الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > بيان مخالفة الوكيل لقيود الموكل في البيع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةعيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِعِبادَتِه وَقتًا لَم يَجُزْ تَقديمُها عليه، ولا تَأخيرُها عنه، على تَفصيلٍ به سَيَأتي.
أمَّا لو خالَفَ لِلأحسَنِ بأنِ اشترَى بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ المُقدَّرِ له، صَحَّ الشِّراءُ؛ لأنَّه اشترَى بأقَلَّ مِنْ المَأْذونِ فيه.
إلَّا أنْ يَنهاه المُوكِّلُ عن الشِّراءِ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَه له؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: اشتَرِه بمِئةٍ ولا تَشتَرِه بدُونِها، فخالَفَه الوَكيلُ، لَم يَجُزْ، ولَم يَصحَّ الشِّراءُ؛ لِلمُخالَفةِ لِنَصِّه، وصَريحُ قَوله مُقدَّمٌ على دِلالةِ العُرفِ (١).
بَيانُ مُخالَفةِ الوَكيلِ لِقُيودِ المُوكِّلِ في البَيعِ:
ذَكَرتُ فيما سبَق أقوالَ الفُقهاءِ مُجمَلةً في الوَكيلِ في الشِّراءِ المُقيَّدِ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُخالِفَ المُوكِّلَ فيما وكَّله فيه إلَّا لِلأحسَنِ، وقَد ذكَر الفُقهاءُ أنَّ الوَكيلَ في الشِّراءِ قَدْ يُخالِفُ في أُمورٍ، مِنها ما يَلي:
١ - المُخالَفةُ في الثَّمنِ:
إذا حَدَّدَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ الثَّمنَ فخالَفَ الوَكيلُ فلا يَخلو إمَّا أنْ يُخالِفَ فيَشترِيَ بأكثَرَ ممَّا حَدَّدَه له، وإمَّا أنْ يُخالِفَ لِلأحسَنِ فيَشترِيَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَه له.
الحالةُ الأُولَى: أنْ يُخالِفَ فيَشترِيَ بأكثَرَ ممَّا حَدَّدَه له المُوكِّلُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا اشترَى بأكثَرَ ممَّا حَدَّدَه له المُوكِّلُ،
(١) «المغني» (٥/ ٧٦)، و «كشاف القناع» (٣/)، ٥٥٩).
هَلْ يَصحُّ الشِّراءُ ويَضمَنُ الزِّيادةَ؟ أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ؟ أو يَبطُلُ الشِّراءُ؟
فَذَهَبُ الحَنابِلةُ في المَذهبِ وأبو العَبَّاسِ مِنْ الشَّافِعيَّةِ إلى أنَّ الشِّراءَ صَحيحٌ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ النَّقصَ؛ لأنَّ فيه جَمعًا بينَ حَظِّ المُشتَري بعَدمِ الفَسخِ، وحَظِّ البائِعِ، فوجَب التَّضمينُ، وأمَّا الوَكيلُ فلا يُعتبَرُ حَظُّهُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ له: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ، فاشترَى جاريةً بأكثَرَ مِنْ الألْفِ تَلزَمُ الوَكيلَ دونَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه خالَفَ أمرَ المُوكِّلِ، فيَصيرُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه.
والأصلُ أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ إذا خالَفَ يَكونُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه، وأنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا خالَفَ يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، والفَرقُ بينَهما أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ مُتَّهمٌ؛ لأنَّه يَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه، فأمكَنَ تَنفيذُه عليه … ومعنَى التُّهمةِ لا يَتعذَّرُ مِنْ الوَكيلِ بالبَيعِ، فاحتمَلَ التَّوَقُّفَ على الإجازةِ.
إلَّا إذا اشتَراه بعَيْنٍ مِنْ أعيانِ مالِ المُوكِّلِ، فيَتوقَّفُ على الإجازةِ؛ لأنَّه لمَّا اشتَراه بعَيْنٍ مِنْ أعيانِ مالِه فقَد باعَ العَينَ، والبَيعُ يَقِفُ على إجازةِ المُوكِّلِ (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٧٨، ٨٠)، و «الفروع» (٤/ ٨٣)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٨١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥٦)، و «البيان» (٦/ ٤٣٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثالث في مخالفة الموكل للوكيل
وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ.
وَمِنْهَا إِذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَكَالَةً مُطْلَقَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَبِيعَ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ نَقْدًا بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا يَجُوزُ إِنْ بَاعَ نَسِيئَةً، أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي الشِّرَاءِ. وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِمُعَيَّنٍ، فَقَالَ: يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَأَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً، وَلَمْ يَجُزْ إِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ نَقْدًا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْوَكَالَةِ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بعينه ; لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبِيعُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَنَسَاءً لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، كَذَلِكَ حُكْمُ الْوَكِيلِ إِذْ قَدْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَبْيَنُ.
وَكُلُّ مَا يَعْتَدِي فِيهِ الْوَكِيلُ ضُمِّنَ عِنْدِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ تَعَدَّى.
وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ شَيْئًا وَأُعْلِمَ أَنَّ الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ فَالْمِلْكُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِلَى الْوَكِيلِ أَوَّلًا ثُمَّ إِلَى الْمُوَكِّلِ.
وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ دَيْنًا عَنِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يُشْهِدْ فَأَنْكَرَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ الْقَبْضَ ضَمِنَ الْوَكِيلُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مُخَالَفَةِ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ
الْبَابُ الثَّالِثُ
مُخَالَفَة الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ
ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.