إذا وكله في شراء شيء لا يصح أن يشتريه معيبا

الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > إذا وكله في شراء شيء لا يصح أن يشتريه معيبا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

إذا وكله في شراء شيء لا يصح أن يشتريه معيبا - الأقوال والأدلة

قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وحيثُ حصَلتْ تُهمةٌ لا يَصحُّ (١).

إذا وكَّله في شِراءِ شَيءٍ لا يَصحُّ أنْ يَشترِيَه مَعيبًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا وُكِّلَ في شِراءِ شَيءٍ فاشترَى مَعيبًا، هَلْ يَلزَمُه أو يَلزَمُ المُوكِّلَ أو يَتوقَّفُ على رِضَا المُوكِّلِ، فإنْ رَضيَ به مَضَى، وإلَّا رَدَّهُ؟

فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ مُطلَقًا مِنْ غيرِ قَيدٍ إذا اشترَى مَعيبًا لَزِمَ المُوكِّلَ.

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَلزَمُ الوَكيلَ ولا يَلزَمُ المُوكِّلَ إلَّا أنْ يَرضَى به مَعيبًا على تَفصيلٍ عندَهم.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: إذا كانَ التَّوكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا؛ فإنَّه يُراعَى فيه الإطلاقُ ما أَمكَنَ، إلَّا إذا قامَ دَليلُ التَّقييدِ مِنْ عُرفٍ أو غيرِه فيَتقيَّدُ به.

وَعلى هذا إذا وكَّل رَجُلًا بشِراءِ جاريةٍ، وسمَّى نَوعَها وثَمَنَها، حتى صَحَّتِ الوَكالةُ، فاشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدِ والرِّجْلِ مِنْ خِلافٍ، أو عَوراءَ، لَزِمَ المُوكِّلَ، وكذا إذا اشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجلَيْنِ أو عَمياءَ، عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهُما يَلزَمُ الوَكيلَ.

وَجهُ قَولهما هذا: أنَّ الجاريةَ تُشترَى لِلِاستِخدامِ عُرفًا وعادةً، وغَرَضُ

(١) «الإنصاف» (٥/ ٣٧٨)، ويُنظر: المصادر السابقة.

الِاستِخدامِ لا يَحصُلُ عندَ فَواتِ جِنسِ المَنفعةِ، فيَتقيَّدُ بالسَّلامةِ عن هذه الصِّفةِ، بدِلالةِ العُرفِ، ولِهذا قُلْنا: لا يَجوزُ تَحريرُها عن الكَفَّارةِ، وإنْ كانَ نَصُّ التَّحريرِ مُطلَقًا عن شَرطِ السَّلامةِ؛ لِثُبوتِها دِلالةً، كذا هذا.

وَجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ هو أنَّ اسمَ الجاريةِ بإطلاقِها يَقَعُ على هذه الجاريةِ، كما يَقَعُ على سَليمةِ الأطرافِ، فلا يَجوزُ تَقييدُ المُطلَقِ إلَّا بدَليلٍ، وقَدْ وُجِدَ.

وأمَّا في بابِ الكَفَّارةِ فلأنَّ الأمرَ تَعلَّق بتَحريرِ رَقَبةٍ، والرَّقَبةُ اسمٌ لِذاتٍ مُرَكَّبةٍ مِنْ هذه الأجزاءِ؛ فإذا فاتَ ما يَقومُ به جِنسٌ مِنْ مَنافِعَ الذَّاتِ انتَقَضَتِ الذَّاتُ، فلا يَتناوَلُها مُطلَقُ اسمِ الرَّقَبةِ، فأمَّا اسمُ الجاريةِ فلا يَدُلُّ على هذه الذَّاتِ باعتِبارِ الأجزاءِ، فلا يَقدَحُ نُقصانُها في اسمِ الجاريةِ، بخِلافِ اسمِ الرَّقَبةِ، حتى إنَّ التَّوكيلَ لو كانَ بشِراءِ رَقَبةٍ، لا يَجوزُ، كما يَجوزُ في الكَفَّارةِ، كذا قالوا (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ على شِراءِ شَيءٍ إذا اشترَى مَعيبًا لا يَليقُ بالمُوكِّلِ، وهو عالِمٌ بعَيبِه عَيبًا يُرَدُّ به شَرعًا، أو كانَ ظاهِرًا، حتى لا يَخفَى على غيرِ المُتَأمِّلِ؛ فإنَّه يَلزَمُه، إلَّا أنْ يَرضَى مُوكِّلُه بما اشتَراه به وَكِيلُه، فذلك له، إلَّا أنْ يَكونَ العَيبُ قَليلًا قِلَّةً يُغتَفَرُ مِثلُها عادةً بالنَّظرِ لِمَا اشترَى له، والحالُ أنَّ المَبيعَ فيه غِبطَةٌ؛ فإنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ حينَئذٍ، مثلَ دَابَّةٍ مَقطوعةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٩، ٣٠).

ذَنَبٍ لِغيرِ ذي هَيئةٍ، وهي رَخيصةٌ، أمَّا إنِ اشترَى دَابَّةً مَقطوعةَ الذَّنَبِ لِذي هَيئةٍ، فلا تَلزَمُ، ولو رَخيصةً؛ لأنَّ القَليلَ ما يُغتَفَرُ مِثلُه عادةً بالنَّظرِ لِمَا اشترَى له، ولِمَنِ اشترَى له.

قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: وإنْ أمَرتَهُ بشِراءِ سِلعةٍ فابتاعَها مَعيبةً تَعَمُّدًا؛ فإنْ كانَ عَيبًا خَفيفًا يُغتَفَرُ مِثلُه، وقَد كانَ شِراؤُها به فُرصةً، لَزِمَكَ، وإنْ كانَ عَيبًا مُفسِدًا لَم تَلزَمْكَ إلَّا أنْ تَشاءَ، وهي لَازِمةٌ لِلمَأْمورِ (١).

قالَ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: قُلتُ: انظُرْ لو كانَ العَيبُ خَفيًّا مُغتَفَرًا باعتِبارِ حالِ عُمومِ النَّاسِ، وحالُ الآمِرِ لا يَقتَضي اغتِفارَه، هَلْ يَلزَمُ الآمِرَ أو لا؟

والأظهَرُ أنَّه يَتخرَّج على القولَيْنِ في أوَل كِتابِ الغَصْبِ في أثَرِ العَداءِ إذا كانَ يَسيرًا بالنِّسبةِ إلى عُمومِ النَّاسِ، وغيرَ يَسيرٍ بالنِّسبةِ إلى حالِ المُتعَدَّى عليه، هَلْ يُحكَم عليه بحُكمِ اليَسيرِ أو الكَثيرِ؟

وعبَّر عن هذا ابنُ الحاجِبِ بقَوله:؛ فَإنْ علِم بالعَيبِ كانَ له، ولا رَدَّ إلَّا في اليَسيرِ.

قُلتُ: استِثناؤُه القائِلُ إلَّا في اليَسيرِ يَستحيلُ رَدُّه لِمَنطوقِ ما قبلَه، وإنَّما يَستَقيمُ برَدِّه لِمَحذوفٍ، تَقديرُهُ: ولا يَلزَمُ الآمِرَ، ومِثلُ هذا الحَذفِ لا يَنبَغي في إلقاءِ المَسائِلِ العِلميةِ مَع يُسرِ العِبارةِ عنه بقَوله: فَإنْ علِم بالعَيبِ لَزِمَه، كالآمِرِ، إلَّا في اليَسيرِ.

(١) «الجامع لمسائل المدونة» (١٣/ ٩٥٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٤)، و «شرح الخرشي» (٦/ ٧٤).

وفيها: لو عيَّنه الآمِرُ فلا رَدَّ لِلمَأمورِ بعَيبِه، وإنْ لَم يُعيِّنْه، فقَولُ أشهَبَ: لِلآمِرِ أخْذُها بعدَ رَدِّها لِلمَأْمورِ، فإنْ ماتَتْ ضَمِنها، وابنُ القاسِمِ قالَ: ليسَ له رَدُّها، لأنَّ العُهدةَ له دونَ الآمِرِ، لكنْ لِمُخالَفةِ الصِّفةِ، وقَد أَمكَنَه الرَّدُّ، وهذا في وَكيلٍ مَخصوصٍ، والمُفَوَّضُ له جائِزٌ رَدُّه، وإقالَتُه، على الِاجتِهادِ دونَ مُحاباةٍ.

وفي تَعليقِ أبي عِمرانَ رحمة الله عليه قالَ: هو إنْ رَدَّها ضَمِن عندَ أشهَبَ، وإنْ لَم يَرُدَّها ضَمِن عندَ ابنِ القاسِمِ، فالحِيلةُ في الخَلاصِ مِنْ الضَّمانِ أنْ يَرفَعَ لِلحاكِمِ، فما حَكَمَ به مِنهُما فعليه يَسقُطُ الخِلافُ، فلا ضَمانَ.

ونقَل ابنُ الحاجِبِ رحمة الله عليه: له الرَّدُّ في غيرِ المُعيَّنِ، وفيه: قَولاهُما عَكسُ نَصِّ قَوله.

قالَ المازِريُّ رحمة الله عليه: وهو نَقلُ الشَّافِعيَّةِ عن مَذهبِهم، وعلى الصَّوابِ نقَله ابنُ شاسٍ.

وفي الرَّدِّ بالعَيبِ مِنها: مَنِ ابتاعَ سِلعةً لِرَجُلٍ، وأعلَمَ به البائِعَ فالثَّمنُ على الوَكيلِ، ولو كانَ مُؤجَّلًا، حتى يَقولَ له في العَمدِ: إنَّما يَنقُدُكَ فُلانٌ دُونِي، فالثَّمنُ على الآمِرِ حينَئذٍ.

قال الصِّقِلِّيُّ رحمة الله عليه: قالَ مُحمَّدٌ رحمة الله عليه: وإنْ لَم يَقُلْ هذا، وقالَ: ابتاعَه لِفُلانٍ، تَبِعَ المأْمورَ دونَ الآمِرِ، إلَّا أنْ يُقِرَّ الآمِرُ، فليَبتَعْ أيَّهما شاءَ، إلَّا أنْ يَدَّعيَ الآمِرُ أنَّه دفَع الثَّمنَ لِلمَأْمورِ، فيَحلِفَ ويَبرَأَ ويُتبَعَ المأْمورُ، ولَم يَذكُرْ مُحمَّدٌ هَلْ قبَض الآمِرُ السِّلعةَ أو لا.

وذكَر أصبَغُ رحمة الله عليه في «العُتْبِيَّةِ»: عن ابنِ القاسِمِ في قَبضِ الآمِرِ السِّلعةَ، وقالَ: دَفَعتَ إلى المأْمورِ الثَّمنَ، فإنْ كانَ المأْمورُ دفَع الثَّمنَ لِلبائِعِ فالقَولُ قَولُ الآمِرِ مَع يَمينِه، وإنْ لَم يَنقُدْ حلَف المأْمورُ: ما قَبَضَ، وأُخِذَ مِنْ الآمِرِ.

قالَ سَحنونٌ رحمة الله عليه: إنْ كانَ أشهَدَ حينَ دفَع أنَّه إنَّما يَنقُدُ مِنْ مالِه لَم يُقبَلْ قَولُ الآمِرِ أنَّه دفَع إليه.

قالَ بعضُ فُقهاءِ القَرَويِّينَ: ما في كِتابِ مُحمَّدٍ خِلافُ هذا؛ لأنَّه ذكَر أنَّ الثَّمنَ لَم يَدفَعْه المأْمورُ لِلبائِعِ، وجعَل القولَ قولَ الآمِرِ؛ لأنَّ السِّلعةَ ليسَتْ برَهْنٍ في يَدِ المأْمورِ، وعلى قَولٍ، ويُشبِهُ لو لَم يَدفَعِ السِّلعةَ أنَّ القولَ قَولُه على قَولِ أشهَبَ، وإنْ نقَد؛ لأنَّه يَراها كَرَهْنٍ في يَدِه؛ إذْ له حَبسُها حتى يَقبِضَ الثَّمنَ، وعلى قَولِ ابنِ القاسِمِ ليسَ له حَبْسُها، وعلى قَوله يَكونُ القَولُ قولَ الآمِرِ، ويَجِبُ إنْ دفَع السِّلعةَ لِلآمِرِ أنْ يَكونَ القَولُ قولَ الآمِرِ؛ إذْ لَم يَبقَ بيَدِ المأْمورِ عِوَضٌ عَمَّا دفَعه، وعَمَّا هو مَجبورٌ على دَفعِه، وجعَل في العُتْبِيَّةِ القولَ قوله بعدَ دَفْعِ السِّلعةِ؛ إذْ لَم يَدفَعِ الثَّمنَ لِلبائِعِ، فأحَلَّه مَحَلَّ البائِعِ؛ إذِ الثَّمنُ لا يَسقُطُ عن المُشتَرِي بقَبْضِ السِّلعةِ مِنه، فمتى لَم يَقبِضِ الثَّمنَ كانَ القَولُ قولَ المأْمورِ (١).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإذا وكَّله في شِراءِ شَيءٍ مَوصوفٍ أو مُعيَّنٍ لا يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ مَعيبًا إذا علِم بعَيبِهِ؛ لأنَّ عليه نُصحَ مُوكِّلِه، اللَّهمَ إلَّا أنْ يَكونَ غَرَضُ المُوكِّلِ التِّجارةَ؛ فإنَّه يَصحُّ كَعامِلِ القِرَاضِ وشَريكِ التِّجارةِ والعَبدِ

(١) «المختصر الفقهي» (١٠/ ٣٠٩، ٣١١).

المَأْذونِ له فيها؛ لأنَّ الغَرَضَ الرِّبحُ، وقَد يَكونُ الرِّبحُ في المَعيبِ أكثَرَ مِنه في غيرِه، لاسيَّما العَيبَ الخَفيفَ.

فَإنِ اشترَى المَعيبَ في الذِّمةِ وهو يُساوي مَع العَيبِ ما اشتَراه به وقَع عن المُوكِّلِ إنْ جَهِلَ المُشتَرِي العَيبَ؛ إذْ لا ضَرَرَ على المالِكِ لِتَخييرِهِ؛ لأنَّه يُمكِنُ استِدراكُه بالرَّدِّ، فلا ضَرَرَ عليه فيه، ولا تَقصيرَ مِنْ جِهةِ الوَكيلِ، ولا يُنسَبُ الوَكيلُ إلى مُخالَفةٍ لِجَهلِه، ولا مِنْ جِهةِ اللَّفظِ فيه لِإطلاقِهِ؛ لأنَّ الواجِبَ عليه أنْ يَشترِيَ ما ظَنَّ سَلامَتَه، لا ما هو سَليمٌ في الأمْرِ نَفْسِه، أمَّا إذا قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا سَليمًا. فالوَجْه ألَّا يَقَعَ لِلمُوكِّلِ إذا اشترَى مَعيبًا علِم عَيبَه أو جَهِلَه؛ لأنَّه غيرُ المَأْذونِ فيه.

وَقَولُنا: «في الذِّمةِ» قَدْ يُوهِمُ أنَّه إذا اشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ لا يَقَعُ له، وليسَ كَذلك، بَلْ يَقَعُ له أيضًا إذا أوقَعْناه له هُناكَ، لكنْ ليسَ لِلوَكيلِ الرَّدُّ في الأصَحِّ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ انقِلابُ العَقدِ له بحالٍ، فلا يَتضَرَّرُ، بخِلافِ الشِّراءِ في الذِّمةِ.

وإنْ علِمه فلا يَقَعُ عن المُوكِّلِ في الأصَحِّ، وإنْ ساوَى ما اشتَراه بهِ؛ لأنَّه غيرُ مَأذونٍ له فيهِ؛ لأنَّ الإطلاقَ يَقتَضي سَليمًا.

والثَّاني: يَقَعُ له؛ لأنَّ الصِّيغةَ مُطلَقةٌ، ولا نَقصَ في الماليَّةِ.

والثَّالثُ: إنْ كانَ لِلتِّجارةِ وقَع له، وإنْ كانَ لِلقِنيةِ فلا، واستَحسَنَه الإمامُ.

والرَّابِعُ: إنْ كانَ العَيبُ يَمنَعُ الإجزاءَ في الكَفَّارةِ، وكانَ المَبيعُ رَقيقًا لَم يَقَعْ، وإلَّا وقَع.

قالَ الإمامُ رحمة الله عليه: وصاحِبُ هذا الوَجْهِ يَستَثْنِي الكُفرَ؛ فإنَّه يَمنَعُ الإجزاءَ في الكَفَّارةِ، ويَجوزُ لِلوَكيلِ شِراؤُه.

فَإنْ لَم يُساوِه لَم يَقَعْ عن المُوكِّلِ إنْ علِمه؛ لِتَقصيرِه؛ ولأنَّه يُوَرِّطُه في الغُرمِ مَع العِلمِ، فهو مُخالِفٌ، وقَد يَهرُبُ البائِعُ، فلا يَتمَكَّنُ المُوكِّلُ مِنْ الرَّدِّ، فيَتَضَرَّرُ.

وإنْ جَهِلَه وقَع لِلمُوكِّلِ في الأصَحِّ، كما لو اشتَراه بنَفْسِه جاهِلًا.

والرَّأْيُ الآخَرُ -وصَحَّحَه الإمامُ-: لا يَقَعُ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الغَبْنِ الفاحِشِ يَمنَعُ الوُقوعَ عن المُوكِّلِ مَع السَّلامةِ، فمَع العَيبِ أَوْلَى، وأجابَ الأصحابُ بأنَّ الغَبْنَ الفاحِشَ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، وهُنا يَثبُتُ الخِيارُ بالعَيبِ، فلا ضَرَرَ.

وإذا وقَع عن المُوكِّلِ فلكلٍّ مِنْ الوَكيلِ والمُوكِّلِ الرَّدُّ، أمَّا المُوكِّلُ في حالةِ الجَهلِ فلا خِلافَ فيهِ؛ لأنَّه المالِكُ، والضَّرَرُ لَاحِقٌ به، وأمَّا الوَكيلُ فلأنَّه نائِبُه، ولو لَم نُجَوِّزْ له ذلك لَكانَ المالِكُ رُبَّما لا يَرضَى به، وحينَئذٍ يَتعذَّرُ الرَّدُّ؛ لأنَّه على الفَورِ، ويَبقَى لِلوَكيلِ، فيَتَضَرَّرُ به، وعَنِ ابنِ سُرَيجٍ أنَّه لا يَملِكُ الرَّدَّ إلَّا بإذْنِ مُوكِّلِه.

والعَيبُ الطَّارِئُ قبلَ القَبضِ حُكمُه حُكمُ العَيبِ المُقارَنِ في جَوازِ الرَّدِّ.

ولا فَرقَ في جَميعِ ما ذَكَرْناه بينَ التَّوكيلِ في شِراءِ مُعيَّنٍ، أو مَوصوفٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه إنَّما يُريدُه بشَرطِ السَّلامةِ.

ولو رَضيَ المُوكِّلُ بالعَيبِ سقَط خِيارُ الوَكيلِ إجماعًا، ولا يَسقُطُ خِيارُ المُوكِّلِ بتَأخيرِ الوَكيلِ ورِضاه وتَقصيرِه؛ لِبَقاءِ حَقِّه هذا إذا سَمَّاه الوَكيلُ في الشِّراءِ أو نَواه وصدَّقه البائِعُ، وإلَّا وقَع الشِّراءُ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه اشترَى في الذِّمةِ ما لَم يَأذَنْ فيه المُوكِّلُ، فانصَرَفَ إليه.

ويقعُ الشِّراءُ في صُورَتيِ العِلمِ لِلوَكيلِ أيضًا، وأمَّا إذا علِمه واشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ؛ فإنَّ الشِّراءَ لَم يَصحَّ.

وإذا أرادَ الوَكيلُ الرَّدَّ بالعَيبِ فقالَ البائِعُ: أخِّرْ حتى يَحضُرَ المُوكِّلُ لَم تَلزَمْه إجابَتُه، وإذا رَدَّ فحضَر المُوكِّلُ ورَضيَ احتاجَ إلى استِئنافِ شِراءٍ، وإنْ لَم يَرُدَّ حتى حضَر المُوكِّلُ فلِلمُوكِّلِ الرَّدُّ إنْ كانَ قَدْ سَمَّاه، أو صدَّقه البائِعُ على نِيَّتِه (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا وكَّله في شِراءِ سِلعةٍ مَوصوفةٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَها إلَّا سَليمةً؛ لأنَّ إطلاقَ البَيعِ يَقتَضي السَّلامةَ، ولِذلك جازَ الرَّدُّ بالعَيبِ، فإنِ اشترَى مَعيبًا يَعلَمُ عَيبَه لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ؛ لأنَّه اشترَى غيرَ ما أَذِنَ له فيه، وإنْ لَم يَعلَمْ عَيبَه صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّه إنَّما يَلزَمُه شِراءُ

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٦، ٥٠٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٢، ٤٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٦، ٤٨)، و «الديباج» (٢/ ٣١٤، ٣١٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٧، ٨٥٨)، و «العباب» ص (٦٩٠).

الصَّحيحِ في الظَّاهِرِ؛ لِعَجزِه عن التَّحَرُّزِ عن شِراءِ مَعيبٍ لا يَعلَمُ عَيبَه ملَك رَدَّه؛ لأنَّه قائِمٌ في الشِّراءِ مَقامَ المُوكِّلِ، ولِلمُوكِّلِ رَدُّه أيضًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فإنْ حضَر قبلَ رَدِّ الوَكيلِ ورَضيَ بالعَيبِ لَم يَكُنْ لِلوَكيلِ رَدُّه؛ لأنَّ الحَقَّ له بخِلافِ المَضارِبِ؛ فإنَّ له الرَّدَّ، وإنْ رَضيَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّ له حَقًّا، فلا يَسقُطُ برِضَا غيرِه، وإنْ لَم يَحضُرْ فأرادَ الوَكيلُ الرَّدَّ فقالَ له البائِعُ: تَوَقَّفْ حتى يَحضُرَ المُوكِّلُ، فرُبَّما رَضيَ بالعَيبِ، لَم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لا يَأمَنُ فَواتَ الرَّدِّ لِهَرَبِ البائِعِ وفَواتِ الثَّمنِ بتَلَفِه، وإنْ أخَّرَه بِناءً على هذا القَولِ فلَمْ يَرْضَ به المُوكِّلُ لَم يَسقُطْ رَدُّه، وإنْ قُلْنا: الرَّدُّ على الفَورِ؛ لأنَّه أخَّرَه بإذْنِ البائِعِ فيه، وإنْ قالَ البائِعُ: مُوكِّلُكَ قَدْ علِم العَيبَ فرَضِيَه، لَم يُقبَلْ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ؛ فَإنْ لَم يَكُنْ له بيِّنةٌ لَم يَستحلِفِ الوَكيلَ إلَّا أنْ يَدَّعيَ عِلمَه فيَحلِفَ على نَفْيِ العِلمِ، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ.

وعن أبي حَنيفةَ: أنَّه لا يُستَحلَفُ؛ لأنَّه لو حلَف كانَ نائِبًا في اليَمينِ، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا نِيابةَ ههُنا، وإنَّما يَحلِفُ على نَفْيِ عِلْمِه، وهذا لا يَنوبُ فيه عن أحَدٍ.

فَإنْ رَدَّ الوَكيلُ وحضَر المُوكِّلُ وقالَ: قَدْ بلَغني العَيبُ ورَضيتُ به وصدَّقه البائِعُ، أو قامَتْ به بيِّنةٌ لَم يَقَعِ الرَّدُّ مَوقِعَه، وكانَ لِلمُوكِّلِ استِرجاعُه، ولِلبائِعِ رَدُّه عليه؛ لأنَّ رِضاه به عزَل الوَكيلَ عن الرَّدِّ، بدَليلِ أنَّه لو علِمه لَم يَكُنْ له الرَّدُّ إلَّا أنْ نَقولَ: إنَّ الوَكيلَ لا يَنعزِلُ حتى يَعلَمَ العَزلَ، وإنْ رَضيَ الوَكيلُ المَعيبَ أو أمسَكَه إمساكًا يَنقَطِعُ به الرَّدُّ فحضَر المُوكِّلُ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وكل في شراء شىء فاشترى غيره، كان الآمر مخيرا في قبول الشراء، فإن لم

فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَدَ الرُّجُوعَ عن بَيْعِه. وإن بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لم تَبْطُل الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ.

٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وُكِّلَ في شِرَاءِ شَىْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قُبُولِ الشِّرَاءِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَزِمَ الوَكِيلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 459 - 467

ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله