الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > ب- بيع الوكيل لأولاده الكبار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةب- بَيعُ الوَكيلِ لِأولادِه الكِبارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِأولادِه الكِبارِ أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ البَيعُ لِابنِه الكَبيرِ، ولا الشِّراءُ مِنهُ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا باعَ لِأولادِه لَحِقَتْه التُّهمَةُ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهم -أي: الوَكيلَ وأولادَه- يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهم كمالِ الوَكيلِ، فصارَ الوَكيلُ بائِعًا أو شاريًا مِنْ نَفْسِه، وكذا الإجارةُ والصَّرفُ.
إلَّا أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ أنْ يَبيعَ مِنهم، أو يَقولَ له: بِعْه ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه لهم.
وقيلَ: إنْ باعَ بأكثَرَ مِنْ القِيمةِ جازَ عندَ أبي حَنيفةَ.
وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ لِأولادِه الكِبارِ بمِثلِ القِيمةِ، ولَا يُحابيَ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دُون آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ
حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ المالِيَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ.
أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ، حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جاريَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطءُ جاريةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ.
وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبِيِّ.
ولأنَّه باعَ بالثَّمنِ الذي لو باعَ به لِأجنَبِيٍّ لَصَحَّ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو باعَ مِنْ صَديقِه.
وقيلَ: إنْ باعَ بغَبْنٍ يَسيرٍ لهم يَجوزُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ.
وقالَ المالِكيَّةُ: إنْ حابَى، بأنْ باعَ لهم ما يُساوي عَشَرةً بخَمسةٍ، مُنِعَ ومَضَى البَيعُ وغُرِّمَ الوَكيلُ ما حابَى به، والعِبرةُ بالمُحاباةِ وَقتَ البَيعِ، لا وَقتَ قِيامِ المُوكِّلِ أو عِلمِه (١).
(١) «البدائع» (٦/ ٢٨)، و «العناية» (١١/ ١٦٢، ١٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٨، ٤٩٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٦٦، ١٦٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٢)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٥٦٣)، و «اللباب» (١/ ٥٦٤)، و «ابن عابدين» (٧/ ٣٣٠)، و «الهندية» (٢/ ٥٨٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٢، ٥٠٣)، و «البيان» (٦/ ٤١٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٦)، و «الديباج» (٢/ ٣١٣)، و «المغني» (٥/ ٦٩)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٢١)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٧٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٢١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.