المسألة الأولى: إجارة دار لمن يتخذها كنيسة أو بيعة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الأولى: إجارة دار لمن يتخذها كنيسة أو بيعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

المسألة الأولى: إجارة دار لمن يتخذها كنيسة أو بيعة - الأقوال والأدلة

وفيه مَسائِلُ:

المَسألةُ الأُولَى: إجارةُ دارٍ لِمَنْ يَتَّخذُها كَنيسةً أو بَيْعةً:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ دارَه أو يَبيعَها لِنَصرَانِيٍّ أو يَهوديٍّ أو مَجوسيٍّ أو غَيرِهم، لكي يتَّخِذَها كَنيسةً أو بَيْعةً أو بَيتَ نارٍ، إذا كانَتْ دارُه في المِصرِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

لأنَّهم لا يُمكَّنونَ مِنْ ذلك في الأمصارِ؛ لِظُهورِ شَعائِرِ الإسلامِ؛ فلا يُعارَضُ بظُهورِ شَعائِرِ الكُفرِ.

ثم اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ له إجارَتُها لِذلك إذا كانَتْ في السَّوادِ أو لا يَجوزُ؟

فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلرجُلِ إجارةُ دارِه لِمَنْ يَتَّخِذُها كَنيسةً أو بَيْعةً أو بَيتَ نارٍ، سَواءٌ كانَ في الأمصارِ أو في القُرَى؛ لأنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ؛ فلَم تَجُزِ الإجارةُ عليه، كَإجارةِ عَبدِه لِلفُجورِ.

وَيُرَدُّ العَقدُ إنْ وَقَعَ؛ فإنْ فاتَ باستِيفاءِ المَنفَعةِ أو بَعضِها فالمَشهورُ عندَ المالِكيَّةِ أنَّه يَتصدَّقُ بجَميعِ الكِراءِ لِلفُقَراءِ وُجوبًا في الإجارةِ، وبِفاضِلِ الثَّمنِ عن ثَمنِ المِثلِ في البَيعِ، بأنْ يُقالَ: ماذا يُساوي ثَمنُ هذه الدَّارِ أو هذه الأرضِ لِمَنْ يَتَّخِذُها كَنيسةً أو خَمَّارةً مثلًا؟ فيُقالُ: خَمسةَ عَشَرَ. ثم يُقالُ: وماذا تُساوي لَو بِيعَتْ لِمَنْ لا يَتَّخِذُها كَنيسةً ولا خَمَّارةً؟ فيُقالُ: تُساوي عَشَرةً. فيُتصدَّقُ بالخَمسةِ الزَّائِدةِ، والفَرقُ بينَ الكِراءِ والبَيعِ أنَّه لَمَّا كانَ

يَعودُ لِلمُكري ما أكراه لَم يكُنْ عليه ضَرَرٌ كَثيرٌ؛ فلِذلك لَزِمَه التَّصدُّقُ بالكِراءِ جَميعِه، بخِلافِ البائِعِ؛ فإنَّه لا يَعودُ إليه ما باعَه، فلَو وجبَ عليه التَّصدُّقُ بالجَميعِ لَاشتَدَّ ضَرَرُه، والأرضُ كالدَّارِ مِنْ أنَّه يَتصدَّقُ بالكِراءِ، وقيلَ: يَتصدَّقُ مِنْ كِراءِ الأرضِ بالزَّائِدِ، كَما في البَيعِ، والفَرقُ على هذا أنَّ الدَّارَ لَمَّا كانَتْ لا يُنتفَعُ بها إلَّا بعدَ بِنائِها في الأغلَبِ، فكَأنَّ الدَّراهِمَ إنَّما وَقَعَتْ في مُقابَلةِ ذاتِ الأرضِ، وأمَّا الأرضُ فإنَّه يَنتفِعُ بها مِنْ غيرِ بِناءٍ؛ فالمَنفَعةُ فيها هي المَقصودةُ بالإجارةِ (١).

وقالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ إجارةُ بَيتٍ لِيَتَّخذَ بَيتَ نارٍ أو بَيْعةً أو كَنيسةً بالسَّوادِ، أي: بالقَريةِ، وإنَّما جازَ لأنَّ السَّوادَ في ذلك الوَقتِ كانَ لِأهلِ الذِّمةِ، فلا يُمنَعونَ مِنْ اتِّخاذِ الكَنائِسِ في أملاكِهم، فكَيفَ إذا استَأجَروه؟ ولأنَّه مَعنًى أقَرُّوا عليه بعَقدِ الإجارةِ، فجازَ استِئجارُ الدَّارِ لَه، أصْلُه: إذا اكتَروْها لِذَبائِحِهم.

وَلأنَّ الإجارةَ على مَنفَعةِ البَيتِ، ولِهَذا تَجِبُ الأُجرةُ بمُجرَّدِ التَّسليمِ، ولا مَعصيةَ فيهِ؛ وإنَّما المَعصيةُ بفِعلِ المُستَأجِرِ، وهو مُختارٌ فيه، فقَطعُ نِسبةِ

(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٢٣، ٤٢٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٦٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٨٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٧٠، ٥٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٢، ٢٣)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٤٩)، و «البيان» (٧/ ٢٩٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٧)، و «المغني» (٥/ ٣٢١)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٨)، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢٣٣، ٢٣٦)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢١٥).

ذلك إلى المُؤجِّرِ، وصارَ كَبَيعِ الجاريةِ لِمَنْ لا يَستَبرِئُها، أو يَأتيها في دُبُرِها، أو بَيعِ الغُلامِ مِمَّنْ يَلوطُ به، والدَّليلُ عليه أنَّه لَو أجَّرَه لِلسُّكنَى جازَ، ولا بدَّ فيه مِنْ عِبادَتِه، وإنَّما قَيَّدَه بالسَّوادِ؛ لأنَّهم لا يُمكَّنونَ مِنْ ذلك في الأمصارِ، ولا يُمكَّنونَ مِنْ إظهارِ بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ في الأمصارِ؛ لِظُهورِ شَعائرِ الإسلامِ؛ فلا يُعارَضُ بظُهورِ شَعائرِ الكُفرِ، قالوا في هَذا: سَوادُ الكُوفةِ؛ لأنَّ أغلَب أهلِها أهلُ ذِمَّةٍ، وأمَّا في غَيرِها فشَعائِرُ الإسلامِ ظاهِرةٌ؛ فلا يُمكَّنونَ فيها في الأصَحِّ.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولَو كانَتِ الدَّارُ بالسَّوادِ ذُكِرَ في الأصلِ أنَّه لا يُمنَعُ مِنْ ذلك، لَكِنْ قيلَ: إنَّ أبا حَنيفَةَ إنَّما أجازَ ذلك في زَمانِهِ؛ لأنَّ أكثَرَ أهلِ السَّوادِ في زَمانِه كانوا أهلَ الذِّمةِ مِنْ المَجوسِ، فكانَ لا يُؤدِّي ذلك إلى الإهانةِ، والِاستِخفافِ بالمُسلِمينَ.

وأمَّا اليَومَ فالحَمدُ للَّهِ ، فقَد صارَ السَّوادُ كالمِصرِ؛ فكانَ الحُكمُ فيه كالحُكمِ في المِصرِ، وهذا إذا لَم يُشرَطْ ذلك في العَقدِ؛ فأمَّا إذا شُرِطَ بأنِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ دارًا مِنْ مُسلِمٍ في مِصرٍ مِنْ أمصارِ المُسلِمينَ لِيَتَّخِذَها مُصَلًّى لِلعامَّةِ لَم تَجُزِ الإجارةُ؛ لأنَّه استِئجارٌ على المَعصيةِ، وكَذا لَوِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ لِيَفعَلَ ذلك؛ لِمَا قُلْنا (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٦)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣٠)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٥٣٣)، و «الدر المختار» (٦/ ٣٩٢)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٨٧)، والتجريد للقدوري (٧/ ٣٦٩٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة

لِلْكَلَأِ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ إنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي أَنْوَاع شَرَائِط رُكْنِ الْإِجَارَة

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ اللُّزُومِ أَمَّا شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَالْعَقْلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ عَاقِلًا حَتَّى لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مِنْهُمَا.

وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ وَلَا مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ عِنْدَنَا، حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ لَوْ أَجَرَ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ.

وَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ نَفْسَهُ وَعَمِلَ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ وَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ فَلِأَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ كَانَ نَظَرًا لَهُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ سَلِيمًا فِي النَّفَاذِ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يُهْدَرُ سَعْيُهُ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَانَ الْوَلِيُّ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْغَيْرِ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]

فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ

ــ

منح الجليل

فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.

وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 370 - 372

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله