البيع بالنقود لا بالعروض

الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > البيع بالنقود لا بالعروض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

البيع بالنقود لا بالعروض - الأقوال والأدلة

٣ - البَيعُ بالنُّقودِ لا بالعُروضِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوكِّلِ إذا أطلَقَ البَيعَ لِلوَكيلِ، هَلْ له أنْ يَبيعَ بعَرَضٍ أو لا بدَّ مِنْ النُّقودِ؟

فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ له أنْ يَبيعَ بالعُروضِ وبِالنُّقودِ؛ لِإطلاقِ الأمْرِ، فالمُطلَقُ يَجري على إطلاقِه في غيرِ مَوضِعِ التُّهمةِ، فيَتَناوَلُ كلَّ ما يُطلَقُ عليه البَيعُ، والبَيعُ بالعَرضِ مُتَعارَفٌ عندَ شِدَّةِ الحاجةِ إلى الثَّمنِ لِتِجارةٍ رابِحةٍ، أو لِغيرِها، وعندَ التَّبرُّمِ مِنْ العَينِ، وعندَ ذلك لا يُبالى بقِلَّةِ الثَّمنِ وكَثرَتِه، فكانَ العُرفُ مُشتَرِكًا لا يَصلُحُ دَليلًا لِأحَدِ الخَصمَيْنِ، بَلِ المُتَنازَعُ فيه يَكونُ داخِلًا تَحتَ ما يَدَّعيه الخَصمُ، فيَندَفِعُ نِزاعُه، أو تَظهَرُ مُكابرَتُه.

والبَيعُ بالعَرضِ بَيعٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ، حتى إنَّ مَنْ حلَف لا يَبيعُ يَحنَثُ بالبَيعِ بالعَرضِ، فلمَّا جُعِلَ هذا بَيعًا مُطلَقًا في اليَمينِ، جُعِلَ في الوَكالةِ كذلك (١).

وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ لا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالعَرضِ، وليسَ له إلَّا البَيعُ بالنُّقودِ.

(١) «العناية شرح الهداية» (١١/ ١٦٦، ١٦٧)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٧٠)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٩)، و «اللباب» (٢/ ٥٦٤)، و «الاختيار» (٢/ ١٩٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٢)، و «الهندية» (٣/ ٥٨٨)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٥٤١).

وَعلَّل الحَنفيَّةُ ذلك بأنَّ مُطلَقَ الأمْرِ يَتقيَّدُ بالمُتَعارَفِ؛ لأنَّ التَصرُّفاتِ لِدَفعِ الحاجاتِ، فتَتَقيَّدُ بمَواقِعِها، والمُتَعارَفُ البَيعُ بالنُّقودِ، ولِهذا يَتقيَّدُ الوَكيلُ بشِراءِ الفَحمِ بأيَّامِ البَردِ، وبِالجَمْدِ، بسُكونِ الميمِ: ما جَمُدَ مِنْ الماءِ لِشِدَّةِ البَردِ، وهو تَسميةٌ لِلِاسمِ بالمَصدَرِ، بأيَّامِ الصَّيفِ، وبِالأُضحيَّةِ بأيَّامِ النَّحرِ، أو قبلَها، كلُّ ذلك مِنْ تلك السُّنَّةِ، حتى لو اشترَى ذلك في السَّنةِ الثَّانيةِ لَم يَلزَمِ الآمِرَ، ولأنَّ المُقايَضةَ بَيعٌ مِنْ وَجهٍ، وشِراءٌ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّه مِنْ حيثُ إنَّ فيه إخراجَ السِّلعةِ مِنْ المِلْكِ بَيعٌ، ومِن حيثُ إنَّ فيه تَحصيلَ السِّلعةِ في المِلْكِ شِراءٌ، لا يَتناوَلُه مُطلَقُ اسمِ البَيعِ؛ لأنَّ المُطلَقَ يَنصَرِفُ إلى الكامِلِ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: يَتعيَّنُ على الوَكيلِ عندَ الإطلاقِ أنْ يَبيعَ بالنَّقدِ، فإنْ خالَفَ الوَكيلُ، بأنْ باعَ بعَرَضٍ أو حَيَوانِ، خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إجازةِ البَيعِ، ويَأخُذُ الثَّمنَ أو يَرُدُّه ويَأخُذُ سِلعَتَه إنْ كانَتْ قائِمةً، فإنْ فاتَتْ لَزِمَ الوَكيلَ قِيمَتُها يَومَ قَبضِها، إلَّا أنْ يَكونَ الذي وُكِّلَ على بَيعِه شَأنُه أنْ يُباعَ بالعُروضِ، لِقِلَّةِ ثَمَنِه، كالبَقْلِ وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ.

وَمِنْ «المُدوَّنةِ» قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: وإنْ وَكَّلتَ رَجُلًا على بَيعِ طَعامٍ أو عَرَضٍ، فباعَه بغيرِ العَينِ مِنْ عَرضٍ أو غيرِه، وانتُقِدَ، فأَحَبُّ

(١) «العناية شرح الهداية» (١١/ ١٦٦، ١٦٧)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٧٠)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٩)، و «اللباب» (٢/ ٥٦٤)، و «الاختيار» (٢/ ١٩٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٢)، والهندية» (٣/ ٥٨٨)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٥٤١).

إليَّ أنْ يَضمَنَ المأْمورُ حينَ باعَ بغيرِ العَينِ، إلَّا أنْ يُجيزَ الآمِرُ فِعلَه، ويَأخُذَ ما باعَ به.

ولو أمَرتَه بشِراءِ سِلعةٍ فاشتَراها بغيرِ العَينِ، فلكَ تَرْكُ ما اشترَى، أوِ الرِّضا به، وتَدفَعُ إليه مثلَ ما أدَّى.

ولو اشترَى لكَ أو باعَ بفُلوسٍ فهي كالعُروضِ، إلَّا أنْ تَكونَ سِلعةً خَفيفةَ الثَّمنِ، إنَّما تُباعُ بالفُلوسِ، وما أشبَهَ ذلك، والفُلوسُ فيها بمَنزِلةِ العَينِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أطلَقَ الوَكالةَ لَم يَصحَّ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ، كَسُكنَى دارٍ، وخِدمةِ عَبدٍ، ولا بعَرضٍ أيضًا، كَثَوبٍ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ.

وفي العَرضِ احتِمالٌ بالصِّحَّةِ، وهو رِوايةٌ في المُوجَزِ (٢).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالعَرضِ إذا كانَ يَتعامَلُ به أهلُ البَلَدِ في الأغلَبِ، بأنْ تَجريَ العادةُ بالمُبادَلةِ بالسِّلَعِ دونَ البَيعِ بالنَّقدِ؛ لِدِلالةِ القَرينةِ العُرفيةِ عليه، لاسيَّما إذا كانَ نَقدُ ذلكَ البَلَدِ لا يُروَّجُ بغيرِه، ولا شَكَّ في جَوازِه في ناحيةٍ لا أثمانَ فيها؛ فَإنْ لَم يَكُنْ عادةُ أهلِ البَلَدِ البَيعَ بالعُروضِ

(١) «تهذيب المدونة» (١/ ٤٩٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٣)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٦١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٨٤، ٢٨٥).
(٢) «الإنصاف» (٥/ ٣٧٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشركة
٨٢٨ - مسألة؛ قال: (وإن اشترك بدنان بمال أحدهما، أو بدنان بمال غيرهما، أو بدن ومال، أو مالا

يُسْتَوْفَى رَأْسُ المالِ بِكَمَالِه. والرَّاوِيَةُ ههُنا تَخْلُقُ وتَنْقُصُ، ولا إِجَارَةَ؛ لأنَّها تَفْتَقِرُ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ وأجْرٍ مَعْلُومٍ، فتكون فَاسِدَةً، فعلى هذا يكونُ الأَجْرُ كله في المَسْأَلَةِ الأُولَى لِلسَّقَّاءِ؛ لأنَّه لما غرَفَ الماءَ في الإِنَاءِ مَلَكَهُ، فإذا بَاعَهُ فثَمَنُه له، لأنَّه عِوَضُ مِلْكِه، وعليه لِصَاحِبَيْهِ أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ مِلْكَهُما بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ لهما، فكان لهما أجْرُ المِثْلِ، كسَائرِ الإِجارَاتِ الفاسِدَةِ. وأما في المَسْأَلَةِ الثانيةِ، فإنَّهم إذا طَحَنُوا لِرَجُلٍ طَعَامًا بأُجْرَةٍ، نَظَرْتَ في عَقْدِ الإِجارَةِ، فإن كان من واحدٍ منهم، ولم يَذْكُرْ أصْحَابَهُ، ولا نَوَاهُم، فالأَجْرُ كلُّه له، وعليه لأَصْحَابِه أجْرُ المِثْلِ، وإن نَوَى أصحَابَه، أو ذَكَرَهُم ، كان كما لو عَقَدَ مع كلِّ واحدٍ منهم مُنْفَرِدًا، أو اسْتَأْجَرَ من جَمِيعِهِم، فقال: اسْتَأْجَرْتُكم لِتَطْحَنُوا لي هذا الطَّعَامَ بكذا. فالأَجْرُ بينهم أرْباعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد لَزِمَهُ طَحْنُ رُبْعِه بِرُبْعِ الأَجْرِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهم على أصْحابِه بِرُبْعِ أجْرِ مِثْلِه. وإن كان قال: اسْتَأْجَرْتُ هذا الدُّكّانَ والبَغْلَ والرَّحَى، وهذا الرَّجُلَ بكذا وكذا، لِطَحْنِ كذا وكذا من الطَّعامِ. صَحَّ، والأَجْرُ بينهم على قَدْرِ أجْرِ مِثْلِهِم، لكلِّ واحدٍ من المُسَمَّى بقَدْرِ حِصَّتِه، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يكونُ بينهم أرْباعًا، بنَاءً على ما إذا تَزَوَّجَ أرْبَعًا بِمَهْرٍ واحدٍ، أو كاتَبَ أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ بِعِوَضٍ واحدٍ. وهل يكونُ العِوَضُ أَرْباعًا، أو على قَدْرِ قِيمَتِهم؟ على وَجْهَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 393 - 395

ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده