الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > ما سقي بعض العام بكلفة وبعض العام بغير كلفة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةقال أبو عُبيدٍ: البَعلُ: ما شرِبَ بعُروقِه من غيرِ سَقيٍ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وفي الجُملةِ كلُّ ما سُقيَ بكُلفةٍ ومُؤنةٍ من دَاليةٍ أو سانيةٍ أو دُولابٍ أو ناعورةٍ أو غيرِ ذلك ففيه نِصفُ العُشرِ، وما سُقيَ بغيرِ مُؤنةٍ فيه العُشرُ؛ لِما رَويْنا من الخبَرِ؛ ولأنَّ للكُلفةِ تأثيرًا في إِسقاطِ الزَّكاةِ جُملةً، بدَليلِ المَعلوفةِ، فبأنْ يُؤثِّرَ في تَخفيفِها أَولى؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في المالِ النامي وللكُلفةِ تأثيرٌ في تَعليلِ النَّماءِ، فأثَّرت في تَقليلِ الواجِبِ فيها.
ولا يُؤثِّرُ حَفرُ الأَنهارِ والسَّواقي في نُقصانِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ المُؤنةَ تَقلُّ؛ لأنَّها تَكونُ من جُملةِ إِحياءِ الأرضِ، ولا تَتكرَّرُ كلَّ عامٍ، وكذلك لا يُؤثِّرُ احتياجُها إلى ساقٍ يَسقيها ويُحوِّلُ الماءَ في نَواحِيها؛ لأنَّ ذلك لا بدَّ منه في كلِّ سَقيٍ بكُلفَةٍ، فهو زيادةٌ على المُؤنةِ في التَّنقيصِ يَجري مَجرى حَرثِ الأرضِ وتَحسينِها (١).
ما سُقيَ بعضَ العامِ بكُلفةٍ وبعضَ العامِ بغيرِ كُلفةٍ:
إذا سُقيَ بعضَ العامِ بكُلفةٍ وبعضَ العامِ بغيرِ كُلفةٍ فهذا لا يَخلو من حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يُسقى الزَّرعُ نِصفَ السَّنةِ بكُلفةٍ ونِصفَها بغيرِ كُلفةٍ ففيه ثَلاثةُ أرباعِ العُشرِ، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لو وُجدَ في جَميعِ السَّنةِ لأوجَبَ مُقتَضاه، فإذا وُجدَ في نِصفِها أوجَب نِصفَه (٢).
(١) «المغني» (٣/ ٤٧٦).
(٢) «المغني» (٣/ ٤٧٧)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ١٧٢)، و «المجموع» (٧/ ٢١).
لكنَّ المُعتمَد عندَ الحَنفيةِ أنَّه لو استَويا في السَّقيِ يَجبُ نِصفُ العُشرِ؛ لأنَّه وقَعَ الشَّكُّ في الزيادةِ على النِّصفِ فلا تَجبُ الزيادةُ بالشَّكِّ.
وفي قَولٍ عندَهم: يَجبُ ثَلاثةُ أَرباعِ العُشرِ كقَولِ الجُمهورِ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُسقى بأحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو سُقيَ بأحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ هل يُعتبَرُ بأكثَرِهما أو يُعتبَرُ كلٌّ منهما بقِسطِه؟
فقال الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُعتبَرُ أكثَرُهما ويَسقُطُ حُكمُ الأقَلِّ؛ لأنَّ الحُكمَ لِلأغلَبِ؛ فإنَّ اعتبارَ مِقدارِ السَّقيِ، وعَدَدِ مَرَّاتِه، وقَدرِ ما يُشرَبُ في كلِّ سَقيِه يُشَقُّ ويَتعذَّرُ، فكانَ الحُكمُ لِلأغلَبِ منها كالسَّومِ في الماشيةِ.
وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والمالِكيةُ في قَولٍ وابنُ حامِدٍ من الحَنابِلةِ: يُعتبَرُ كلٌّ منهما بقِسطِه؛ لأنَّهما لو كانا نِصفَينِ أُخذَ بالحِصَّةِ، فكذلك إذا كانَ أحدُهما أكثَرَ.
وعلى هذا القَولِ إذا كانَ ثُلثا السَّقي بماءِ السَّماءِ، والثُّلثُ بالنَّضحِ وجَبَ خَمسةُ أَسداسِ العُشرِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٣٩)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٥٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٢٨)، و «حاشية العدوي» (١/ ٥٩٨)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ١٧٢)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٢٧)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٩٥)، و «التنبيه» (١/ ٥٨)، و «حلية العلماء» (٣/ ٦٥)، و «المجموع» (٧/ ٢٤)، و «المغني» (٣/ ٤٧٧)، و «الكافي» (١/ ٣٠٤)، و «المبدع» (٢/ ٣٤٧)، و «الإنصاف» (٣/ ١٠٠)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢١٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الزروع والثمار
بابُ زكاةِ الزُّرُوعَ والثِّمارِ
والأصْلُ فيها الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإجْماعُ ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} والزكاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وقال اللهُ تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} . قال ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقُّهُ: الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةُ. وقال مَرَّةً: العُشْرُ، ونِصْفُ العُشْرِ. ومن السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوسُقٍ صَدَقَةٌ" . مُتَّفَقٌ عليه . وعن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ وَكَانَ عَثَريًّا العُشْرُ، وفِيمَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" . أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ . وعن جَابِرٍ، أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "فِيمَا سَقَتِ الأنْهَارُ والغَيْمُ العُشْرُ، وفِيمَا سُقِيَ بالسَّانيَةِ نِصْفُ العُشْرِ" . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ . وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ. قالَه ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عبدِ البَرِّ.
٤٤٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وكُلُّ مَا أخرَجَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الْأرْضِ مِمَّا يَيْبَسُ ويَبْقَى، مِمَّا يُكَالُ ويَبْلُغُ خمْسَةَ أوْسُقٍ فَصَاعِدًا، فَفِيهِ العُشْرُ، إنْ كَانَ سَقْيُهُ مِنَ السَّمَاءِ والسُّيُوحِ ، وَإنْ كَانَ يُسْقَى بالدَّوَالِي والنَّوَاضِحِ ومَا فِيهِ الكُلَفُ ، فَنِصْفُ العُشْرِ).
ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.