الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > الشرط السابع: ألا تكون قربة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 31 دقيقة قراءةوقالَ مُحمدُ بنُ الحَسَنِ رحمة الله عليه: فليس المُقيمُ بها أحَقَّ بالمَنزِلِ مِنْ القادِمِ عليها، انتَهَى، وقالَ العَيْنِيُّ في شَرحِه على البُخارِيِّ: ومِمَّن ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِ بَيعِ دُورِ مَكةَ وإجارَتِها أبو حَنيفَةَ، ومُحمدٌ، والثَّوريُّ … (١).
الشَّرطُ السابِعُ: ألاًّ تَكونَ قُربةً:
القُرَبُ نَوعانِ: قُرَبٌ تَجِبُ على الإنسانِ، ولا يَتعدَّى نَفْعُها فاعِلَها؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، فهذه لا يَجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليها بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ الِانتِفاعِ، ولَم يَحصُلْ لِغَيرِه ههُنا انتِفاعٌ؛ ولأنَّ مَنْ أتَى بعَملِ واجِبٍ عليه لا يَستَحقُّ عليه أُجرةً، وكذلك الجِهادُ لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ عَنهُ؛ ولأنَّه إذا حَضَرَ الصَّفَّ تَعيَّنَ عليه، وهذا باتِّفاقٍ.
وأمَّا القُرَبُ التي يَتعدَّى نَفْعُها؛ كَتَعليمِ القُرآنِ والأذانِ والإقامةِ والحَجِّ وتَعليمِ القُرآنِ وتَغسيلِ المَوتَى وتَكفينِهم؛ فاختَلفوا فيها هَلْ يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليها أو لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهَبٍ، وفي كلِّ مَسألةٍ، ونَحنُ نُبَينها في عِدَّةِ مَسائِلَ، وهي على التَّفصيلِ التَّالي:
المَسألةُ الأُولَى: أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: بعدَ إجماعِهم على أنَّ الأفضَلَ تَركُ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ وسائِرِ القُرَبِ (٢).
(١) «الفروق مع هوامشه» (٤/ ١٢، ١٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٢)، و «عمدة القاري» (٩/ ٢٢٨).
(٢) «الذخيرة» (٥/ ٤٠١).
القولُ الأولُ: ذَهَبَ المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ -في رِوايةٍ- ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتْوَى عِندَهم- إلى جَوازِ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ؛ لِمَا رَواه البُخارِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ نَفَرًا مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بمَاءٍ فيهِمْ لَديغٌ، أو سَليمٌ، فعَرضَ لهم رَجُلٌ مِنْ أَهلِ المَاءِ، فقالَ: هل فِيكمْ مِنْ رَاقٍ؟ إنَّ في المَاءِ رَجُلًا لَديغًا، أو سَليمًا، فَانطَلَقَ رَجُلٌ منهم فقَرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ على شاءٍ، فبَرَأَ، فجَاءَ بالشَّاءِ إلى أَصْحَابهِ، فَكَرِهُوا ذلك، وقَالُوا: أخَذْتَ على كِتَابِ اللَّهِ أجْرًا؟! حتى قَدِمُوا المَدينَةَ، فقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخَذَ على كِتَابِ اللَّهِ أجْرًا. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أحَقَّ ما أخَذْتُمْ عليه أجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (١)، وهذا نَصٌّ يَرفَعُ الخِلافَ؛ فيَنبَغي أنْ يُعَوَّلَ عليه، وأمَّا القِياسُ على الصَّلاةِ والصِّيامِ ففاسِدٌ؛ لأنَّه في مُقابَلةِ النَّصِّ، ثم إنَّ بَينَهما فُرقانًا، وهو أنَّ الصَّلاةَ والصَّومَ عِبادَتانِ مُختصَتانِ بالفاعِلِ، وأنَّ تَعليمَ القُرآنِ عِبادةٌ مُتعَدِّيةٌ لِغَيرِ المُعَلِّمِ؛ فتَجوزُ الأُجرةُ على مُحاوَلَتِه النَّقلَ، كتَعليمِ كِتابةٍ.
وإجماعُ أهلِ المَدينةِ على ذلك، ولذلك قالَ مالِكٌ رضي الله عنه: لَم يَبلُغْني أنَّ أحَدًا كَرِهَ تَعليمَ القُرآنِ والكِتابةِ بأُجرةٍ.
وعَن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه: «أنَّ امرَأَةً جاءَتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لكَ نَفْسِي. فنَظَرَ إلَيْهَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ فصَعَّدَ النَّظَرَ إلَيْهَا وصَوَّبَهُ، ثمَّ طَأطَأَ رَأْسَهُ، فلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ
(١) رواه البخاري (٥٤٠٥).
أنَّه لم يَقضِ فيها شَيئًا جَلَسَتْ، فقَامَ رَجلٌ مِنْ أَصْحَابهِ؛ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ: إنْ لَم يكُنْ لكَ بها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا؛ فقالَ: هل عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؛ فقالَ: لَا واللهِ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: اذهَبْ إلى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هل تَجِدُ شَيئًا، فذَهَبَ ثمَّ رَجعَ فقالَ: لَا واللهِ يا رَسولَ اللَّهِ ما وَجَدتُ شَيئًا. قال: انْظُرْ ولَوْ خاتَمًا مِنْ حَديدٍ. فذَهَبَ ثمَّ رَجعَ فقالَ: لا واللهِ يا رَسولَ اللَّهِ، ولا خاتَمًا مِنْ حَديدٍ. وَلَكِنْ هذا إزَارِي. قالَ سَهلٌ: ما له رِدَاءٌ، فلَهَا نِصْفُهُ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَصنَعُ بإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَم يكُنْ عليها منه شَيْءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لَم يكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ. فجَلَسَ الرجُلُ حتى طالَ مَجْلِسُهُ، ثمَّ قامَ، فرَآهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فأَمَرَ بهِ فَدُعِيَ، فلَمَّا جاءَ قالَ: ماذَا مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ؟ قالَ: مَعي سُورةُ كذا وسُورَةُ كذا وسُورَةُ كذا، عَدَّهَا، قالَ: أتَقْرَؤُهُنَّ عن ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: اذْهَبْ فقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بمَا مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ» (١).
فَفي هذا الحَديثِ جَوازُ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ، وأخْذِ البَدَلِ على الوَفاءِ به، ونَحوِ ذلك؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَكونَ مَهْرًا جازَ أنْ يُؤخَذَ عليه العِوَضُ في كلِّ ما يُنتَفَعُ به مِنه؛ لأنَّه إذا جازَ تَعليمُ القُرآنِ عِوَضًا في بابِ النِّكاحِ، وقامَ مَقامَ المَهرِ، جازَ أخْذُ الأُجرةِ عليه في الإجارةِ؛ ولأنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ مُتبرِّعٌ بذلك، فيُحتاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه.
وَسُئِلَ مالِكٌ رحمة الله عليه عن إجارةِ المُعَلِّمينَ؛ فقالَ: لا بَأْسَ بذلك، يُعَلِّمُ
(١) رواه البخاري (٤٨٤٢)، ومسلم (١٤٢٥)
النَّاسَ الخَيرَ فيُعطَى. قيلَ لَه: إنَّه يُعلِّمُ مُشاهَرةً ويَطلُبُ ذلك. فقالَ: لا بَأْسَ به، ما زالَ المُعلِّمونَ عِندَنا بالمَدينةِ يَفعَلونَ ذلك (١).
وقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: ومِن جِهةِ النَّظَرِ أنَّه لَمَّا كانَ الجُلوسُ لِتَعليمِهمُ القُرآنَ غيرَ واجِبٍ على الرجُلِ، ولا لَازِمٍ لَه، جازَ له أخْذُ الأُجرةِ عليه، وإنْ كانَ فيه قُربةٌ؛ أصْلُ ذلك الِاستِئجارُ على بِناءِ المَساجِدِ، وما أشبَهَ ذلك، وحَديثُ عُبادةَ الذي استَدَلَّ به المُخالِفُ قالَ: كُنْتُ أُعَلِّمُ ناسًا مِنْ أهلِ الصُّفَّةِ القُرآنَ، فأهدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنهم قَوسًا على أنْ أقبَلَها في سَبيلِ اللَّهِ، فذَكَرتُ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالَ: «إنْ أرَدْتَ أنْ يُطَوِّقَكَ اللَّهُ به طَوقًا مِنْ نارٍ فاقبَلْها»، تَأويلُه في مُبتَدَأِ الإسلامِ، وحينَ كانَ تَعليمُ القُرآنِ فَرضًا على الأعيانِ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «بَلِّغوا عَنِّي ولَوْ آيةً»، وأمَا إذْ قد حَصَلَ التَّبليغُ، وفَشَا القُرآنُ، وصارَ مُثبَتًا في المَصاحِفِ، مَحفوظًا في الصُّدورِ، فلَيسَتِ الأُجرةُ على تَعليمِه أُجرةً على تَبليغِه، وإنَّما هو أُجرةٌ على الجُلوسِ لِتَعليمِه، والِاشتِغالِ بذلك عن مَنافِعِه، وقولُهُ: إنَّ ذلك كالأُجرةِ على تَعليمِ الصَّلاةِ، لَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ تَعليمَ الجاهِلِ الصَّلاةَ واجِبٌ، وليسَ بواجِبٍ على أحَدٍ الجُلوسُ لِتَعليمِ القُرآنِ، وهذا بيِّنٌ والحَمدُ لِلَّهِ، فالأُجرةُ على تَعليمِ القُرآنِ جائِزةٌ مُشاهَرةً ومُقاطَعةً على جَميعِ القُرآنِ، أو على جُزءٍ مَعلومٍ مِنه؛ نَظَرًا أو ظاهِرًا، وتكونُ وَجيبةً لِمدَّةٍ مَعلومةٍ مِنْ الشُّهورِ أو الأعوامِ، فالمُشاهَرةُ غيرُ لَازِمةٍ لِواحِدٍ مِنهما، لِأبي الصَّبيِّ أنْ يُخرِجَ ابنَه متى شاءَ، ولِلمُعَلِّمِ مِثلُ ذلك أيضًا.
(١) «البيان والتحصيل» (٨/ ٤٥٢).
وأمَّا الوَجيبةُ والمُقاطَعةُ فلازِمَتانِ لكلِّ واحِدٍ مِنهما، لَيسَ لِلأبِ أنْ يُخرِجَ ابنَه قبلَ انقِضاءِ الوَجيبةِ، أو قبلَ تَمامِ المُقاطَعةِ، إلَّا أنْ يُؤدِّي إليه جَميعَ الأجْرِ، وأجازَ ابنُ حَبيبٍ أنْ يُسَمِّيَ في المُقاطَعةِ أجَلًا، وحَكاه عن مالِكٍ، وذلك خِلافُ المَشهورِ (١).
وقالَ فَخرُ الدِّينِ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: والفَتوَى اليَومَ على جَوازِ الِاستِئجارِ لِتَعليمِ القُرآنِ، وهو مَذهَبُ المُتأخِّرينَ مِنْ مَشايِخِ بَلْخَ، استَحسَنوا ذلك، وقالوا: بَنَى أصحابُنا المُتقدِّمونَ الجَوابَ على ما شاهَدوا مِنْ قِلَّةِ الحُفَّاظِ ورَغبةِ النَّاسِ فيهم، وكانَ لَهم عَطيَّاتٌ في بَيتِ المالِ، وافتِقادٌ مِنْ المُتعلِّمينَ في مُجازاةِ الإحسانِ بالإحسانِ مِنْ غيرِ شَرطِ مُروءةٍ يُعينونَهم على مَعاشِهم ومَعادِهم، وكانوا يُفتُونَ بوُجوبِ التَّعليمِ؛ خَوفًا مِنْ ذَهابِ القُرآنِ، وتَحريضًا على التَّعليمِ حتى يَنهَضوا لِإقامةِ الواجِبِ، فيَكثُرَ حُفَّاظُ القُرآنِ، وأمَّا اليَومَ فذَهَبَ ذلك كلُّه واشتَغَلَ الحُفَّاظُ بمَعاشِهم، وقَلَّ مَنْ يُعَلِّمُ حِسبةً، ولا يَتفرَّغونَ له أيضًا؛ فإنَّ حاجَتَهم تَمنَعُهم مِنْ ذلك، فلَو لَم يُفتَحْ لَهم بابُ التَّعليمِ بالأجْرِ لَذَهَبَ القُرآنُ، فأفتَوْا بجَوازِ ذلك؛ لِذلك رَأوْه حَسَنًا، وقالوا: الأحكامُ قد تَختَلِفُ باختِلافِ الزَّمانِ، ألَا تَرى أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخرُجنَ إلى الجَماعاتِ في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ، وفي زَمنِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه حتى مَنعَهُنَّ عُمرُ رضي الله عنه، واستَقرَّ الأمْرُ عليه، وكانَ ذلك هو الصَّوابَ، وكانَ الإمامُ أبو بَكرٍ مُحمَّدُ بنُ الفَضلِ يَقولُ: يَجِبُ الأجْرُ ويُحبَسُ عليها، وقالَ في النِّهاية: يُفتَى بجَوازِ الِاستِئجارِ على تَعليمِ الفِقهِ أيضًا في زَمانِنا، ثم قالَ:
(١) «البيان والتحصيل» (٨/ ٤٥٣، ٤٥٤).
وفي رَوضةِ الزَّنْدوستيِّ كانَ شَيخُنا أبو مُحمَّدٍ عَبدُ اللَّهِ الخَيْزَاخَزِيُّ يَقولُ: في زَمانِنا يَجوزُ لِلإمامِ والمُؤَذِّنِ والمُعَلِّمِ أخْذُ الأجْرِ، قالَ: كَذا في الذَّخيرةِ، ولا يَجوزُ استِئجارُ المُصحَفِ وكُتُبِ الفِقهِ؛ لِعَدَمِ التَّعارُفِ (١).
وقالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه: قولُهُ: (وَيُفتَى اليَومَ بصِحَّتِها لِتَعليمِ القُرآنِ، إلخ، قالَ في الهِداية: وبَعضُ مَشايِخِنا رحمهم الله تَعالى- استَحسَنوا الِاستِئجارَ على تَعليمِ القُرآنِ اليَومَ؛ لِظُهورِ التَّواني في الأُمورِ الدِّينيَّةِ، ففي الِامتِناعِ تَضييعُ حِفظِ القُرآنِ، وعليه الفَتوَى). اه.
وقد اقتُصِرَ على استِثناءِ تَعليمِ القُرآنِ أيضًا في مَتْنِ الكَنزِ، ومَواهِبِ الرَّحمَنِ، وكَثيرٍ مِنْ الكُتُبِ، وزَادُوا في مُختصَرِ الوِقايةِ، و مَتنِ الإصلاحِ تَعليمَ الفِقهِ، وزَادُوا في مَتنِ المَجمَعِ الإمامةَ، ومِثلُه في مَتنِ المُلتَقى، ودُرَرِ البِحارِ، وزادَ بَعضُهم الأذانَ والإقامةَ والوَعظَ، وذكرَ المُصَنِّفُ مُعظَمها، ولَكنَّ الذي في أكثَرِ الكُتُبِ الِاقتِصارُ على ما في الهِدايةِ، فهذا مَجموعُ ما أفتَى به المُتأخِّرونَ مِنْ مَشايِخِنا، وهُمُ البَلْخِيُّونَ على خِلافٍ في بَعضِه، مُخالِفينَ ما ذَهَبَ إليه الإمامُ وصاحِبَاه، وقَدِ اتَّفقَتْ كَلِمَتُهم جَميعًا في الشُّروحِ، والفَتاوَى على التَّعليلِ بالضَّرورةِ، وهي خَشيةُ ضَياعِ القُرآنِ، كَما في الهِدايةِ، وقَد نَقَلتُ لَكَ ما في مَشاهيرِ مُتونِ المَذهبِ المَوضوعةِ لِلفَتوَى، فلا حاجةَ إلى نَقلِ ما في الشُّروحِ والفَتاوَى، وقَدِ اتَّفقَتْ كَلِمَتُهم جَميعًا على التَّصريحِ بأصْلِ المَذهبِ مِنْ عَدَمِ الجَوازِ، ثم استَثْنَوْا بَعدَه ما عَلِمتَهُ؛ فهذا دَليلٌ قاطِعٌ وبُرهانٌ ساطِعٌ على أنَّ المُفتَى به لَيسَ هو جَوازَ الِاستِئجارِ على
(١) «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٤، ١٢٥)
كلِّ طاعةٍ، بَلْ على ما ذَكَرُوه فقَطْ ممَّا فيه ضَرورةٌ ظاهِرةٌ تُبيحُ الخُروجَ عن أصْلِ المَذهبِ مِنْ طُرُوِّ المَنعِ؛ فإنَّ مَفاهيمَ الكُتُبِ حُجَّةٌ، ولَو كانَ المَفهومُ مَفهومَ لَقَبٍ، على ما صَرَّحَ به الأُصوليونَ، بَلْ هو مَنطوقٌ، فإنَّ الِاستِثناءَ مِنْ أدَواتِ العُمومِ كَما صَرَّحوا به أيضًا (١).
وقالَ أيضًا: أصْلُ المَذهبِ المَنعُ مُطلَقًا؛ وإنَّما أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ على التَّعليمِ بالضَّرورةِ المَذكورةِ التي لَو وَقَعَتْ في زَمنِ أبي حَنيفَةَ، وأصحابِه، لَأفتَوْا بذلك، فلِذلك أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ، مُخالِفينَ لِلمَذهبِ الصَّريحِ، ولَو زالَتِ الضَّرورةُ بأنِ انتَظَمَ أمْرُ بَيتِ المالِ وأُعطِيَ المُعَلِّمونَ ما كانَ لَهم فيه لَم يَسَعْ أحَدًا مِنْ المُتأخِّرينَ أنْ يُخالِفوا المَذهَبَ؛ لِزَوالِ العِلَّةِ التي سَوَّغَتْ لَهمُ الخُروجَ عن أصلِ المَذهبِ (٢).
قالَ المالِكيَّةُ: تَجوزُ الإجارةُ على تَعليمِ القُرآنِ مُشاهَرةً كَ: كلُّ شَهرٍ بدِرهَمٍ، أو كلُّ سَنةٍ بدِينارٍ.
(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٥، ٥٦)
(٢) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، ويُنْظر: «التمهيد» (٢١، ١١٢، ١١٣)، و «الاستذكار» (٥/ ٤١٦)، و «تفسير القرطبي» (١/ ٣٣٥)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١١٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٥٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٧)، و «حاشية الصاوي» (٢/ ٣٦٣)، والمدخل (٢/ ٣١١)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٧٦)، و «شرح مسلم» للنووي (٩/ ٢١٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٠، ٢١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٨٥)، و «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣١٥)، و «المغني» (٣/ ٩٤)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٦٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨).
أو على الحُذَّاقِ، والمُرادُ به حِفظُ جَميعِ القُرآنِ أو بَعضِه؛ كالنِّصفِ، والثُّلُثِ، والرُّبُعِ، والسُّدُسِ، ونَحوِ ذلك مِنْ الأجزاءِ بأجْرٍ مَعلومٍ، ولا يَجوزُ الجَمعُ بينَ المُشاهَرةِ والحُذَّاقِ على المَشهورِ، كاستَأجَرتُكَ على تَحفيظِه رُبُعَ القُرآنِ في شَهرٍ بكَذا؛ إذْ قد يَمضي الشَّهرُ ولا يَحفَظُ ما عَيَّنَه، أو يَحفَظُه في أثنائِه.
وَيُقضَى بالأُجرة لِلمُعَلِّمِ في الحَذاقةِ، وإنْ لَم تُشترَطْ إذا جَرَى العُرفُ بها، وإلَّا فلا، على المَشهورِ، ومَحَلُّها ما تَقرَّرَتْ به عُرفًا مِنْ السُّوَرِ؛ كَ: ﴿سَبِّحْ﴾ و ﴿عَم﴾، و ﴿تَبَارَكَ﴾، وغَيرِها، وهي تَختَلِفُ باختِلافِ الزَّمانِ والمَكانِ، وبِاختِلافِ الأشخاصِ فَقرًا وغِنًى، ولا حَدَّ فيها، وأنَّها راجِعةٌ إلى حالِ الأبِ في يُسرِه وعَدَمِه، ويُنظَرُ فيها أيضًا إلى حالِ الصَّبيِّ؛ فإنْ كانَ حافِظًا تَكونُ حَذقَتُه أكثَرَ مِنْ الذي لا يَحفَظُ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: يَصحُّ الِاستِئجارُ على تَعليمِ القُرآنِ كلِّه أو بَعضِه، ولا بدَّ مِنْ تَعيينِ المدَّةِ في تَعليمِ القُرآنِ، كَشَهرٍ ونَحوِه، على الأصَحِّ، وقيلَ: لا بدَّ مِنْ تَعيينِ السُّوَرِ أو الآياتِ؛ لِتَفاوُتِ السُّوَرِ والآياتِ في سُهولةِ الحِفظِ وصُعوبَتِه، أو تَعيينِ سُوَرٍ أو آياتٍ مِنْ سُورةِ كَذا، في الأصَحِّ؛ فإنْ أخَلَّ بأحَدِهِما لَم يَصحَّ على الأصَحِّ.
وَقيلَ: لا يُشترَطُ تَعيينُ واحِدٍ مِنهما.
(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٥٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٧)، و «حاشية الصاوي» (٢/ ٣٦٣)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٧٦).
وَلَو جَمَعَ بَينَهما؛ كَتَعلّمِه سُورةَ كَذا في شَهرِ كَذا، فلا يَصحُّ في الأصَحِّ (١).
والقولُ الثَّاني: لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ، ويَجوزُ أخْذُ الجَعالةِ على ذلك، وهو قولُ الحَنفيَّةِ، أبِي حَنيفَةَ، وصاحبَيْه أبي يُوسفَ، ومُحمدٍ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ، لِمَا رَواه أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا القُرْآنَ، فَأَهْدَى لِي قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ»، فَرَدَدْتُهَا (٢).
وعن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ شِبْلٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «اقرَؤُوا القُرْآنَ وَلا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلا تَجْفُوا عنه، وَلا تَغْلُوا فيه» (٣)، وقَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وَلأنَّ هذه الأعمالَ يَختَصُّ فاعِلُها بأنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ؛ فإنَّها إنَّما تَصحُّ مِنْ المُسلِمِ دونَ الكافِرِ؛ فلا يَجوزُ إيقاعُها إلَّا على وَجْهِ التَقرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا فُعِلَتْ بعُروضٍ لَم يكُنْ فيها أَجْرٌ بالِاتِّفاقِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﷾ إنَّما يَقبَلُ مِنْ العَملِ ما أُريدَ به وَجْهُه، لا ما فُعِلَ لِأجْلِ عُروضِ الدُّنيا.
وَلأنَّ مِنْ شَرطِ صِحَّةِ هذه الأفعالِ كَونَها قُربةً إلى اللَّهِ تَعالى، فلَم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كَما لَوِ استَأجَرَ قَومًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعةَ، أوِ التَّراويحَ.
وَلأنَّ القُربةَ متى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عن العامِلِ، ولِهَذا تُعتَبَرُ أهلِيَّتُه؛ فلا
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٠، ٢١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٣٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٨٥).
(٢) رواه ابن ماجه (٢١٥٨).
(٣) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٥٥٧٤).
يَجوزُ له أخْذُ الأجْرِ مِنْ غَيرِه، كَما في الصَّومِ والصَّلاةِ، ولأنَّ التَّعليمَ ممَّا لا يَقدِرُ المُعلِّمُ عليه إلَّا بمَعنًى مِنْ قِبَلِ المُتعلِّمِ، فيَكونُ مُلتَزِمًا ما لَا يَقدِرُ على تَسليمِه؛ فلا يَصحُّ.
قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا.
وأمَّا الأحاديثُ التي في أخْذِ الجُعلِ والأُجرةِ، فإنَّما كانَتْ في الرُّقيةِ، وهي قَضيةٌ في عَينٍ، فتَختَصُّ بها (١).
والقولُ الثَّالث: إنْ كانَ فَقيرًا مُحتاجًا جازَ له الأخْذُ، وإنْ كانَ غَنِيًّا لا يَجوزُ، وهو رِوايةٌ عن أحمدَ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، كَما أذِنَ اللَّهُ ﷾ لِوَليِّ اليَتيمِ أنْ يَأكُلَ مع الفَقرِ، ويَستَغنِيَ مع الغِنَى، قالَ ابنُ تَيميَّةَ: وهذا القولُ أقوَى مِنْ غَيرِه على هَذا، فإذا فعلَها الفَقيرُ للَّهِ، وإنَّما أخَذَ الأُجرةَ لِحاجَتِه إلى ذلك، ولِيَستَعينَ بذلك على طاعةِ اللَّهِ ﷾ فاللَّهُ ﷾ يَأجُرُه على نِيَته، فيَكونُ قد أكَلَ طَيِّبًا، وعَمِلَ صالِحًا.
وقالَ أيضًا: وأُصولُ الشَّريعةِ كلُّها مَبنيَّةٌ على هذا الأصْلِ، أنَّه يُفَرَّقُ في
(١) «المبسوط» (١٦/ ٣٧)، و «الهداية» (٣/ ٢٤٠)، و «العناية» (١٢/ ٣٩٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٠)، و «اللباب» (١/ ٤٨٩)، و «الاختيار» (٣/ ٧١)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١١٨)، و «المغني» (٣/ ٩٤)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٦٥)، و «المبدع» (٥/ ٩٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨).
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.