الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الأولى: إجارة المرأة نفسها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةالنُّفَساءِ، وكَذا الِاستِئجارُ على قَطعِ عُضوٍ سَليمٍ مُحتَرمٍ، كَقَلْعِ سِنٍّ صَحيحةٍ (١).
وهنا بَعضُ المَسائِلِ المُتعلِّقةِ بهذا على هذا التَّرتيبِ:
المَسألةُ الأُولى: إجارةُ المَرأةِ نَفْسَها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ استِئجارُ المَرأةِ بإذْنِ زَوجِها، وليسَ له مَنْعُها بعدَ ذلك ممَّا اقتَضاه عَقدُ الإجارةِ.
ثم اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ لَها أنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَها إجارةَ عَيْنٍ، كَرَضاعٍ وخِدمةٍ -وَوَظيفةٍ في الدَّولةِ مثلًا- بغَيرِ إذْنِ زَوجِها، أو لا يَجوزُ؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ -في الأصَحِّ- والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَها بغَيرِ إذْنِ زَوجِها لِلرَّضاعةِ، وكَذا لِلخِدمةِ، كَما نَصَّ على ذلك الشَّافعيَّةُ، والحَنابِلةُ، وإنْ كانَتْ نُصوصُ الحَنفيَّةِ، والمالِكيَّةِ مُختصَةً بالرَّضاعةِ فقَطْ، ولَم أعثُرْ على قَولٍ لَهُما في الخِدمةِ أوِ الإجارةِ عُمومًا.
وَهَذِه نُصوصُ أقوالِهِم:
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٨٧)، و «الفروق» (٤/ ٩/ ١٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٨٦)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٦٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٠)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٤٦٨)، و «المهذب» (١/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٠، ١١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٣٠، ٣٣٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٠٩، ٣١٣)، و «الديباج» (٢/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٦٩، ١٧١)، و «المغني» (٥/ ٣٣٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٣)، و «الكافي» (٢/ ٣٠١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٦٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٠)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٣٠٦).
قالَ الشَّافعيَّةُ في الأصَحِّ: لا يَجوزُ استِئجارُ المَرأةِ المُتزَوِّجةِ لِرَضاعٍ أو غَيرِه ممَّا يُؤدِّي إلى خَلوةٍ مُحرَّمةٍ بغَيرِ إذْنِ الزَّوجِ؛ لأنَّ أوقاتَها مُستَغرَقةٌ بحَقِّه، فلا تَقدِرُ على تَوفيةِ ما التَزَمتْه. فإنْ أجَّرتْ نَفْسَها فلَه الخيارُ في فَسخِ الإجارةِ عليها.
وَفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافعيَّةِ: يَجوزُ؛ لأنَّ مَحَلَّه غيرُ مَحَلِّ النِّكاحِ؛ إذْ لا حَقَّ لِلزَّوجِ في خِدمَتِها، ولا في لَبنِها، وعَلَى هذا لِلزَّوجِ فَسخُه؛ حِفظًا لِحَقِّه.
وَقيلَ: إنَّه لَو كانَ غائِبًا غَيبةً بَعيدةً، أو صَغيرًا، فأجَّرَتْ نَفْسَها لِعَملٍ تَعمَلُه في مَنزِلِه يَنقَضي قبلَ قُدومِه، أو تَأهُّلِه لِلتَّمَتُّعِ، جازَ، ولَو حَضَرَ في أثناءِ المدَّةِ انفَسخَتْ فيما بَقيَ.
واعتِراضُ الغَزِّيِّ -بأنَّ مَنافِعَها مُستَحقَّةٌ له بعَقدِ النِّكاحِ- مَمنوعٌ؛ لأنَّ الزَّوجَ لَم يَستَحقَّ المَنافِعَ، وإنَّما استَحقَّ أنْ يَنتفِعَ، وهو مُتعَذِّرٌ.
وَفي وَجْهٍ: لا اعتِراضَ لِلزَّوجِ عليها.
وَلَو أجَّرَتْ نَفْسَها ولا زَوجَ لَها، ثم نُكِحَتْ في المدَّةِ، فالإجارةُ بحالِها، وليسَ لِلزَّوجِ مَنْعُها مِنْ تَوفِيةِ ما التَزَمتْه؛ لأنَّ مَنافِعَها مُلِّكَتْ بعَقدٍ سابِقٍ على نِكاحِه، كَما لَو أجَّرَتْ نَفْسَها بإذْنِه، لَكِنْ يَستَمتِعُ بها في أوقاتِ فَراغِها، وهذا إذا كانَ عالِمًا بها فلا خيارَ لَه.
وإنْ لَم يكُنْ عالِمًا بالإجارةِ فلَه الخيارُ بينَ قيامِه على النِّكاحِ وبَينَ فَسخِهِ؛ لأنَّ تَفويتَ الِاستِمتاعِ في النَّهارِ عَيبٌ؛ فاستَحقَّ به الفَسخَ؛ فلَو مَكَّنَ المُستَأجِرَ مِنْ الِاستِمتاعِ بها في النَّهارِ لَم يَسقُطْ حَقُّه مِنْ الخيارِ؛ لأنَّ المُستَأجِرَ مُتطوِّعٌ بالتَّمكينِ، فلَم يَسقُطْ بتَطوُّعِه خِيارٌ مُستحَقٌّ.
وَهَذا في إجارةِ العَيْنِ، فإنِ التَزَمتْ عَملًا في الذِّمةِ صَحَّ، وإنْ لَم يَأذَنِ الزَّوجُ، ثم إنْ وَجَدَتْ فُرصةً وعَمِلَتِ استَحقَّتِ الأُجرةَ.
وَيَجوزُ لِلزَّوجِ استِئجارُ زَوْجَتِه لكلِّ عَملٍ، ويَجوزُ لِلمَرأةِ استِئجارُ زَوجِها، ولَها مَنعُه مِنْ الِاستِمتاعِ بها وَقتَ العَملِ، لَكِنْ تَسقُطُ نَفَقَتُها (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ إجارةُ الزَّوجةِ نَفْسِها لِرَضاعٍ وخِدمةٍ وصَنعةٍ بعدَ نِكاحٍ، إلَّا بإذْنِ زَوجِها؛ لأنَّه عَقدٌ يَفوتُ به حَقُّ مَنْ ثبَتَ له الحَقُّ بعَقدٍ سابِقٍ؛ فلَم يَصحَّ؛ كَإجارةِ المُؤجَّرِ.
فَأمَّا مع إذْنِ الزَّوجِ فإنَّ الإجارةَ تَصحُّ ويَلزَمُ العَقدُ؛ لأنَّ الحَقَّ لَهُما لا يَخرُجُ عَنهُما.
وَلَو أجَّرَتْ نَفْسَها لِعَملٍ في ذِمَّتِها صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ ذِمَّتَها قابِلةٌ لِذلك؛ فإنْ عَمِلَتِ العَملَ الذي استُؤجِرَتْ له بنَفْسِها، أو عَمِلَه مَنْ أقامَتْه مَقامَها استَحقَّتِ الأُجرةَ؛ لأنَّها وَفَّتْ بالعَملِ.
(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٤٤٦)، و «المهذب» (١/ ١٦٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣١٣)، و «الديباج» (٢/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «كنز الراغبين مع حاشية عميرة» (٣/ ١٧١).
فَإنْ أجَّرَتْ نَفْسَها أو أجَّرَها وَلِيُّها لِصِغَرِها مثلًا، ثم تَزوَّجَتْ، صَحَّ عَقدُ الإجارةِ، ولَم يَملِكِ الزَّوجُ فَسخَ الإجارةِ، ولا يَمنَعُها مِنْ الرَّضاعةِ حتى تَنقَضيَ المدَّةُ؛ لأنَّ مَنافِعَها مُلِّكَتْ بعَقدٍ سابِقٍ على نِكاحِه، أشبَهَ ما لَوِ اشترَى أَمَةً مُستَأجَرةً، أو دارًا مُستَعارةً بما يَطولُ نَقلُه مِنها.
فَإذا نامَ الصَّبيُّ الذي استُؤجِرَتْ لِرَضاعِه أو شُغِلَ، فلِلزَّوجِ الِاستِمتاعُ بها؛ لِزَوالِ المُعارِضِ لِحَقِّه، وليسَ لِوَليِّ الصَّبيِّ مَنعُ الزَّوجِ مِنْ الِاستِمتاعِ بها، ولِلزَّوجِ الِاستِمتاعُ بزَوجَتِه المُؤجَّرةِ لِرَضاعٍ، ولَو أضَرَّ اللَّبنَ؛ لأنَّ وَطءَ الزَّوجِ مُستحَقٌّ بعَقدِ التَّزويجِ؛ فلا يَسقُطُ بأمْرٍ مَشكوكٍ فيه، كَما لَو أذِنَ فيه الوَلِيُّ.
وَلا يَملِكُ الزَّوجُ فَسخَ النِّكاحِ مع جَهلِه بكَونِها مُؤجَّرةً.
وَلا يُقبَلُ قولُ مَنْ تَزوَّجَتْ، ثم ادَّعَتْ أنَّها أجَّرَتْ نَفْسَها قبلَ عَقدِ النِّكاحِ في حَقِّ الزَّوجِ بلا بيِّنةٍ؛ لأنَّها مُتهَمةٌ، والأصْلُ عَدَمُ ما تَدَّعيه، وكَذا لا يُقبَلُ قولُها بلا بيِّنةٍ، بعدَ أنْ أجَّرتْ نَفْسَها في بُطلانِ الإجارةِ (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: يَصحُّ استِئجارُ الظِّئرِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ؛ لِقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وعليه إجماعُ الأُمَّةِ، وقد جَرَى التَّعامُلُ به في الأعصارِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ.
(١) «المبدع» (٧/ ٢٠٣، ٢٠٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٦١)، و (٥/ ٢٢١، ٢٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦١١)، و (٥/ ٢٧٢)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٤٩).
وَيَصحُّ بطَعامِها وكِسوَتِها عندَ أبي حَنيفَةَ، وقالَ أبو يُوسفَ، ومُحمَّدٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الأُجرةَ مَجهولةٌ، فصارَ كَما إذا استَأجَرَها بهِما لِلطَّبخِ والخَبْزِ.
وَلِأبي حَنيفَةَ أنَّ الجَهالةَ هُنا لا تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ العادةَ جَرَتْ بالتَّوسِعةِ على الأظآرِ شَفَقةً على الأولادِ، وألَّا يُشاحِحَها، بَلْ أنْ يُعطيَها ما طَلَبتْ، ويُوافِقُها على مُرادِها، والجَهالةُ إذا لَم تُفْضِ إلى المُنازَعةِ لا تَمنَعُ الصِّحَّةَ؛ كَبَيعِ قَفيزٍ مِنْ صُبرةِ طَعامٍ بخِلافِ الطَّبخِ والخَبْزِ، وغَيرِ ذلك؛ لأنَّ الجَهالةَ فيها تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لِجَرَيانِ المُماكَسةِ والمُضايَقةِ فيها.
وَلا يُمنَعُ الزَّوجُ مِنْ وَطئِها؛ لأنَّه حَقُّه، فلا يَتمكَّنُ المُستَأجِرُ مِنْ إبطالِه، لأنَّ حَقَّه ثابِتٌ بالنِّكاحِ قبلَ الإجارةِ، وهو قائِمٌ بَعدَها، ولَكِنْ لِلمُستَأجِرِ مَنْعُ زَوجِها مِنْ دُخولِ بَيتِه؛ لأنَّ المَنزِلَ لَه.
وَيَجوزُ لِلزَّوجِ أنْ يَفسَخَ الإجارةَ إذا لَم يكُنْ يَعلَمُ بها، سَواءٌ كانَ يَشينُه إجارَتُها، بأنْ كانَ وَجيهًا بينَ النَّاسِ، أو لَم يَشِنْه في الأصَحِّ، لِمَا أنَّ له أنْ يَمنَعَها مِنْ الخُروجِ، وأنْ يَمنَعَ الصَّبيَّ الدُّخولَ عليها، ولأنَّ الإرضاعَ والسَّهَرَ باللَّيلِ يُضعِفُها ويُذهِبُ جَمالَها، فكانَ له المَنعُ مِنه، كَما يَمنَعُها مِنْ الصِّيامِ تَطوُّعًا.
لَكِنْ إذا ثبَتَتِ الزَّوجيَّةُ بإقرارِهِما، لَيسَ له أنْ يَفسَخَ الإجارةَ؛ لأنَّهما لا يُصَدَّقانِ في حَقِّ المُستَأجِرِ.
وإنْ مَرِضَتْ أو حَبِلَتْ فُسِخَتِ الإجارةُ؛ لأنَّ لَبنَ الحُبلَى والمَريضةِ
يَضُرُّ بالصَّغيرِ، وهي يَضُرُّها أيضًا الرَّضاعُ، فكانَ لَها ولَهمُ الخيارُ؛ دَفعًا لِلضَّررِ عَنها وعَنِ الصَّبيِّ، وهذا لأنَّ هذه إجارةٌ، والإجارةُ تُفسَخُ بالأعذارِ.
وَلَوِ استَأجَرَ امرَأتَه لِتَخدُمَه كلَّ شَهرٍ بأجْرٍ مُسمًّى لَم يَجُزْ؛ لأنَّ خِدمةَ البَيتِ عليها فيما بَينَها وبَينَ اللَّهِ تَعالى؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قَسَّمَ الأعمالَ بينَ علِيٍّ وفاطِمةَ رضي الله عنهما فجعلَ ما كانَ في داخِلِ البَيتِ على فاطِمةَ رضي الله عنها، وما كانَ في خارِجِ البَيتِ على علِيٍّ رضي الله عنه، فكانَ هذا استِئجارًا على عَملٍ واجِبٍ، فلَم يَجُزْ، ولأنَّها تَنتَفِعُ بخِدمةِ البَيتِ والاستِئجارِ على عَملٍ يَنتفِعُ به الأجيرُ غيرِ جائِزٍ.
وَلا يَجوزُ استِئجارُ الزَّوجةِ على رَضاعِ وَلَدِه مِنها؛ لأنَّ ذلك استِئجارٌ على خِدمةِ الوَلَدِ؛ وإنَّما اللَّبنُ يَدخُلُ فيه تَبَعًا، فكانَ الِاستِئجارُ على أمْرٍ عليها فيما بَينَها وبَينَ اللَّهِ تَعالى، ولأنَّ الزَّوجةَ مُستَحِقَّةٌ لِلنَّفَقةِ على زَوجِها، ولأنَّ أُجرةَ الرَّضاعِ تَجرِي مَجرَى النَّفَقةِ، فلا تَستَحِقُّ نَفَقَتَيْنِ على زَوجِها، حتى لَو كانَ لِلوَلَدِ مالٌ، فاستَأجَرَها لِإرضاعِ وَلَدِها منه مِنْ مالِ الوَلَدِ، جازَ؛ لأنَّه لا نَفَقةَ لَها على الوَلَدِ؛ فلا يَكونُ فيه استِحقاقُ نَفَقَتَيْنِ.
وَلَوِ استَأجَرَ لِوَلَدِه مِنْ ذَواتِ الرَّحِمِ المَحْرَمِ اللَّاتي لَهُنَّ حَضانَتُه جازَ؛ لأنَّه لَيسَ عليهنَّ خِدمةُ البَيتِ، ولا نَفَقةَ لَهُنَّ على أبي الوَلَدِ، ويَجوزُ استِئجارُ الزَّوجةِ لِتُرضِعَ وَلَدَه مِنْ غَيرِها؛ لأنَّه لَيسَ عليها خِدمةُ وَلَدِ غَيرِها.
وَلَوِ استَأجَرَتِ المَرأةُ زَوجَها لِيَخدُمَها في البَيتِ بأجْرٍ مُسمًّى فهو جائِزٌ؛ لأنَّ خِدمةَ البَيتِ غيرُ واجِبةٍ على الزَّوجِ، فكانَ هذا استِئجارًا على أمْرٍ غيرِ واجِبٍ على الأجيرِ، وكَذا لَو استَأجَرَتْه لِرَعْيِ غَنَمِها؛ لأنَّ رَعْيَ الغَنَمِ لا يَجِبُ على الزَّوجِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: تَجوزُ إجارةُ المَرأةِ على الِاستِرضاعِ لِلطِّفلِ؛ لِنَصِّ القُرآنِ، ولِلضَّرورةِ الدَّاعيةِ إلى ذلك، وسَواءٌ كانَتْ أُجرةُ الظِّئرِ نَقدًا أو طَعامًا.
وَإذا أجَّرَتِ المَرأةُ نَفْسَها لِلرَّضاعةِ بغَيرِ إذْنِ زَوجِها فلَه أنْ يَفسَخَه؛ لِمَا يَلحَقُه مِنْ الضَّررِ، وسَواءٌ كانَ له وَلَدٌ أو لا، ولَه أنْ يُجيزَه.
فَلَو لَم يَعلَمْ زَوجُها بذلك إلَّا بعدَ أنْ طَلَّقَها فليسَ له فَسْخُه، والمَذهَبُ أنَّ الشَّريفةَ إذا أجَّرتْ نَفْسَها لِرَضاعِ وَلَدِ غَيرِها فالإجارةُ لَازِمةٌ لَها، لَيسَ لِأبيها فَسخُها، وقيلَ: له فَسخُها.
وإنْ أجَّرَتْ نَفْسَها بغَيرِ إذْنِه ولَم يَعلَمْ بذلك وهي في عِصمَتِه إلَّا بعدَ مدَّةٍ فأُجرةُ ما مَضَى تَكونُ لَها، ولا شَيءَ لِلزَّوجِ مِنه، ولَه فَسخُ الإجارةِ في المُستَقبَلِ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٩٢)، و «الاختيار» (٣/ ٧٠، ٧١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٤، ٣٦٦)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٧، ١٢٨)، و «العناية» (١٢/ ٤٠٠).
(٢) «مواهب الجليل» (٧/ ٤٠٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٥١، ٣٥٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٣).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الدابة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك
ــ
منح الجليل
فَصْل كِرَاء الدَّابَّة
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.
فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.