الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > عدم شراء الوكيل من نفسه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةويُمضَى فِعلُه، وبينَ الرَّدِّ، وتَلزَمُ السِّلعةُ الوَكيلَ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنْ باعَ بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ ممَّا يَتغَابَنُ النَّاسُ بمِثلِه لَم يَصحَّ الشِّراءُ؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عن الإضرارِ بالمُوكِّلِ، مَأْمورٌ بالنُّصحِ له، وفي الزِّيادةِ على ثَمَنِ المِثلِ في الشِّراءِ إضرارٌ، وتَرْكٌ لِلنُّصحِ، وحُكمُه حُكمُ مَنْ لَم يُؤذَنْ له في البَيعِ والشِّراءِ (٢).
عَدمُ شِراءِ الوَكيلِ مِنْ نَفْسِهِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ مِنْ نَفْسِه أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ أنْ يَشترِيَ مِنْ نَفْسِهِ؛ لأنَّ الشَّخصَ الواحِدَ في الزَّمانِ الواحِدِ يَكونُ مُسلِّمًا ومُتَسلِّمًا، مُطالِبًا ومُطالَبًا؛ ولأنَّه مُتَّهمٌ في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه.
ثم اختَلَفوا فيما لو أَذِنَ له الوَكيلُ بالشِّراءِ مِنْ نَفْسِه، أو قدَّر له الثَّمنَ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ وتَفصيلُه على النحوِ التَّالي:
فَقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَجوزُ لِلإنسانِ إذا وُكِّلَ وَكالةً مُطلَقةً في شِراءِ شَيءٍ أنْ
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٠، ٦١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٤٧، ١٤٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٨٢، ٢٨٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٧٥، ٧٧).
(٢) «المهذب» (١/ ٣٥٤)، و «البيان» (٦/ ٤٣٣، ٤٣٥)، و «المغني» (٥/ ٧٨)، و «الكافي» (٢/ ٢٤٦).
يَشترِيَه مِنْ نَفْسِه، وإنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ أو قالَ له: اشتَرِه ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له، وإنْ صرَّح المُوكِّلُ له بذلك.
وفي قَولٍ: يَجوزُ إذا أَذِنَ له المُوكِّلُ.
قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: الوَكيلُ بالشِّراءِ لا يَملِكُ الشِّراءَ مِنْ نَفْسِهِ؛ لأنَّ الحُقوقَ في بابِ الشِّراءِ تَرجِعُ إلى الوَكيلِ، فيُؤدِّي إلى الإحالةِ، وهو أنْ يَكونَ الشَّخصُ الواحِدُ في زَمانٍ واحِدٍ مُسلِّمًا ومُتسلِّمًا، مُطالِبًا ومُطالَبًا، ولأنَّه مُتَّهمٌ في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه.
ولو أمَرَه المُوكِّلُ بذلك لا يَصحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ على شِراءِ شَيءٍ لا يَجوزُ له أنْ يَشترِيَه مِنْ نَفْسِه ولو سُمِّيَ له الثَّمنُ؛ فَإنْ فَعلَ خُيِّرَ الآمِرُ بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ، إلَّا أنْ يَأذَنَ له في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه، فيَجوزُ.
وفي مُقابِلِ المَشهورِ لِلمالِكيَّةِ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَبيعَ مِنْ نَفْسِه (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الوَكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا لا يَشترِي مِنْ نَفْسِه، وإنْ أَذِنَ له
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣١)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٤/ ٧٢)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٨، ٤٩٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٦٧)، و «ابن عابدين» (٥/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و «الهندية» (٢/ ٥٨٩).
(٢) «الكافي» (١/ ٣٩٦)، و «البيان والتحصيل» (٨/ ١٤٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٢٠)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٨٣).
الوَكيلُ فيه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لِتَضادِّ غَرَضَيْ الِاستِرخاصِ له، والِاستِقصاءِ لِلمُوكِّلِ، وقالَ ابنُ سُرَيجٍ: يَصحُّ إنْ أَذِنَ له.
وكذا لو قدَّر له الثَّمنَ، ونَهاه عن الزِّيادةِ، لا يَجوزُ، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ اتِّحادِ المُوجِبِ والقابِلِ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ، وليسَتِ العِلَّةُ التُّهمةَ، بَلْ عَدمُ انتِظامِ الإيجابِ والقَبولِ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ، وقالَ ابنُ الرِّفعةِ: يَنبَغي أنْ يَجوزَ؛ لِعدمِ التُّهمةِ، ولو وكَّله في هِبةٍ أو دَيْنٍ مِنْ نَفْسِه لَم يَصحَّ لِذلك.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا إذا جعَل المُوكِّلُ إلى وَكيلِه أنْ يَبيعَ على نَفْسِه أو يَشترِيَ مِنْ نَفْسِه فمَذهبُ الشَّافِعيِّ رحمة الله عليه أنَّه غيرُ جائِزٍ؛ لِمَا فيه مِنْ التَّناقُضِ المَقصودِ، وتَنافِي الغَرَضَيْنِ؛ لأنَّ عَقدَ الوَكالةِ قَدْ أوجَبَ عليه الِاستِقصاءَ لِمُوكِّلِه، وإذا كانَ هو المُشتَرِيَ انصَرَفَ إلى الِاستِقصاءِ لِنَفْسِه.
وقالَ ابنُ سُرَيجٍ رحمة الله عليه: يَجوزُ ذلك، كما يَجوزُ أنْ يَجعَلَ إلى زَوجَتِه الطَّلاقَ لِنَفْسِها، أو إلى أَمَتِه عِتْقَها.
وهذا خَطَأٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ الفَرقِ بينَ البَيعِ والطَّلاقِ والعِتقِ في ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ في البَيعِ ثَمَنًا يَختلِفُ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، فصارَ بالمَيلِ إلى نَفْسِه مُتهَوِّمًا فيه، وليسَ في الطَّلاقِ والعِتقِ ثَمَنٌ تَصيرُ بالمَيلِ إلى نَفْسِها مُتهَوِّمةً فيه.
والثَّاني: أنَّ العِتقَ والطَّلاقَ أوسَعُ، لِوُقوعِها بالصِّفاتِ، وتَعليقِها على الغَرَرِ والجَهالاتِ، والبَيعُ أضيَقُ حُكمًا مِنه.
والثَّالثُ: أنَّه ليسَ في الطَّلاقِ والعِتقِ قَبولٌ مُعتبَرٌ، وفي البَيعِ قَبولٌ مُعتبَرٌ؛ فلَم يَجُزْ أنْ يَكونَ الباذِلُ قابِلًا، فأمَّا إذا وكَّله في بَيعِ عَبدِه، ووكَّله الآخَرُ في شِراءِ العَبدِ المُوكَّلِ في بَيعِه، لَم يَجُزْ؛ لِتَنافي المَقصودِ في العَقدَيْنِ. وكانَ له أنْ يُقيمَ على إحدَى الوَكالَتَيْنِ. فإنْ أرادَ أنْ يُقيمَ على أسبَقِهِما في بَيعٍ أو شِراءٍ، جازَ. وإنْ أرادَ أنْ يُقيمَ على الثَّانيةِ مِنهُما كانَ بَيعًا أو شِراءً احتمَلَ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ شَرطَ الأُولَى يَمنَعُ مِنْ جَوازِ الأُخرى. والوَجهُ الآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ الوَكالةَ لا تَلزَمُ، فلَمْ يَكُنْ لِلمُتقدِّمةِ مِنهُما تَأثيرٌ، وتَبطُلُ بقَبولِ الأُخرى (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ لِلوَكيلِ شِراؤُه مِنْ نَفْسِه لِشَيءٍ وُكِّلَ في شِرائِه، فاشتَراه مِنْ نَفْسِه لِمُوكِّلِه؛ لأنَّه خِلافُ العُرفِ في ذلك، وكما لو صرَّح له فقالَ: بِعْه أوِ اشتَرِه مِنْ غيرِكَ، ولِلُحوقِ التُّهمةِ له بذلك.
إلَّا بإذْنِه، بأنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه، فيَجوزُ؛ لِانتِفاءِ التُّهمةِ، كما لو وكَّل المَرأةَ في طَلاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنعِ هي مِنْ المُشتَرِي لِنَفْسِه في مَحَلٍّ؛ لِاتِّفاقِ التُّهمةِ لِدِلالَتِها على عَدمِ رِضَا المُوكِّلِ بهذا التَصرُّفِ، وإخراجِ هذا التَصرُّفِ عن عُمومِ لَفظِه وإذْنِه، وقَد صرَّح ههُنا بالإذْنِ فيها، فلا تَبقَى دِلالةُ الحالِ مَع نَصِّه بلَفظِه على خِلافِه.
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٣٦، ٥٣٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٠٢، ٥٠٣)، و «البيان» (٦/ ٤٢٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٠٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٥٦)، و «الديباج» (٢/ ٣١٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٤ - مسألة؛ قال: (وشراء الوكيل من نفسه غير جائز. وكذلك الوصى)
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأَوَّلُ أشْبَه بظَاهِرِ كَلَامِهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: الشَّرْطُ الثاني، أن يُوَلِّىَ مَن يَبِيعُ، ويكونَ هو أحدَ المُشْتَرِينَ. فإن قيل: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه لِيَبِيعَها، وهذا تَوْكِيلٌ وليس لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يجوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بِنَفْسِهِ، والنَّدَاءُ ممَّا لم تَجْرِ العادَةُ أن يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ الناسِ بِنُفُوسِهِم. وإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِى له، وبَاعَه هو، جازَ على هذه الرِّوَايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه في البَيْعِ، وحَصَّلَ غَرَضَه من الثَّمَنِ، فجازَ، كما لو اشْتَراهَا أجْنَبِىٌّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ لِلْوَصِىِّ الشِّرَاءُ دُونَ الوَكِيلِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وإذا اشْتَرَى مالَ اليَتِيمِ بأكثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِه، فقد قَرِبَهُ بالتى هي أحْسَنُ. ولأنَّه نائِبٌ عن الأَبِ، وذلك جائِزٌ للأَبِ، فكذلك لِنَائِبِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ من غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكَالَةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْهُ غيرَكَ. ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويَتَنَافَى الغَرَضانِ في بَيْعِه نَفْسَهُ، فلم يَجُزْ، كما لو نَهَاهُ. والوَصِىُّ كالوَكِيلِ، لأنَّه يَلِى بَيْعَ مالِ غيرِه بِتَوَلِّيه ، فأشْبَه الوَكِيلَ، بل التُّهْمَةُ في الوَصِىِّ آكَدُ من الوَكِيلِ ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصَاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِىُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفى أنَّه يَشْتَرِى من مالِ اليَتِيمِ ما لَا حَظَّ لِلْيَتِيمِ في بَيْعِه، فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعند ذلك لا يكونُ أَخْذُهُ لمالِه قُرْبًا له بالتى هي أحْسنُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ،…
ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.