الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > عدم بيع الوكيل ممن ترد شهادته له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوعن الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ لِنَفْسِه إذا زادَ على مَبلَغِ ثَمَنِه في النِّداءِ، أو وكَّل مَنْ يَبيعُ، وكانَ هو أحَدَ المُشتَرينَ.
فَإنْ قيلَ: فكَيفَ يَجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه لِيَبيعَها، وهذا تَوكيلٌ، وليسَ لِلوَكيلِ التَّوكيلُ؟ قُلْنا: يَجوزُ التَّوكيلُ فيما لا يَتوَلَّى مثلَه بنَفْسِه، والنِّداءُ ممَّا لَم تَجْرِ به العادةُ أنْ يَتوَلَّاه أكثَرُ النَّاسِ بنُفُوسِهم، فإنْ وكَّل إنسانًا يَشترِي له، وباعَ، جازَ على هذه الرِّوايةِ؛ لأنَّه امتَثَلَ أمْرَ مُوكِّلِه في البَيعِ، وحصَل غَرَضُه مِنْ الثَّمنِ، فجازَ، كما لو اشتَراها (١).
٧ - عَدمُ بَيعِ الوَكيلِ ممَّن تُرَدُّ شَهادَتُه له:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا وُكِّلَ في البَيعِ مُطلَقًا، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لمَن تُرَدُّ شَهادَتُه له، مثلَ أولادِه وزَوجَتِه ووالِدَيْه، أو لا؟ ففي كلِّ ذلك تَفصيلٌ بَيانُه على النحوِ الآتي:
أ- بَيعُ الوَكيلِ لِأولادِه الصِّغارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِأولادِه الصِّغارِ، وكذا المَحجورُ عليهم لِجُنونٍ أو سَفَهٍ، أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ أو يَشترِيَ مِنْ وَلَدِه الصَّغيرِ،
(١) «المغني» (٥/ ٦٩)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٢١)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٧)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٧٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٢١).
وكذا مَحجُورُه السَّفيهُ والمَجنونُ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه، ويَميلُ إلى تَرْكِ الِاستِقصاءِ عليه في الثَّمنِ، كَتُهمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، وذلك لا تُقبَلُ شَهادَتُه له، ولأنَّ مَواضِعَ التُّهَمِ مُستَثناةٌ مِنْ الوَكالةِ، والوَكيلِ يُتَّهَمُ في العَقدِ مَع هَؤُلاءِ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الصَّغيرِ والمَحجورِ عليه والوَكيلِ يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهم كمالِ الوَكيلِ، فصارَ الوَكيلُ بائِعًا أو شارِيًا مِنْ نَفسِه.
حتى وإنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ في البَيعِ مِنْ هَؤُلاءِ، بأنْ قالَ له: بِعْ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ عندَ الحَنفيَّةِ في الصِّحيحِ، والشَّافِعيَّةِ في المَذهبِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ إنْ أَذِنَ المُوكِّلُ؛ لِانتِفاءِ التُّهمةِ (١).
وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ في مُقابِلِ المَشهورِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ لِوَلَدِه
(١) «البدائع» (٦/ ٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٧، ٤٩٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٦٧)، و «ابن عابدين» (٥/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و «الهندية» (٢/ ٥٨٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٢٠)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٨٣)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٣٦، ٥٣٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٢، ٥٠٣)، و «البيان» (٦/ ٤١٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٦)، و «الديباج» (٢/ ٣١٣)، و «المغني» (٥/ ٦٩)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٢١)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٧)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٧٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٢١).
الصَّغيرِ ومَحجُورِه مِنْ سَفيهٍ أو مَجنونٍ بمِثلِ القِيمةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ الماليَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ.
أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جارِيَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطْءُ جارِيةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ.
وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفِيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبيِّ.
وقيلَ: إنْ كانَ بغَبنٍ يَسيرٍ يَجوزُ أيضًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ (١).
(١) «البدائع» (٦/ ٢٨)، و «العناية» (١١/ ١٦٢، ١٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٨، ٤٩٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٦٦، ١٦٧)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٥٦٣)، و «اللباب» (١/ ٥٦٤)، و «ابن عابدين» (٧/ ٣٣٠)، و «الهندية» (٢/ ٥٨٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٢٠)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٨٣)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٣٦، ٥٣٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٢، ٥٠٣)، و «البيان» (٦/ ٤١٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٦)، و «الديباج» (٢/ ٣١٣)، و «المغني» (٥/ ٦٩)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٢١)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٧٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٢١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٤ - مسألة؛ قال: (وشراء الوكيل من نفسه غير جائز. وكذلك الوصى)
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأَوَّلُ أشْبَه بظَاهِرِ كَلَامِهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: الشَّرْطُ الثاني، أن يُوَلِّىَ مَن يَبِيعُ، ويكونَ هو أحدَ المُشْتَرِينَ. فإن قيل: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه لِيَبِيعَها، وهذا تَوْكِيلٌ وليس لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يجوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بِنَفْسِهِ، والنَّدَاءُ ممَّا لم تَجْرِ العادَةُ أن يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ الناسِ بِنُفُوسِهِم. وإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِى له، وبَاعَه هو، جازَ على هذه الرِّوَايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه في البَيْعِ، وحَصَّلَ غَرَضَه من الثَّمَنِ، فجازَ، كما لو اشْتَراهَا أجْنَبِىٌّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ لِلْوَصِىِّ الشِّرَاءُ دُونَ الوَكِيلِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وإذا اشْتَرَى مالَ اليَتِيمِ بأكثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِه، فقد قَرِبَهُ بالتى هي أحْسَنُ. ولأنَّه نائِبٌ عن الأَبِ، وذلك جائِزٌ للأَبِ، فكذلك لِنَائِبِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ من غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكَالَةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْهُ غيرَكَ. ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويَتَنَافَى الغَرَضانِ في بَيْعِه نَفْسَهُ، فلم يَجُزْ، كما لو نَهَاهُ. والوَصِىُّ كالوَكِيلِ، لأنَّه يَلِى بَيْعَ مالِ غيرِه بِتَوَلِّيه ، فأشْبَه الوَكِيلَ، بل التُّهْمَةُ في الوَصِىِّ آكَدُ من الوَكِيلِ ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصَاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِىُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفى أنَّه يَشْتَرِى من مالِ اليَتِيمِ ما لَا حَظَّ لِلْيَتِيمِ في بَيْعِه، فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعند ذلك لا يكونُ أَخْذُهُ لمالِه قُرْبًا له بالتى هي أحْسنُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ،…
ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.