توكيل الوكيل غيره

الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > توكيل الوكيل غيره

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 40 دقيقة قراءة

توكيل الوكيل غيره - الأقوال والأدلة

بعدَ امتِناعِه مِنْ الدَّفعِ بغيرِ عُذرٍ أنَّه قَدْ دفَع الثَّمنَ إلى مُوكِّلِه لَم يُقبَلْ قَولُه؛ لِتَعلُّقِ الضَّمانِ بذِمَّتِه.

فلَو طَلبَ الإشهادَ على مُوكِّلِه بالدَّفعِ لَزِمَه ذلك، فلَو أبرَأَه المُوكِّلُ مِنْ الضَّمانِ؛ فإنْ كانَ بعدَ تَلَفِ الشَّيءِ في يَدِه وتَعلُّقِ الغُرمِ بذِمَّتِه صَحَّتِ البَراءةُ، وإنْ كانَ مَع بَقاءِ الشَّيءِ المَضمونِ في يَدِ الوَكيلِ ففي صِحَّةِ البَراءةِ وَجهانِ: أحَدُهما: تَصحُّ، كالإبراءِ ممَّا تَعلَّق بذِمَّتِه، فعلى هذا إذا ادَّعى رَدَّه بعدَ ذلك قُبِلَ مِنه. والآخَرُ: أنَّ البَراءةَ مِنه لا تَصحُّ؛ لأنَّها عَينٌ مَضمونةٌ، كالغَصبِ، لا يَسقُطُ ضَمانُه بالإبراءِ مِنه، فعلى هذا إنِ ادَّعى رَدَّه لَم يُقبَلْ مِنه، واللَّهُ أعلَمُ (١).

تَوكيلُ الوَكيلِ غيرَه:

لا يَخلو الوَكيلُ مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ:

الأُولَى: أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ في التَّوكيلِ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.

الثَّانيةُ: أنْ يَنهاه المُوكِّلُ أنْ يُوكِّلَ غيرَه، فلا يَجوزُ له التَّوكيلُ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.

الثَّالثةُ: أنْ يُطلِقَ له الوَكالةَ، ولَم يَأذَنْ له، ولَم يَنْهَهُ، فاختَلفَ أهلُ العِلمِ في هذا، هَلْ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه أو لا؟

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٢٢، ٥٢٤)، و «مختصر المزني» ص (١١٠).

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له، وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ يَجوزُ على تَفصيلٍ.

ونَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه في ثَلاثِ صُورٍ أيضًا، وإنْ لَم يَنُصَّ له على التَّوكيلِ:

الصُّورةُ الأُولَى: أنْ يَكونَ العَملُ -مَحَلُّ الوَكالةِ- لا يَليقُ بالوَكيلِ، ويَتَرَفَّعُ الوَكيلُ عن القِيامِ بمِثلِه، كالأعمالِ الدَّنيئةِ في حَقِّ أشرافِ النَّاسِ المُتَرَفِّعينَ عن فِعلِها في العادةِ، كَبَيعِ دَابَّةٍ في سُوقٍ، أو ثَوبٍ، ونحوِ ذلك، فيَجوزُ له في هذه الحالةِ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَتعاطاه عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ التَّفويضَ في مِثلِ هذه الحالةِ إنَّما يُقصَدُ مِنه الِاستِنابةُ؛ لأنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّه لا يُنادِي على ذلك بنَفْسِه في الأسواقِ، وإنَّما يَتوَلَّاه أربابُه مِنْ النَّخَّاسينَ والسَّماسِرةِ، فيَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ غيرَه لِلعُرفِ، إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ والشَّافِعيَّةَ قَيَّدوا هذا بما إذا عُلِمَ المُوكِّلُ بوَجاهَتِه، أو اشتُهِرَ الوَكيلُ بالوَجاهةِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ حينَئذٍ مَحمولٌ على أنَّه عُلِمَ بها، ولا يُصدَّقُ في دَعواه أنَّه لَم يَعلَمْ، وإنْ لَم يَعلَمِ المُوكِّلُ بوَجاهَتِه، ولا اشتُهِرَ الوَكيلُ بها، فليسَ له التَّوكيلُ، فإنْ وكَّل وتَلِفَ المالُ ضَمِنه؛ لِتَعَدِّيهِ.

وفي قَولٍ لِلشَّافِعيةِ: لا يَجوزُ له التَّوكيلُ؛ لِإطلاقِ اللَّفظِ (١).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٥٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٨)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥١٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٤، ٤٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨، ٤٩)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٨، ٨٥٩)، و «الديباج» (٢/ ٣١٥، ٣١٦)، و «المغني» (٥/ ٥٦، ٥٧)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٣).

الصُّورةُ الثَّانيةُ: ألَّا يُحسِنَ عَملَ ما وُكِّلَ فيه، ولا يَعرِفَ صُنعَه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَسْجِ ثَوبٍ وهو لا يُحسِنُ النَّسجَ، أو في صِياغةِ حُلِيٍّ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ ويَستَنيبَ في عَملِه، ويَكونَ معنَى تَوكيلِه فيه -وهو لا يُحسِنُ الصَّنعةَ- استِنابَتَه في تَوكيلِ مَنْ يُحسِنُها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ كما سبَق.

الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يَكونَ العَملُ الذي وُكِّلَ فيه كَثيرًا، لا يَستَطيعُ أنْ يَقومَ به بمُفرَدِه؛ لِعَجزِه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَقلِ حُمولةٍ أو في عِمارةِ ضَيعةٍ، فاختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يَجوزُ له التَّوكيلُ مُطلَقًا أو فيما عَجزَ عنه فيه:

فَذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيه مَنْ يَعمَلُ مَعه ما لَم يُنْهَ عنه صَريحًا؛ لأنَّ الضَّرورةَ دَعَتْ إليه فيما لا يُمكِنُ، بخِلافِ المُمكِنِ. إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ قالوا: يُوكِّلُ مَنْ يُشارِكُه في الكَثيرِ الذي وُكِّلَ فيه لِيُعِينَه عليه، لا أنْ يُوكِّلَ غيرَه استِقلالًا (١).

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في قَولٍ إلى جَوازِ التَّوكيلِ في العَملِ كلِّه؛ لأنَّ الوَكالةَ اقتَضَتْ جَوازَ التَّوكيلِ، فصَحَّ التَّوكيلُ في فِعلِ العَملِ كلِّه، كما لو أَذِنَ في التَّوكيلِ بلَفْظِه (٢).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٠)، وباقي المصادر السابقة.
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٧)، و «المغني» (٥/ ٥٦، ٥٧)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٠٩، ٢١٠).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو وكَّله فيما يُمكِنُه عادةً، ولكنَّه عاجِزٌ عنه لِسَفَرٍ أو مَرَضٍ، قالَ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: فإنْ كانَ التَّوكيلُ في حالِ عِلمِه بسَفَرِه أو مَرَضِه جازَ له أنْ يُوكِّلَ، وإنْ طَرَأَ العَجزُ فلا، خِلافًا لِلجُوَينيِّ، قالَه في المَطلَبِ، وكطُرُوءِ العَجزِ ما لو جَهِلَ المُوكِّلُ حالَ تَوكيلِه ذلك، كما يُؤخَذُ ممَّا مَرَّ آنِفًا عن الإسنَويِّ (١).

وَإلَيكَ تَفصيلَ كلِّ مَذهبٍ على حِدَةٍ:

قالَ الحَنفيَّةُ: ليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيما وُكِّلَ فيهِ؛ لأنَّه فوَّض إليه التَصرُّفَ، دونَ التَّوكيلِ بهِ؛ لأنَّه إنَّما رَضيَ برَأْيِه، والنَّاسُ يَتفاوَتونَ في الآراءِ، فلا يَكونُ راضيًا بغيرِه.

إلَّا أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ بالتَّوكيلِ لِوُجودِ الرِّضا، أو يُفَوِّضَ له بأنْ يَقولَ له: اعمَلْ برَأيِكَ، أوِ اصنَعْ ما شِئتَ، فيَجوزُ؛ لِإطلاقِ التَّفويضِ إلى رَأْيِهِ؛ فإذا أَذِنَ له أو قالَ: اعمَلْ برَأْيِكَ، فقَد فوَّض إليه الأمْرَ مُطلَقًا ورَضيَ بذلك.

فَإذا أجازَ له التَّوكيلَ أو قالَ له: اعمَلْ برَأيِكَ، كانَ الوَكيلُ الثَّاني وَكِيلًا عن المُوكِّلِ الأوَل؛ لأنَّه يَعمَلُ له، ولا يَنعزِلُ بعَزلِ الوَكيلِ الأوَل له ولا بمَوتِه، وهو نَظيرُ القاضي إذا استَخلَفَ قاضيًا، ويَنعزِلانِ جَميعًا بمَوتِ المُوكِّلِ الأوَل.

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٧).

وفي قَولٍ عندَهم كما في الفَتاوَى: إذا وكَّل رَجُلًا وفوَّض إليه الأمْرَ فوكَّل الوَكيلُ رَجُلًا، صَحَّ تَوكيلُه، وله عَزلُه، أمَّا لو قالَ له المُوكِّلُ: وكِّلْ فُلانًا، فوكَّله الوَكيلُ، لا يَملِكُ عَزلَه إلَّا برِضا المُوكِّلِ الأوَل.

وَعلى الأوَل إنْ وكَّل بغيرِ إذْنِ مُوكِّلِه فعقَد وَكيلُه بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل جازَ؛ لأنَّ المَقصودَ حُصولُ رَأْيِ الأوَل، وقَد حصَل رَأْيُه.

وقالَ زُفَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ ما صَحَّ، فصارَ كما إذا عقَد بغَيبَتِه.

وَهَكذا كلُّ عَقدِ مُعاوَضةٍ، وما ليسَ بمُعاوَضةٍ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتقِ، لا يَجوزُ بإجازَتِه حتى لو وكَّله بالطَّلاقِ أو بالعِتقِ، ولَم يَأذَنْ له، فوكَّل الوَكيلُ غيرَه بذلك، فطَلَّق الوَكيلُ الثَّاني، أو أعتَقَ بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل، لا يَقَعُ الطَّلاقُ والعِتقُ؛ لأنَّ تَوكيلَه لِلأوَل كالشَّرطِ، فكَأنَّه علَّق الطَّلاقَ بتَطليقٍ الأوَل، فلا يَقَعُ بدُونِ الشَّرطِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعِتقَ يَتعلَّقانِ بالشَّرطِ، بخِلافِ البَيعِ ونحوِه؛ فإنَّه مِنْ الإثباتاتِ، فلا يَحتَمِلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ.

وإنْ عقَد بغيرِ حَضرَتِه فأجازَه الوَكيلُ الأوَّلُ جازَ؛ لِنُفوذِه برَأْيِه، إنَّما ذلك في البَيعِ، أمَّا لو اشترَى فالشِّراءُ يُنفَّذُ على الوَكيلِ.

وفي «الهِدايةِ»: إذا عقَد في حالِ غَيبَتِه لَم يَجُزْ -وَهو قَولُ زُفَرَ، كما تَقدَّم-؛ لأنَّه فاتَه رَأْيُه، إلَّا أنْ يُبَلِّغَه فيُجيزَه، وكذا لو باعَ غيرُ الوَكيلِ، فأجازَه، جازَ؛ لأنَّه حضَره برَأْيِه (١).

(١) «العناية» (١١/ ١٩٠، ١٩١)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٥، ١٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٨٨، ٤٨٩)، و «اللباب» (١/ ٥٦٠، ٥٦١)، و «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» (٣/ ٣٣٠)، و «الهندية» (٣/ ٥٦٦).

وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه مُستَقِلًّا على ما وُكِّلَ فيه بغيرِ رِضا مُوكِّلِه؛ لأنَّه لو أرادَ ذلك لاستَنابَ غيرَه مِنْ غيرِ واسِطةٍ، إلَّا أنْ يُوكِّلَه على بَيعِ شَيءٍ لا يَليقُ به، كالرَّجلِ الشَّريفِ المَعروفِ بالوَجاهةِ بينَ النَّاسِ، يُدفَعُ له الدَّابَّةُ لِيَبيعَها، أو ثَوبٌ، ونَحوُ ذلك؛ لأنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّه لا يُنادِي على ذلك بنَفْسِه في الأسواقِ، وإنَّما يَتوَلَّاه أربابُه مِنْ النَّخَّاسينَ والسَّماسِرةِ فيَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ غيرَه لِلعُرفِ، أو يُوكِّلَه على شَيءٍ كَثيرٍ لا يُمكِنُه فِعلُ ذلك بنَفْسِه إلَّا بمَشقَّةٍ، فيَجوزَ له حينَئذٍ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يُباشِرُ ذلك مَعه، لا أنْ يُوكِّلَه في جَميعِ ذلك استِقلالًا، بخِلافِ الأوَل، وهذا في الوَكيلِ المَخصوصِ، أمَّا المُفَوَّضُ فلا يُمنَعُ أنْ يُوكِّلَ مُطلَقًا على المَشهورِ.

وَبِسَبَبِ كَونِ الوَكيلِ له أنْ يُوكِّلَ في المَوضِعَيْنِ المَذكورَيْنِ لا يَنعزِلُ الوَكيلُ الثَّاني بسَبَبِ عَزلِ الوَكيلِ الأوَل أو مَوتِه أيضًا، كما لو وكَّل وَكيلًا بعدَ وَكيلٍ؛ فإنَّه لا يَنعزِلُ بمَوتِ الآخَرِ، ولا بعَزلِه، ويَنعزِلُ كُلٌّ مِنهُما بمَوتِ المُوكِّلِ الأوَل، ولِلمُوكِّلِ الأوَل عَزلُ كُلٍّ، كما أنَّ لِلوَكيلِ الأوَل عَزلَ وَكِيلِه.

وهذا إذا وكَّل بغيرِ إذْنِ المُوكِّلِ، أمَّا بإذْنِه، بأنْ قالَ: وكِّلْ لَكَ، انعزَل الثَّاني بعَزلِ الأوَل، وإنْ قالَ: وكِّلْ لي، فلا يَنعزِلُ الثَّاني بعَزلِ الأوَل؛ إذْ كِلاهُما إذًا وَكِيلٌ لِلمُوكِّلِ (١).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٥٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٨).

وقالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا وكَّل الرَّجلُ الرَّجلَ بوَكالةٍ فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه، مَرِضَ الوَكيلُ، أو أرادَ الغَيبةَ، أو لَم يُرِدْها؛ لأنَّ المُوكِّلَ له رِضًا بوَكالَتِه، ولَم يَرْضَ بوَكالةِ غيرِه، فإنْ قالَ: وله أنْ يُوكِّلَ مِنْ رَأْيٍ، كانَ ذلك له برِضَا المُوكِّلِ (١).

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ ما تَضمَّنتْه الوَكالةُ مِنْ العَملِ ضَربانِ: ضَربٌ يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه، وضَربٌ لا يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه.

فأمَّا ما لا يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه فكَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَقلِ حُمولةٍ، أو في عِمارةِ ضَيعةٍ أو بِناءٍ، فيَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه مَنْ يَعمَلُ مَعه ما لَم يُنْهَ عنه صَريحًا، ويَكونَ الثَّاني والأوَّلُ وَكيلَيْنِ لِلمُوكِّلِ، لا يَنعزِلُ الثَّاني بعَزلِ الأوَل، وهَكذا لو وُكِّلَ فيما يُمكِنُ الواحِدُ أنْ يَنفَرِدَ به، إلَّا أنَّ الوَكيلَ لا يُحسِنُ عَملَه ولا يَعرِفُ صُنعَه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَسْجِ ثَوبٍ، وهو لا يُحسِنُ النَّسجَ، أو في صِياغةِ حُلِيٍّ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ ويَستَنيبَ في عَملِه، ويَكونَ معنَى تَوكيلِه فيه -وهو لا يُحسِنُ الصَّنعةَ- استِنابَتَه في تَوكيلِ مَنْ يُحسِنُها. وهَكذا لو وُكِّلَ فيما لَم تَجْرِ عادَتُه بفِعلِه، وإنْ كانَ يُحسِنُه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في النِّداءِ على ثَوبٍ، ولَم تَجْرِ عادَتُه بالنِّداءِ، أو وُكِّلَ في غُسلٍ، ولَم تَجْرِ عادَتُه بالغُسلِ، فيَجوزُ له اعتِبارًا بالعُرفِ فيه أنْ يُوكِّلَ فيما وُكِّلَ مَنْ جَرَتْ عادَتُه به.

(١) «الأم» (٧/ ١١٩).

وإنْ كانَ ما وُكِّلَ فيه يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه، وكانَتْ عادَتُه جارِيةً بعَملِه كَرَجُلٍ وُكِّلَ في الخُصومةِ، وهو مِنْ أهلِها، أو وُكِّلَ في عَقدِ البَيعِ، وهو ممَّن يَصحُّ مِنه العَقدُ، أو وُكِّلَ في اقتِضاءِ دَيْنٍ أو مُقاسَمةِ خَليطٍ، وهو مِنْ أهلِ القِسمةِ وأصحابِ الِاقتِضاءِ، فلا يَخلو المُوكِّلُ مَعه مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ:

الأُولى: أنْ يَنهاه في عَقدِ وَكالَتِه عن تَوكيلِ غيرِه، فلا يَجوزُ له مَع النَّهيِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه؛ فَإنْ فَعلَ كانَ تَوكيلُه باطِلًا، وهذا مُتفَقٌ عليه.

والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَأذَنَ له في عَقدِ وَكالَتِه في تَوكيلِ غيرِه واستِنابَتِه، فهذا على ضَربَينِ:

أحَدُهما: أنْ يَنصِبَه على تَوكيلِ رَجُلٍ بعَينِه، فليسَ لِلوَكيلِ تَوكيلُ غيرِه، وسَواءٌ كانَ مَنْ عيَّن المُوكِّلُ عليه أمينًا عَدلًا، أو كانَ خائِنًا فاسِقًا؛ لأنَّ اختِيارَ المُوكِّلِ واقِعٌ عليه.

والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَنصِبُه على تَوكيلِ رَجُلٍ بعَينِه، وأنْ يَقولَ: قَدْ جَعَلتُ إلَيكَ الخِيارَ، فوكِّلْ مَنْ رَأيتَ، فعلى الوَكيلِ إذا أرادَ التَّوكيلَ أنْ يَختارَ ثِقةً أمينًا كافيًا فيما يُوَكَّلُ فيه، فإنْ وكَّل خائِنًا فاسِقًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه ممَّا لا يُرَى تَوكيلُ مِثلِه، فلَو وكَّل ثِقةً أمينًا صَحَّ تَوكيلُه، فإنْ حَدَثَ فِسقُه وطَرَأتْ خِيانَتُه فهَل يَجوزُ له عَزلُه قبلَ استِئذانِ المُوكِّلِ في عَزلِه أو لا؟ على وَجهَيْنِ:

أحَدُهما: ليسَ له عَزلُه إلَّا بتَوكيلِ غيرِه حتى يَستأذِنَ في عَزلِه.

والوَجهُ الآخَرُ: يَجوزُ له عَزلُه وإنْ لَم يَستأذِنْ مُوكِّلَه؛ لأنَّ إطلاقَ الإذْنِ يَقتَضي تَوكيلَ ثِقةٍ عَدْلٍ.

فَإذا تَقرَّر أنَّ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ إذا أَذِنَ له المُوكِّلُ فلا يَخلو المُوكِّلُ مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ:

الأُولى: أنْ يَأذَنَ له أنْ يَكونَ تَوكيلُه عن المُوكِّلِ، فعلى هذا يَكونُ الوَكيلُ الأوَّلُ والثَّاني وَكيلَيْنِ لِلمُوكِّلِ؛ فَإنْ عُزِلَ الأوَّلُ كانَ الثَّاني على وَكالَتِه.

والثَّانيةُ: أنْ يَأذَنَ له أنْ يَكونَ تَوكيلُه عن الوَكيلِ، فعلى هذا يَكونُ الوَكيلُ الثَّاني وَكيلًا لِلوَكيلِ الأوَل؛ فَإنْ عزَل المُوكِّلُ الوَكيلَ الأوَّلَ انعزَل الوَكيلُ الثَّاني وبطَلتْ وَكالَتُه.

والثَّالثةُ: أنْ يَكونَ إذْنُه في التَّوكيلِ مُطلَقًا مِنْ غيرِ تَصريحٍ، مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ عن المُوكِّلِ، أو عن الوَكيلِ، فيُنظَرُ فيه، فلَو كانَ المُوكِّلُ قَدْ عيَّن لِلوَكيلِ مَنْ يُوكِّلُه كانَ الثَّاني المُعيَّنُ وَكيلًا لِلمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ الأوَل؛ لأنَّ في التَّعيينِ تَنبيهًا عليه، وإنْ لَم يُعيِّنْه، ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: أنَّه يَكونُ وَكيلًا لِلمُوكِّلِ، كالوَكيلِ الأوَل، لا يَنعزِلُ بعَزلِ الأوَل؛ لأنَّ جَوازَ تَوكيلِه مُعتبَرٌ بإذْنِه.

والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه يَكونُ وَكيلًا لِلوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ، يَنعزِلُ بعَزلِ الأوَل؛ لأنَّه مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِه. فعلى هذا يَنعزِلُ الثَّاني بأحَدِ ثَلاثةِ أُمورٍ: إمَّا

بعَزلِ الأوَل، وإمَّا بعَزلِ الأوَل له، وإمَّا بعَزلِ المُوكِّلِ له. وعلى الوَجهِ الأوَل لا يَنعزِلُ إلَّا بعَزلِ المُوكِّلِ وَحدَه. وهذا إذا صرَّح المُوكِّلُ لِوَكيلِه بالتَّوكيلِ، فأمَّا إذا عَرَضَ له مِنْ غيرِ تَصريحٍ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ وجَعَلتُ إلَيكَ أنْ تَعمَلَ برَأيِكَ، أو ما صَنَعتَ في ذلك مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، فهَل يَكونُ مُطلَقُ التَّفويضِ يَقتَضي جَوازَ التَّوكيلِ أو لا؟ على وَجهَيْنِ، حَكاهُما ابنُ سُرَيجٍ:

أحَدُهما: أنَّه يَقتَضيه، ويَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيه اعتِبارًا بعُمومِ التَّفويضِ.

والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه لا يَقتَضيه، فلا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيهِ؛ لأنَّ ظاهِرَ التَّفويضِ يَنصَرِفُ إلى فِعلِه، لا إلى فِعلِ غيرِه.

والحالُ الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ الوَكالةُ مُطلَقةً لا يَأذَنُ له ولا يَنهاه عنه، فمَذهبُ الشَّافِعيِّ أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّه لمَّا أقامَه فيه مَقامَ نَفْسِه جازَ له التَّوكيلُ فيه، كما يَجوزُ لِنَفْسِه.

والآخَرُ: أنَّ المَقصودَ بوَكالَتِه حُصولُ العَملِ الذي وُكِّلَ فيه، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَتوَلَّاه بنَفْسِه، وبينَ أنْ يَستَعينَ فيه بغيرِه، لِحُصولِ العَملِ في الحالَتَيْنِ لِمُوكِّلِه.

وهذا خَطَأٌ مِنْ وَجهَيْنِ:

أحَدُهما: أنَّ فِعلَ الوَكيلِ مُقتَصِرٌ على ما تَضمَّنه الإذْنُ مِنْ غيرِ مُجاوَزةٍ في التَّوكيلِ.

والآخَرُ: أنَّ المُوكِّلَ يَسْكُنُ في عَملِه إلى أمانةِ وَكِيلِه، فلَمْ يَجُزْ أنْ يُوكِّلَ مَنْ لَم يَسْكُنِ المُوكِّلُ إلى أمانَتِه، كالوَديعةِ التي لا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يُودِعَها عندَ غيرِهِ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَرْضَ إلَّا بأمانَتِه، فأمَّا استِدلالُه بأنَّ هذا أقامَه مَقامَ نَفْسِه فلَعَمْرِي هو كَذلك في فِعلِ ما وُكِّلَ فيه، لا في غيرِه.

ألَا تَرَى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَهَبَ، ولا أنْ يُبْرِئَ، وإنْ كانَ لِلمُوكِّلِ أنْ يَهَبَ ويُبْرِئَ؛ لأنَّه لَم يَأذَنْ له فيه؟ فكَذلك في التَّوكيلِ.

وأمَّا الجَوابُ عن قَولهم بأنَّ الغَرَضَ حُصولُ العَملِ، فهو كَذلك، لكنْ قَدْ خصَّه وارتَضَى أمانَتَه، كَمَنِ استأجَرَ أجيرًا بعَينِه لِعَمَلٍ لَم يَكُنْ له أنْ يَستأجِرَ غيرَه في عَملِه؛ لأنَّ قَصدَ المُستأجِرِ إنَّما هو حُصولُ العَملِ مِنْ جِهةِ الأجيرِ، وفِعلُه لا يُفعَلُ غيرُه، كَذلك ههُنا (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ فيما وُكِّلَ فيه إلَّا أنْ يُجعَلَ ذلك إليه.

ولا يَخلو التَّوكيلُ مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ:

الأُولى: أنْ يَنهَى المُوكِّلُ وَكيلَه عن التَّوكيلِ، فلا يَجوزُ له ذلك بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ ما نَهاه عنه غيرُ دَاخِلٍ في إذْنِه، فلَمْ يَجُزْ، كما لو لَم يُوكِّلْه.

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٥١٨، ٢٥٠)، و «المهذب» (١/ ٣٥١)، و «البيان» (٦/ ٤١١، ٤١٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٤، ٤٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٨، ٤٩)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٨، ٨٥٩)، و «الديباج» (٢/ ٣١٥، ٣١٦).

الثَّانيةُ: أَذِنَ له في التَّوكيلِ، فيَجوزُ له ذلك؛ لأنَّه عَقدٌ أُذِنَ له فيه، فكانَ له فِعلُه، كالتَصرُّفِ المَأْذونِ فيه، ولا نَعلَمُ في هذه خِلافًا، وإنْ قالَ له: وَكَّلتُكَ فاصنَعْ ما شِئتَ، فله أنْ يُوكِّلَ، وقالَ أصحابُ الشَّافِعيِّ: ليسَ له التَّوكيلُ في أحَدِ الوَجهَيْنِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ يَقتَضي تَصرُّفًا يَتوَلَّاه بنَفْسِه، وقَولُه: اصنَعْ ما شِئتَ، يَرجِعُ إلى ما يَقتَضيه التَّوكيلُ مِنْ تَصرُّفِه بنَفْسِه.

ولَنا: أنَّ لَفَظَه عامٌّ فيما شاءَ، فيَدخُلُ في عُمومِه كالتَّوكيلِ.

الثَّالثةُ: أطلَقَ الوَكالةَ، فلا يَخلو مِنْ أقسامٍ ثَلاثةٍ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ العَملُ ممَّا يَرتَفِعُ الوَكيلُ عن مِثلِه، كالأعمالِ الدَّنيَّةِ في حَقِّ أشرافِ النَّاسِ المُتَرَفِّعينَ عن فِعلِها في العادةِ، أو يَعجِزُ عن عَملِه لِكَونِه لا يُحسِنُه، أو غيرِ ذلك؛ فإنَّه يَجوزُ له التَّوكيلُ فيهِ؛ لأنَّه إذا كانَ ممَّا لا يَعلَمُه الوَكيلُ عادةً انصَرَفَ الإذْنُ إلى ما جَرَتْ به العادةُ مِنْ الِاستِنابةِ فيه.

القِسمُ الثَّاني: أنْ يَكونَ ممَّا يَعمَلُه بنَفْسِه إلَّا أنَّه يَعجِزُ عن عَملِه كلِّه، لِكَثرَتِه وانتِشارِه، فيَجوزُ له التَّوكيلُ في عَملِه أيضًا؛ لأنَّ الوَكالةَ اقتَضَتْ جَوازَ التَّوكيلِ، فجازَ التَّوكيلُ في فِعلِ جَميعِه، كما لو كانَ إذْنُ التَّوكيلِ بلَفظِه.

وقالَ القاضي رحمة الله عليه: عِندي أنَّه إنَّما له التَّوكيلُ فيما زادَ على ما يَتمَكَّنُ مِنْ عَملِه بنَفسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنَّما جازَ لِلحاجةِ، فاختَصَّ بما دَعَتْ إليه الحاجةُ، بخِلافِ وُجودِ إذْنِه؛ فإنَّه مُطلَقٌ، ولِأصحابِ الشَّافِعيِّ وَجهانِ كَهَذَيْنِ.

القِسمُ الثَّالثُ: ما عَدَا هَذَيْنِ القِسمَيْنِ: وهو ما يُمكِنُه عَملُه بنَفْسِه ولا يَترَفَّعُ عنه، فهَل يَجوزُ له التَّوكيلُ فيه؟ على رِوايَتَيْنِ:

إحدَاهُما: لا يَجوزُ، نقَلها ابنُ مَنصورٍ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ، وأبي يُوسفَ والشَّافِعيِّ؛ لأنَّه لَم يَأذَنْ له في التَّوكيلِ، ولا تَضمَّنه إذْنُه، فلَمْ يَجُزْ، كما لو نَهاه، ولأنَّه استِئمانٌ فيما يُمكِنُه النُّهوضُ فيه، فلَمْ يَكُنْ له أنْ يُوَليَه لمَن لَم يَأمَنْه عليه، كالوَدِيعةِ.

والأُخرَى: يَجوزُ، نقَلها حَنبَلٌ، وبِه قالَ ابنُ أبي لَيلَى، إذا مَرِضَ أو غابَ؛ لأنَّ الوَكيلَ له أنْ يَتصرَّفَ بنَفسِه، فمِلْكُه نِيابةٌ، كالمالِكِ والرَّأْيُ الأوَّلُ أوْلَى، ولا يُشبِهُ الوَكيلَ المالِكَ؛ فإنَّ المالِكَ يَتصرَّفُ بنَفْسِه في مِلْكِه كَيفَ شاءَ، بخِلافِ الوَكيلِ.

فَصلٌ: وَكُلُّ وَكيلٍ جازَ له التَّوكيلُ ليسَ له أنْ يُوكِّلَ إلَّا أمينًا؛ لأنَّه نَظَرٌ لِلمُوكِّلِ في تَوكيلِ مَنْ ليسَ بأمِينٍ، فيُقيَّدُ جَوازُ التَّوكيلِ بما فيه الحَظُّ والنَّظرُ، كما أنَّ الإذْنَ في البَيعِ يَتقيَّدُ بالبَيعِ بثَمَنِ المِثلِ، إلَّا أنْ يُعيِّنَ له المُوكِّلُ مَنْ يُوكِّلُه، فيَجوزُ تَوكيلُه، وإنْ لَم يَكُنْ أمينًا؛ لأنَّه قطَع نظَره بتَعيينِه، وإنْ وكَّل أمِينًا وصارَ خائِنًا فعليه عَزلُهُ؛ لأنَّ تَرْكَه يَتصرَّفُ مَع الخِيانةِ تَضييعٌ وتَفريطٌ، والوَكالةُ تَقتَضي استِئمانَ أمينٍ، وهذا ليسَ بأمينٍ، فوجَب عَزلُه.

فَصلٌ: والحُكم في الوَصِيِّ يُوكِّلُ فيما أُوصِيَ به إليه، وفي الحاكِمِ يُوَلَّى

القَضاءَ في ناحيةٍ يَستَنيبُ غيرَه، حُكمُ الوَكيلِ فيما ذَكَرْنا مِنْ التَّفصيلِ (١).

وَسُئِلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: عن جَماعةٍ دَلَّالِينَ مُشتَرِكينَ في بَيعِ السِّلَعِ، هَلْ يَقدَحُ ذلك في دِينِهم؟ وهَل لِوَليِّ الأمْرِ -أعَزَّه اللَّهُ- مَنعُهم مِنْ غيرِ أنْ يَظهَرَ عليهم غِشٌّ أو تَدلِيسٌ.

فَأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، أمَّا إذا كانَ التَّاجِرُ الذي يُسلِّمُ مالَه إلى الدَّلالِ قَدْ علِم أنَّه يُسلِّمُه إلى غيرِه مِنْ الدَّلَّالِينَ، ورَضيَ بذلك، لَم يَكُنْ بذلك بَأْسٌ، بلا رَيبٍ؛ فإنَّ الدَّلالَ وَكيلُ التَّاجِرِ، ولأنَّ الوَكيلَ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه، كالمُوكِّلِ باتِّفاقِ العُلماءِ.

وَإنَّما تَنازَعوا في جَوازِ تَوكيلِه بلا إذْنِ المُوكِّلِ على قولَيْنِ مَشهورَيْنِ لِلعُلماءِ (٢).

وَممَّا يُستَدَلُّ به على جَوازِ تَوكيلِ الوَكيلِ ما رَواه مُسلِمٌ عن حُضَيْنِ بنِ المُنذِرِ، أبِي ساسانَ قالَ: شَهِدتُ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ وأُتيَ بالوَليدِ قَدْ صَلَّى الصُّبحَ رَكعَتَيْنِ، ثم قالَ: أزيدُكم؟ فشهِد عليه رَجُلانِ، أحَدُهما حُمرانُ، أنَّه شَرِبَ الخَمرَ، وشهِد آخَرُ أنَّه رَآه يَتقيَّأُ، فقالَ عُثمانُ: إنَّه لَم يَتقيَّأْ حتى شَرِبَها. فقالَ: يا عَلِيُّ قُمْ فاجْلِدْه. فقالَ عَلِيٌّ: قُمْ يا حَسَنُ فاجْلِدْه. فقالَ الحَسَنُ: وَل حارَّها مَنْ تَوَلَّى قارَّها، فكَأنَّه وجَد عليه، فقالَ: يا عَبدَ اللَّهِ بنَ

(١) «المغني» (٥/ ٥٦، ٥٧)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٣)، و «الروض المربع» (٢/ ٥٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٩٧، ٩٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 497 - 510

ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله