الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > الصورة الثانية (من صور الوكالة): الوكالة بالشراء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةالصُّورةُ الثَّانيةُ مِنْ صُوَرِ الوَكالةِ: الوَكالةُ بالشِّراءِ:
الوَكالةُ بالشِّراءِ إمَّا أنْ تَكونَ مُطلَقةً، وإمَّا أنْ تَكونَ مُقيَّدةً، ولكلٍّ حُكمُها.
أوَّلاً: إطلاقُ الوَكالةِ بالشِّراءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكالةِ المُطلَقةِ بالشِّراءِ، كَأنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: اشتَرِ لي ما شِئتَ، أو ما رَأيتَ، أو أيَّ ثَوبٍ شِئتَ، أو أيَّ دارٍ شِئتَ، أو ما تَيَسَّرَ لكَ مِنْ الثِّيابِ أو الدَّوابِّ، هَلْ هي صَحيحةٌ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّه فوَّض الأمرَ إليه، فيَصحُّ مَع الجَهالةِ الفاحِشةِ، كالبِضاعةِ والمُضارَبةِ.
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ إطلاقَ الوَكالةِ بالشِّراءِ، كَأنَّ يَقولُ لِلوَكيلِ: اشتَرِ لي ما شِئتَ، لَا يَصحُّ؛ لأنَّه قَدْ يَشترِي ما لا يَقدِرُ على ثَمَنِه. وقَد تَقدَّم تَفصيلُ هذا في الوَكالةِ المُطلَقةِ والمُقيَّدةِ، أوَّلَ هذا الكِتابِ في فَصلِ أنواعِ الوَكالةِ.
العَملُ بمُراعاةِ الإطلاقِ في الوَكالةِ بالشِّراءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أطلَقَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ الشِّراءَ هَلْ يُراعِي الوَكيلُ الإطلاقَ أو يَتقيَّدُ بالعُرفِ أو غيرِه؟
قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: إذا كانَ التَّوكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا؛ فإنَّه يُراعِي فيه الإطلاقَ ما أمْكَنَ، إلَّا إذا قامَ دَليلُ التَّقييدِ مِنْ عُرفٍ أو غيرِه، فيَتقيَّدُ به.
وَعلى هذا إذا وكَّل المُوكِّلُ رَجُلًا بشِراءِ جاريةٍ، وسمَّى نَوعَها وثَمَنَها، حتى صَحَّتِ الوَكالةُ، فاشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدِ والرِّجْلِ مِنْ خِلافٍ، أو عَوراءَ، لَزِمَ المُوكِّلَ، وكذا إذا اشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجلَيْنِ، أو عَمياءَ، عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهُما يَلزَمُ الوَكيلَ.
وَجهُ قَولهما هذا أنَّ الجاريةَ تُشترَى لِلِاستِخدامِ عُرْفًا وعادةً، وغَرَضُ الِاستِخدامِ لا يَحصُلُ عندَ فَواتِ جِنسِ المَنفعةِ، فيَتقيَّدُ بالسَّلامةِ عن هذه الصِّفةِ، بدِلالةِ العُرفِ، ولِهذا قُلْنا: لا يَجوزُ تَحريرُها عن الكَفَّارةِ، وإنْ كانَ نَصُّ التَّحريرِ مُطلَقًا عن شَرطِ السَّلامةِ؛ لِثُبوتِها دِلالةً، كذا هذا.
وَجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه هو أنَّ اسمَ الجاريةِ بإطلاقِها يَقَعُ على هذه الجاريةِ، كما يَقَعُ على سَليمةِ الأطرافِ، فلا يَجوزُ تَقييدُ المُطلَقِ إلَّا بدَليلٍ، وقَد وُجِدَ.
وأمَّا في بابِ الكَفَّارةِ فلأنَّ الأمْرَ تَعلَّق بتَحريرِ رَقَبةٍ، والرَّقَبةُ اسْمٌ لِذاتٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ هذه الأجزاءِ؛ فإذا فاتَ ما يَقومُ به جِنسٌ مِنْ مَنافِعِ الذَّاتِ انتَقَضَتِ الذَّاتُ، فلا يَتناوَلُه مُطلَقُ اسمِ الرَّقَبةِ، فأمَّا اسمُ الجاريةِ فلا يَدُلُّ على هذه الذَّاتِ، باعتِبارِ الأجزاءِ، فلا يَقدَحُ نُقصانُها في اسمِ الجاريةِ بخِلافِ اسمِ الرَّقَبةِ، حتى إنَّ التَّوكيلَ لو كانَ بشِراءِ رَقَبةٍ لا يَجوزُ كما يَجوزُ في الكَفَّارةِ، كذا قالوا (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٩، ٣٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وكل في شراء شىء فاشترى غيره، كان الآمر مخيرا في قبول الشراء، فإن لم
فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَدَ الرُّجُوعَ عن بَيْعِه. وإن بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لم تَبْطُل الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ.
٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وُكِّلَ في شِرَاءِ شَىْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قُبُولِ الشِّرَاءِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَزِمَ الوَكِيلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ)
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.