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وعبد الله بن عمرو بْنُ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وأبو حنيفة وَصَاحِبَاهُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

بابُ زكاةِ التِّجارةِ

تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" . ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ ، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" . قالَه بالزَّاىِ، ولا

خِلافَ فى أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ . وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل الأثمان المطلقة وهي الذهب والفضة

الشَّافِعِيِّ إلَّا فِي مَالِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ فِي آخِر الْحَوْلِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَوَسَطِهِ، حَتَّى أَنَّهُ إذَا كَانَ قِيمَةُ مَالِ التِّجَارَةِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مِائَتَيْنِ تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ.

وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ حَوَلَانَ الْحَوْلِ عَلَى النِّصَابِ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ وَلَا نِصَابَ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَوْلِ.

وَكَذَا لَوْ كَانَ النِّصَابُ سَائِمَةً فَجَعَلَهَا عَلُوفَةً فِي وَسَطِ الْحَوْلِ بَطَلَ الْحَوْلُ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: تَرَكْتُ هَذَا الْقِيَاسَ فِي مَالِ التِّجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ أَنَّ نِصَابَ التِّجَارَةِ يَكْمُلُ بِالْقِيمَةِ وَالْقِيمَةُ تَزْدَادُ وَتَنْتَقِصُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ لِتَغَيُّرِ السِّعْرِ لِكَثْرَةِ رَغْبَةِ النَّاسِ وَقِلَّتِهَا وَعِزَّةِ السِّلْعَةِ وَكَثْرَتِهَا، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ تَقْوِيمُ مَالِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَاعْتُبِرَ الْكَمَالُ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ آخِرُ الْحَوْلِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ.

وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تُوجَدُ فِي السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ نِصَابَهَا لَا يَكْمُلُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 553 - 560

ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله