الشرط السادس: أن تكون مملوكة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > الشرط السادس: أن تكون مملوكة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 35 دقيقة قراءة

الشرط السادس: أن تكون مملوكة - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ السادِسُ: أنْ تَكونَ مَملوكةً:

قالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في المَنفَعةِ أنْ تَكونَ مَملوكةً على وَجْهٍ خاصٍّ، وأنْ تَكونَ مَملوكةً احترازًا مِنْ الأوقافِ على السُّكنَى؛ كبُيوتِ المَدارِسِ والخَوانِقِ والرُّبُطِ، ومَواضِعِ الجُلوسِ مِنْ المَساجِدِ والطُّرُقاتِ والمَدارِسِ وغَيرِ ذلك، لأنَّ المَملوكَ في هذه الأُمورِ كلِّها الانتِفاعُ دونَ المَنفَعةِ (١).

وَيَتَفَرَّعُ على هذا الشَّرطِ إجارةُ دُورِ مَكَّةَ:

حُكمُ إجارةِ دُورِ مَكَّةَ وبَيعِها:

اختَلفَ الفُقهاءُ في دُورِ مَكَّةَ هَلْ تَصحُّ إجارَتُها وبَيعُها أو لا تَصحُّ، على أربَعةِ أقوالٍ:

القولُ الأولُ: أنَّه لا يَصحُّ إجارةُ دُورِ مَكَّةَ، ولا بَيعُها، وهي المَنازِلُ ودارُ الإقامةِ، ولا الحَرَمُ كلُّه، وكَذا بِقاعُ المَناسِكِ؛ كالمَسعَى والمَرمَى والمَوقِفِ ونَحوِها، وهو مَذهَبُ الحَنفيَّةِ في الإجارةِ (وَيَجوزُ بَيعُها عِندَهم، والمالِكيَّةُ في المَشهورِ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ؛ لِقَولِ رَسولِ اللَّه : «مَكَّةُ مَناخٌ، لا تُباعُ رِباعُها ولا تُؤاجَرُ بُيُوتُها» (٢)، والرِّباعُ جَمْعُ رَبْعٍ، وهي المَنازِلُ ودارُ الإقامةِ.

وعن عَلقَمةَ بنِ نَضْلةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ وأبو بَكْرٍ

(١) «الفروق» (٤/ ٩)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٢)، و «الشرح الصغير» (٨/ ٤٦٨).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣/ ٥٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢٣٢٦).

وَعُمرُ وما تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إلا السَّوَائِبَ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ» (١).

وعن يُوسفَ بنِ ماهَكَ عن أُمِّهِ مُسيْكَةَ عن عائِشَةَ قالَتْ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَا نَبْنِي لكَ بمِنًى بَيتًا أو بِناءً يُظِلُّكَ مِنْ الشَّمسِ، فقالَ: «لَا، إنَّما هو مَناخٌ لِمَنْ سَبَقَ إليه»، وفي لَفظٍ: «قالَ: لَا، مِنًى مَناخٌ لِمَنْ سَبَقَ» (٢).

أفلا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ لم يَأْذَنْ لهم أنْ يَجعَلوا له فيها شَيئًا يَستَظِلُّ به؛ لأنَّها مَناخُ مَنْ سَبَقَ، ولأنَّ الناسَ كلَّهم فيها سَواءٌ.

عن يُوسفَ بنِ ماهَكَ عن أُمِّهِ وكَانَتْ تَخدُمُ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ فَحَدَّثَتْهُ عن عائِشَةَ مِثلَه، قالَ: «وسَأَلتُ أُمِّي مَكَانَ عائِشَةَ رضي الله عنها بَعدَما تُوُفِّيَ النَّبِيُّ أنْ تُعطِيَهَا إيَّاهُ، فقالَتْ لها عائِشَةُ: لا أُحِلُّ لكِ ولا لِأحَدٍ مِنْ أَهلِ بَيتِي أنْ يَستَحلَّ هذا المَكَانَ. تَعنِي مِنًى» (٣). فهذا حُكمُ المَواضِعِ التي الناسُ فيها سَواءٌ، ولا مِلْكَ لِأحَدٍ عليها.

ولِمَا رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النَّبِيِّ أنَّه قالَ: «إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مَكَّةَ فلَم تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإِنَّمَا أُحِلَّتْ لي ساعَةً مِنْ نهَارٍ، لا يُختَلى خَلَاهَا، ولا يُعْضَدُ شَجرُهَا، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولا

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٣١٠٧).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٥٥٨٢، ٢٥٧٥٩)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤٥١٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٥٠).
(٣) رواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٥٠).

تُلْتقَطُ لُقطَتُهَا إلا لِمُعرِّفٍ» (١)، أخبَرَ عليه الصلاة والسلام أنَّ مَكةَ حَرامٌ، وهو اسمٌ لِلبُقعةِ، والحَرامُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلتَّمليكِ.

ولأنَّ للهِ تبارك وتعالى أنْ يَضَعَ حُرمةً وفَضيلةً لِلحَرَمِ، ولذلك جعلَه مَأْمَنًا، قالَ اللهُ تبارك وتعالى جَلَّ شَأْنُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فابتِذالُه بالبَيعِ والشِّراءِ والتَّمليكِ والتَملُّكِ امتِهانٌ، وهذا لا يَجوزُ، بخِلافِ سائِرِ الأراضي.

ولأنَّها فُتِحتْ عَنْوةً، ولم تُقَسَّمْ، فكانَتْ مَوقوفةً؛ فلَم يَجُزْ بَيعُها؛ كسائِرِ الأرضِ التي فَتحَها المُسلِمونَ عَنوةً، ولم يُقسِّموها، والدَّليلُ على أنَّها فُتِحتْ عَنوةً قولُ رَسولِ اللهِ : «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ؛ فإِنها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ كان قَبْلِي، وإِنها أُحِلَّتْ لي ساعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإِنها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي» (٢).

ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ قالَتْ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَم ابنُ أُمِّي أنَّه قَاتِلٌ رَجُلًا قد أجَرْتُهُ، فُلانَ بنَ هُبيْرَةَ؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يا أُمَّ هَانِئٍ». قالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وذَاكَ ضُحًى (٣)، ولذلك أمَرَ النَّبِيُّ بقَتْلِ أربَعةٍ، فقَتَلَ منهم ابنَ خَطَلٍ ومَقِيسَ بنَ صُبابةَ، وهذا يَدلُّ على أنَّها فُتِحتْ عَنوةً.

(١) رواه البخاري (١٩٨٤).
(٢) رواه البخاري (٢٣٠٢)، ومسلم (١٣٥٥).
(٣) رواه البخاري (٣٠٠٠)، ومسلم (٣٣٦).

وَلا خِلافَ عندَ مالِكٍ وأصحابِه أنَّ مَكَّةَ فُتِحتْ عَنوةً، مُحتَجِّينَ باتِّفاقِ الأئِمَّةِ على أنَّ رَسولَ اللَّهِ دخلَ مَكَّةَ مُجاهِدًا بالأسلِحةِ، ناشِرًا لِلألويةِ، باذِلًا لِلأمانِ لِمَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ، وهذا لا يَكونُ إلَّا في العَنوةِ قَطعًا، قالوا: ويَجِبُ أنْ يُعتَقدَ أنَّ النَّبيَّ إنَّما وَدَى الطَّائِفةَ الذين قَتَلَهم خالِدُ بنُ الوَليدِ؛ لِكَونِه أمَّنَهم وعَصَمَ دِماءَهم، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ، وكانَ مُقتَضَى اتِّفاقِ المالِكيَّةِ على أنَّ مَكَّةَ فُتِحتْ عَنوةً ألَّا يَقولوا بجَوازِ كِراءِ دُورِها، لاسيَّما ومَشهورُ مَذهبِ مالِكٍ أنَّ أرضَ العَنوةِ تَصيرُ وَقَفًا بمُجرَّدِ الِاستيلاءِ عليها، سَواءٌ كانَتْ أرضَ زِراعةٍ أو أرضَ دُورٍ.

لَكِنْ في كِراءِ دُورِ مَكَّةَ أربَعُ رِواياتٍ عن مالِكٍ.

وقالَ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه: لا بَأْسَ ببَيعِ بِناءِ بُيوتِ مَكَّةَ وأكرَهُ بَيعَ أراضيها، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: لا بَأْسَ ببَيعِ أراضيها أيضًا، ورَوَى سُلَيمانُ عن مُحمَّدٍ عن أبي حَنيفَةَ قالَ: أَكرَهُ إجارةَ بُيوتِ مَكَّةَ في المَوسِمِ، وفي الرجُلِ يُقيمُ ثم يَرجِعُ، فأمَّا المُقيمُ والمُجاوِرُ فلا نَرَى بأخْذِ ذلك مِنهم بَأْسًا، وهو قولُ مُحمَّدٍ، ورَوَى الحَسَنُ بنُ زِيادٍ عن أبي حَنيفَةَ أنَّ بَيعَ دُورِ مَكَّةَ جائِزٌ.

قالَ ابنُ نُجَيمٍ رحمة الله عليه: قولُهُ: وَبَيعُ بِناءِ بُيوتِ مَكَّةَ أو أراضيها، يَعني: يَجوزُ ذلك، أمَّا البِناءُ فظاهِرٌ؛ لأنَّه مِلْكٌ لِبَنَّائِه، ألَا تَرى أنَّه لَو بَنَى في المُستَأجَرِ أوِ الوَقْفِ جازَ البِناءُ، وكانَ مِلْكًا لَه، وأمَّا بَيعُ أراضيها؛ فالمَذكورُ هُنا قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ، وهو إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن الإمامِ؛ لأنَّ أراضيَها مَملوكةٌ لِأهلِها؛ لِظُهورِ التَصرُّفِ والِاختِصاصِ، ولِقَولِه

عليه الصلاة والسلام: «هَلْ تَركَ لَنا عَقيلٌ مِنْ رِباعٍ»، الحَديثَ، فيه دَليلٌ على أنَّ أراضيَها تُمَلَّكُ وتَقبَلُ الِانتِقالَ مِنْ مِلْكٍ إلى مِلْكٍ، وقَد تَعارَفَ النَّاسُ ذلك مِنْ أوَّلِ الإسلامِ إلى الآنَ، مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وهو مِنْ أقْوَى الحُجَجِ.

وقالَ الإمامُ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ بَيعُ أراضيها؛ لِقَولِه عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مَكَّةَ وحرَّمَ بَيعَ أراضيها وإجارَتَها»؛ ولأنَّه وَقْفُ الخَليلِ عليه الصلاة والسلام، ولأنَّ الأراضيَ بمَكَّةَ كانَتْ تُدْعَى في زَمنِ النَّبيِّ والخَليفَتَيْنِ رضي الله عنهما مِنْ بَعدِه بالسَّوائِبِ، مَنِ احتاجَ إلَيها سَكَنَها، ومَنِ استَغنَى عَنها تَركَها (١).

لَكِنْ إنِ احتاجَ إلى ما في يَدِه منه سَكَنَه، وإنِ استَغنَى عنه وجبَ بَذْلُ فاضِلِه لِلمُحتاجِ إلَيه، كَما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعَلَى هذا مَنْ كانَ ساكِنَ دارٍ أو مَنزِلٍ فهو أحَقُّ به، يَسكُنُه ويُسكِنُه، وليسَ له بَيعُه، ولا أخْذُ أُجرَتِه، ومَنِ احتاجَ إلى مَسكَنٍ فلَه بَذْلُ الأُجرةِ فيه، وإنِ احتاجَ إلى الشِّراءِ فلَه ذلك، كَما فعلَ عُمرُ، وكانَ أبو عَبدِ اللَّهِ إذا سَكَنَ أعطاهم أُجرَتَها، فإنْ سَكَنَ بأُجرةٍ فأمْكَنَه ألَّا يَدفَعَ إلَيهمُ الأُجرةَ جازَ له ذلك؛ لأنَّهم لا يَستَحقُّونَها، وقَد رُوِيَ أنَّ سُفيانَ سَكَنَ

(١) «البحر الرائق» (٨/ ٢٣١)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٦٢)، و «الهداية» (٤/ ٩٤)، و «العناية شرح الهداية» (١٤/ ٢٨٨)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٢١٢)، و «ابن عابدين» (٦/ ٣٩٢)، و «الهندية» (٣/ ١١٤)، و «البيان والتحصيل» (٣/ ٤٠٦)، و «المبدع» (٤/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٨٣، ١٨٤)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٣).

في بَعضِ رِباعِ مَكَّةَ، وهَرَبَ، ولَم يُعطِهم أُجرةً، فأدرَكوه، فأخَذوها مِنه، وذُكِرَ لِأحمدَ فِعلُ سُفيانَ فتَبَسَّمَ، فظاهِرُ هذا أنَّه أعجَبَه، قالَ ابنُ عَقيلٍ: والخِلافُ في غيرِ مَواضِعِ المَناسِكِ، أمَّا بِقاعُ المَناسِكِ؛ كَوَضعِ السَّعيِ والرَّميِ فحُكمُها حُكمُ المَساجِدِ بغَيرِ خِلافٍ.

فَصْلٌ: ومَن بَنَى بِناءً بمَكَّةَ بآلةٍ مَجلوبةٍ مِنْ غيرِ أرضِ مَكَّةَ جازَ بَيعُها، كَما يَجوزُ بَيعُ أبنِيةِ الوُقوفِ وأنقاضِها؛ وإنْ كانَتْ مِنْ تُرابِ الحَرَمِ وحِجارَتِه انبَنَى جَوازُ بَيعِها على الرِّوايَتَيْنِ في بَيعِ رِباعِ مَكَّةَ؛ لأنَّها تابِعةٌ لِمَكَّةَ، وهَكَذا تُرابُ كلِّ وَقفٍ وأنقاضُه.

قالَ أحمَدُ رحمة الله عليه: وأمَّا البِناءُ بمَكَّةَ فإنِّي أكرَهُه، قالَ إسحاقُ: البِناءُ بمَكَّةَ على وَجْهِ الِاستِخلاصِ لِنَفْسِه لا يَحِلُّ، وقَد رُوِيَ أنَّ النَّبيِّ قيلَ لَهُ: ألَا تَبني بَيتًا، قالَ: «مِنًى مَناخٌ لِمَنْ سَبَقَ» (١).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: مَحَلُّ الخِلافِ بينَ العُلماءِ في بَيعِ الأرضِ نَفْسِها، أمَّا البِناءُ فهو مَملوكٌ يَجوزُ بَيعُه، بلا خِلافٍ، أي: إذا لَم يكُنْ مِنْ أجزاءِ أرضِها (٢).

(١) «المغني» (٤/ ١٧٨)، ويُنْظر: و «المبدع» (٤/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٨٣، ١٨٤)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٣)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٤٦)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٦٠، ٦٣)، و «الهداية» (٤/ ٩٤)، و «العناية شرح الهداية» (١٤/ ٢٨٨)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٢١٢)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٢٩)، و «البيان والتحصيل» (٣/ ٤٠٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٢)، و «الفروق» (٤/ ٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٦/ ٥٣).

قالَ القَرافيُّ رحمة الله عليه: ذِكْرُ الخِلافِ في كِراءِ دُورِ مَكَّةَ: المَشهورُ مَنْعُ كِرائِها؛ لِفَتْحِها عَنوةً، وما يَقَعُ مِنْ القَضاءِ في إثباتِ الأملاكِ وعُقودِ الإيجاراتِ والأخْذِ بالشُّفعاتِ ونَحوِ ذلك؛ فهو على القَولِ بأنَّ لِلإمامِ قَسْمَها، كَسائِرِ الغَنائِمِ، أو على القَولِ بأنَّه مُخَيَّرٌ في ذلك.

والقاعِدةُ المُتفَقُ عليها: أنَّ مَسائِلَ الخِلافِ إنِ اتَّصَلَ ببَعضِ أقوالِها قَضاءُ حاكِمٍ تَعيَّنَ ذلك القولُ، وارتَفَعَ الخِلافُ، فإذا قَضَى حاكِمٌ بثُبوتِ ذلك في أرضِ العَنوةِ ثبَتَ المِلْكُ وارتَفَعَ الخِلافُ، وتَعيَّنَ ما حُكِمَ به، وهذا يَطَّرِدُ في مَكَّةَ ومِصرَ وغَيرِهِما (١).

وقالَ مُحمَّد عِليش رحمة الله عليه: والدُّورُ المَوقوفةُ هي التي صادَفَها الفَتحُ، وبَقِيتْ مَبنيَّةً؛ فإنْ تَهَدَّمَتْ وبُنِيتْ مُلِّكَتْ، وجازَ التَصرُّفُ فيها بالبَيعِ والكِراءِ ونَحوِهما، فقولُ الإمامِ: لا تُكرَى دُورُ مَكَّةَ، أرادَ به ما كانَ في زَمانِه باقيًا مِنْ دُورِ الكُفَّارِ التي صادَفَها الفَتحُ، واليَومَ ذَهَبَتْ تلك الأبنِيَةُ؛ فلا يَكونُ قَضاءُ الحُكَّامِ فيها بذلك خَطَأً، نَعَمْ يَختَصُّ ذلك بالأرَضينَ؛ فإنَّها باقيةٌ بحالِها إلى الأبَدِ، وإذا جُهِلَ الأمْرُ انتَفَعَ الحائِزُ بحيازَتِه، إذا جُهِلَ أصْلُ مَدخَلِه فيها.

وَهَل يُطالَبُ ببَيانِ سَبَبِ مِلْكِهِ؟ فقالَ ابنُ أبي زِمْنِينَ: لا يُطالَبُ، وقالَ غَيرُه: يُطالَبُ، وقيلَ: إنْ لَم يَثبُتْ أصلٌ لِمِلكِ المدَّعِي فلا يُسألُ الحائِزُ عن بَيانِ أصْلِ مِلْكِه، وإلَّا سُئِلَ.

(١) «الذخيرة» (٥/ ٤٠٧)، و «الفروق» (٤/ ١١)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٣)

وقالَ ابنُ القَطَّانِ وابنُ عَتَّابٍ: لا يُطالَبُ، إلَّا أنْ يَكونَ مَعروفًا بالغَصبِ والِاستِطالةِ والقُدرةِ على ذلك (١).

القولُ الثَّاني: أنَّه يَجوزُ بَيعُها وإجارَتُها، وهو مَذهَبُ الشَّافعيَّةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ ومالِكٌ في رِوايةٍ عنه، وهو الظَّاهِرُ مِنْ مَذهبِ ابنِ القاسِمِ، وهو المُعتَمَدُ الذي به الفَتْوى، وعليه جَرَى العَملُ مِنْ أئِمَّةِ الفَتْوَى والقُضاةِ بمَكةَ المُشَرَّفةِ (وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمدٍ، ورِوايةٌ عن أبي حَنيفَةَ في البَيعِ).

لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، فأضافَ الدِّيارَ إليهم؛ كإضافةِ الأموالِ إليهم، ثم ثبَتَ أنَّ أموالَهم كسائِرِ أموالِ النَّاسِ في تَمليكِها، وجَوازِ بَيعِها، فكذلك الدِّيارُ، وجَوازُ بَيعِها دَلَّ على جَوازِ إجارَتِها؛ لأنَّ ما جازَ بَيعُه مِنْ الدُّورِ جازَتْ أجارَتُه، كسائِرِ البِلادِ، ولأنَّه لو لم تُمَلَّكْ رِقابُها ويُستَحقَّ سُكناها لَمَا جازَ لِأحَدٍ أنْ يَستَوطِنَ بها دارًا، ولَاستَهَمَ النَّاسُ عليها؛ لِاستِوائِهم فيها.

وعن أُسامَةَ بنِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةِ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فقالَ: وهَلْ تَركَ لنا عَقيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أو دُورٍ»، وكانَ عَقيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ، هو وَطَالِبٌ، ولَم يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، ولا عَلِيٌّ شَيئًا؛ لأنَّهمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ، وكانَ عَقيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ (٢)، يَعني أنَّ عَقيلًا باعَ رِباعَ أبي طالِبٍ لأنَّه

(١) «منح الجليل» (٣/ ١٨٠، ١٨١).
(٢) رواه البخاري (٤٠٣٢)، ومسلم (١٣٥١).

وَرِثَها دونَ إخوَتِه؛ لِكَونِه كانَ على دِينِه دُونَهُما، ولَو كانَتْ غيرَ مَملوكةٍ وكانَ بَيعُها باطِلًا لَمَا أجازَه رَسولُ اللَّهِ ، ولَأَقَرَّ مِلْكَ الدُّورِ على حُكمِها الأولِ. ولأنَّه إجماعُ السَّلفِ وأهلِ الأعصارِ مِنْ لَدُنْ رَسولِ اللَّهِ إلَى وَقتِنا يَتبايَعونَ مَنازِلَ مَكَّةَ، ويُشاهِدونَ ذلك مِنْ غَيرِه، ولا يُنْكِرُ ذلك واحِدٌ مِنهم، فكانَ إجماعًا.

وَلأنَّ أصحابَ النَّبيِّ كانَتْ لَهُمْ دُورٌ بمَكَّةَ لِأبي بَكرٍ، والزُّبَيرِ وحَكيمِ بنِ حِزامٍ؛ وأبي سُفيانَ، وسائِرِ أهلِ مَكَّةَ، فمِنهم مَنْ باعَ، ومِنهم مَنْ تَركَ دارَه، فهي في يَدِ أعقابِهم.

وقد باعَ حَكيمُ بنُ حِزامٍ دارَ النَّدوةِ؛ فقالَ ابنُ الزُّبَيرِ: بِعتَ مَكرُمةَ قُرَيشٍ؟ فقالَ: يا ابنَ أخِي، ذَهَبَتِ المَكارِمُ إلَّا التَّقوَى.

واشترَى مُعاويةُ دارَيْنِ واشترَى عُمرُ دارَ السِّجنِ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافٍ.

ولَم يَزَلْ أهلُ مَكَّةَ يَتصرَّفونَ في دُورِهم تَصرُّفَ المُلَّاكِ بالبَيعِ وغَيرِه، ولَم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فكانَ إجماعًا، ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَيْنِ، فجازَ أنْ يَصحَّ بَيعُ مَنازِلِه وعَقارِه، وإجارَتُه، كالمَدينةِ.

وقد قَرَّرَه النَّبيُّ بنِسبةِ دُورِهم إلَيهم، فقالَ: «مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ عليه بابَه فهو آمِنٌ»، وأقَرَّهم في دُورِهم، ورِباعِهم، ولَم يَنقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجِدَ منه ما يَدلُّ على زَوالِ أمْلاكِهم، وكذلك مَنْ بَعدَه مِنْ الخُلَفاءِ، حتى إنَّ عُمرَ مع شِدَّتِه في الحَقِّ

لَمَّا احتاجَ إلى دارِ السِّجنِ لَم يَأخُذْها إلَّا بالبَيعِ، ولأنَّها أرضٌ حَيَّةٌ لَم يَرِدْ عليها صَدَقةٌ مُحرَّمةٌ، فجازَ بَيعُها كَسائِرِ الأرضِ، وما رُوِيَ مِنْ الأحاديثِ في خِلافِ هذا ضَعيفٌ، وأمَّا كَونُها فُتِحتْ عَنوةً فهو الصَّحيحُ الذي لا يُمكِنُ دَفْعُه، وهو قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، إلَّا أنَّ النَّبيَّ أقَرَّ أهلَها فيها على أملاكِهم ورِباعِهم، فيَدلُّ ذلك على أنَّه تَركَها لَهم، كَما تَركَ لِهَوازِنَ نِساءَهم وأبناءَهُم (١).

القولُ الثالِثُ: كَراهةُ بَيعِ دُورِ مَكةَ وكِرائِها تَنزِيهًا، وهو مَروِيٌّ عن مالِكٍ، وهو قولُ جَماعةٍ مِنْ المالِكيَّةِ، قالَ في المُوازَنة: وقد سَمِعتُ أنَّ مالِكًا يَكرَهُ كِراءَ بُيوتِ مَكةَ، ثم قالَ: فإنْ قَصَدَ بالكِراءِ الآلاتِ والأخشابَ جازَ، وإنْ قَصَدَ فيه البُقعةَ فلا خَيرَ فيه.

قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: وظاهِرُه أنَّ الكَراهةَ على بابِها، أي: لِلتَّنزيهِ (٢).

القولُ الرَّابِعُ: تَخصيصُها، أي: الكَراهةِ، بالمَوسِمِ؛ لِكَثرةِ النَّاسِ واحتِياجِهم لِلوُقفِ، قالَ البَنانيُّ المَكيُّ أيضًا: قالَ ابنُ رُشدٍ في المُقدِّماتِ، وحَكَى الدَّاوديُّ عنه، أي: عن مالِكٍ، أنَّه كَرِهَ كِراءَها في أيَّامِ المَوسِمِ خاصَّةً، انتَهَى. وهكذا حَكاه اللَّخميُّ عنه أيضًا. اه.

(١) «البيان والتحصيل» (٣/ ٤٠٦)، و «الذخيرة» (٥/ ٤٠٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٢)، و «التبصرة» (١١/ ٥٠٨٥)، و «الفروق» (٤/ ٩، ١٧)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٨٦) (٧/ ٤٤٤)، و «شرح مسلم» للنووي (٩/ ١٢٠)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٥٢، ٥٣)، و «المغني» (٤/ ١٧٨)، و «المبدع» (٤/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٨٣، ١٨٤)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٣).
(٢) «الفروق» (٤/ ١٢).

وذلك لِأمرَيْنِ:

الأولُ: مَا مَرَّ مِنْ الخِلافِ في أنَّها فُتِحتْ عَنوةً أو صُلحًا، وعلى الأولِ، فهل يُنظَرُ إلى أنَّه قد مَنَّ على أهلِها بأنْفُسِهم وأموالِهم مُطلَقًا، أو لا مُطلَقًا، أو يُنظَرُ إليه في غيرِ أيَّامِ المَوسِمِ.

والأمْرُ الآخَرُ: تَعارُضُ الأدِلَّةِ، قالَ الشَّيخُ مُحمدٌ البَنانيُّ المَكيُّ في رِسالَتِه «تُحفةُ المُريدِ السَّالِكِ»: فاستَدَلَّ القائِلُ بالمَنْعِ بالكِتابِ والسُّنةِ، أمَّا بالكِتابِ، فقولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، قالوا: المُرادُ بالمَسجِدِ الحَرامِ مَكةُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ أبي حاتِمٍ وغَيرُه عن ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ أنَّ المَسجِدَ الحَرامَ في هذه الآيةِ الحَرَمُ كلُّه، وقد وَصَفَه اللهُ تَعالى بقَولِه: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾، أي: المُؤمِنينَ جَميعًا، ثم قالَ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، أي: سَواءٌ المُقيمُ في الحَرَمِ ومَن دخلَ مَكةَ مِنْ غيرِ أهلِها، أو المُقيمُ فيه والغَريبُ سَواءٌ، فدَلَّتْ هذه الآيةُ على مَنْعِ بَيعِ دُورِ مَكةَ وإجارَتِها؛ لأنَّ اللهَ جعلَها لِلنَّاسِ سَواءً؛ فلا يُختَصُّ أحَدٌ بمِلْكٍ فيها دونَ أحَدٍ.

قالَ القَسطَلانيُّ على البُخاريِّ في قَولِه تَعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، مَا نَصُّه: وأوَّلَهُ أبو حَنيفَةَ بمَكةَ، واستَشهَدَ له بقَولِه تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾، على عَدَمِ جَوازِ بَيعِ دُورِها وإجارَتِها، ثم قالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: وذَهَبَ ابنُ عَبَّاسِ وابنُ جُبَيرٍ، وقَتادةُ؛ وغَيرُهم إلى أنَّ التَّسويةَ بينَ البادي والعاكِفِ في مَنازِلِ مَكةَ، وهو مَذهَبُ أبي حَنيفَةَ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الدابة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك

ــ

منح الجليل

فَصْل كِرَاء الدَّابَّة

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 381 - 391

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله