الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الأولى: حكم استئجار الأشجار من أجل الثمر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةالمَسألةُ الأُولَى: حُكمُ استِئجارِ الأشجارِ مِنْ أجلِ الثَّمرِ: (١)
ذَهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ الأشجارِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ؛ لِاستِيفاءِ ثَمرِها؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وهو لا يَجوزُ، ولأنَّها أعيانٌ بِيعَتْ قبلَ الوُجودِ.
وَلأنَّ الثَّمرةَ عَينٌ لا يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، وإنَّما يُستحَقُّ بقَدْرِ الإجارةِ ممَّا لا يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، ولأنَّ مَحَلَّ الإجارةِ المَنفَعةُ، وهي عَرضٌ لا يَقومُ بنَفْسِه، ولا يُتصوَّرُ بَقاؤُها، والثَّمرةُ تَقومُ بنَفْسِها؛ كالشَّجرةِ، فكَما لا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَ الشَّجرةَ بعَقدِ الإجارةِ فكذلك الثَّمرةُ، ولأنَّ المُؤاجِرَ يَلتَزِمُ ما لا يَقدِرُ على إبقائِه، فرُبَّما تُصيبُ الثَّمرةَ آفَةٌ، وليسَ في وُسعِ البَشَرِ اتِّخاذُها، وكذلك ألبانُ الغَنَمِ وصُوفُها وسَمنُها ووَلَدُها، كلُّ ذلك عَينٌ يَجوزُ بَيعُه، فلا يُتَمَلَّكُ بعَقدِ الإجارةِ.
(١) و «الاختيار» (٣/ ١٠٠)، و «الأشباه والنظائر» (٢٦٩)، و «ابن عابدين» (٦/ ٢٩٢)، و «الهندية» (٤/ ٤٤٢)، و «كفاية الطالب الرباني» (٢/ ٢٤٧)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٩٦)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٩١)، و «الوسيط» (٤/ ١٥٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٩، ١٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٤)، و «المغني» (٥/ ٣١٧، ٣١٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٢)، و «المبدع» (٥/ ٥٧، ٧٧)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٨٢)، و «الفروع» (٤/ ٣١٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٦٥٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٦)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٠٣) ..
قالَ ابنُ مُفلِحٍ والمَرداويُّ: لا تَجوزُ إجارةُ أرضٍ وفيها شَجرٌ، قالَ أحمَدُ: أخافُ أنَّه استَأجَرَ شَجرًا لَم يُثمِرْ، وذكرَ أبو عُبَيدٍ تَحريمَه إجماعًا (١).
وذَهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ والسُّبكيُّ مِنْ الشَّافعيَّةِ إلى أنَّه يَصحُّ استِئجارُ الشَّجرِ مِنْ أجْلِ الثَّمرةِ، واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه «أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيرٍ ماتَ وعليه دَينٌ أربَعةُ آلافِ دِرهَمٍ، فبِيعتْ أرضُه؛ فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: لا أترُكُ بَني أخي عالةً. فرَدَّ الأرضَ وباعَ ثَمرَها مِنْ الغُرماءِ أربَعَ سِنينَ بأربَعةِ آلافٍ، كلُّ سَنَةٍ بالفٍ» (٢).
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: المِثالُ الثَّاني عَشَرَ: لا تَجوزُ إجارةُ الأشجارِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها الفَواكِهُ، وذلك بمَنزِلةِ بَيعِها قبلَ بُدُوِّها.
قالوا: والحِيلةُ في جَوازِهِ: أنْ يُؤجِّرَه الأرضَ ويُساقِيَه على الشَّجرِ بجُزءٍ مَعلومٍ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ رحمة الله عليه: وهذا لا يُحتاجُ إلَيه، بَلِ الصَّوابُ جَوازُ إجارةِ الشَّجرِ، كَما فعلَ عُمرُ بن الخطَّابِ بحَديقةِ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ؛ فإنَّه آجَرَها سِنينَ وقَضَى بها دَيْنَه.
(١) «المبدع» (٥/ ٥٧)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٨٢)، و «المبسوط» (١٦// ٣٣)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٥)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٠)، و «الأشباه والنظائر» (٢٦٩)، و «ابن عابدين» (٦/ ٢٩٢)، و «الهندية» (٤/ ٤٤٢)، و «كفاية الطالب الرباني» (٢/ ٢٤٧)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٩٦)، و «الوسيط» (٤/ ١٥٨)، و «البيان» (٧/ ٢٩٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٤)، و «الفروع» (٤/ ٣١٤).
(٢) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٩/ ٩٤).
قالَ: وإجارةُ الأرضِ لِأجلِ ثَمرِها بمَنزِلةِ إجارةِ الأرضِ لِمَغْلِها؛ فإنَّ المُستَأجِرَ يَقومُ على الشَّجرِ بالسَّقْيِ والإصلاحِ والذِّيارِ في الكَرْمِ حتى تَحصُلَ الثَّمرةُ، كَما يَقومُ على الأرضِ بالحَرْثِ والسَّقْيِ والبَذْرِ حتى يَحصُلَ المَغْلُ؛ فثَمرةُ الشَّجرِ تَجري مَجرَى مَغْلِ الأرضِ.
فَإنْ قيلَ: الفَرقُ بينَ المَسألَتَيْنِ: أنَّ المَغْلَ مِنْ البَذْرِ، وهو مِلْكُ المُستَأجِرِ، وأنَّ المَعقودَ عليه الِانتِفاعُ بإيداعِه في الأرضِ، وسَقْيُه والقيامُ عليه، بخِلافِ استِئجارِ الشَّجرِ؛ فإنَّ الثَّمرةَ مِنْ الشَّجرةِ، وهي مِلْكُ المُؤجِّرِ.
والجَوابُ مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هذا لا تَأثيرَ له في صِحَّةِ العَقدِ وبُطلانِه، وإنَّما هو فَرقٌ عَديمُ التَّأثيرِ.
الثَّاني: أنَّ هذا يَبطُلُ باستِئجارِ الأرضِ لِكَلَئِها، وعُشبِها، ممَّا يُنبِتُه اللَّهُ بدُونِ بَذْرٍ مِنْ المُستَأجِرِ، فهو نَظيرُ ثَمرةِ الشَّجرةِ.
الثَّالث: أنَّ الثَّمرةَ إنَّما حَصَلَتْ بالسَّقْيِ والخِدمةِ والقيامِ على الشَّجرةِ، فهي مُتوَلَّدةٌ مِنْ عَملِ المُستَأجِرِ، ومِنَ الشَّجرةِ، فلِلمُستَأجِرِ سَعيٌ وعَملٌ في حُصولِها.
الرَّابِعُ: أنَّ تَوَلُّدَ الزَّرعِ لَيسَ مِنْ البَذْرِ وَحدَه، بَلْ مِنْ البَذْرِ والتُّرابِ والماءِ والهَواءِ، فحُصولُ الزَّرعِ مِنْ التُّرابِ الذي هو مِلْكُ المُؤجِّرِ؛ كَحُصولِ الثَّمرةِ مِنْ الشَّجرةِ، والبَذْرُ في الأرضِ قائِمٌ مَقامَ السَّقيِ لِلشَّجرةِ؛ فهذا أودَعَ في أرضِ المُؤجِّرِ عَينًا جامِدةً، وهذا أودَعَ في شَجرةٍ عَينًا مائِعةً، ثم
حَصَلَتِ الثَّمرةُ مِنْ أصْلِ هَذا، وماءِ المُستَأجِرِ وعَملِه، كَما حَصَلَ العَملُ من أرضِ هذا وبَذْرِ المُستَأجِرِ وعَملِه، وهذا مِنْ أصَحِّ القِياسِ على وَجْهِ الأرضِ.
وَبِه يَتبيَّنُ أنَّ الصَّحابةَ أفقَهُ الأُمَّةِ وأعلَمُهم بالمَعاني المُؤثِّرةِ في الأحكامِ، ولَم يُنكِرْ أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ على عُمرَ؛ فهو إجماعٌ مِنهم (١).
وقالَ رحمة الله عليه في «الزَّادِ»: أمَّا مَنعُ كَونِ عَقدِ الإجارةِ لا يَرِدُ إلَّا على مَنفَعةٍ؛ فإنَّ هذا ليس ثابِتًا بالكِتابِ ولا بالسُّنةِ ولا بالإجماعِ، بلِ الثابِتُ عن الصَّحابةِ خِلافُه، كما صَحَّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قبلَ حَديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيْرٍ ثَلاثَ سِنينَ، وأخَذَ الأُجرةَ فقَضَى بها دَيْنَه، والحَديقةُ هي النَّخلُ؛ فهذه إجارةُ الشَّجرِ؛ لِأخْذِ ثَمرِها، وهو مَذهَبُ أميرِ المُؤمِنينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، ولا يُعلَمُ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، واختارَه أبو الوَفاءِ بنُ عَقيلٍ مِنْ أصحابِ أحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِنا (٢).
وقالَ أيضًا: فإنَّه لا فَرقَ في القِياسِ بينَ إجارةِ الأرضِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى تُنبِتَ، وبَينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى يَطلُعَ؛ كِلاهما في القِياسِ سَواءٌ … والفَرقُ بينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَخدُمُها ويَقومُ عليها حتى تُثمِرَ، وبَينَ بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ العَقدَ هُنا وقعَ على بَيْعِ عَينٍ، وفي الإجارةِ وقعَ على مَنفَعةٍ،
(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧، ٨)، و «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٦١).
(٢) «زاد المعاد» (٥/ ٥٢٨).
وإنْ كانَ المَقصودُ مِنها العَينَ فهذا لا يَضُرُّ، كَما أنَّ المَقصودَ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ المُستَأجَرةِ لِلزِّراعةِ العَينُ.
الثَّاني: أنَّ المُستَأجِرَ يَتسلَّمُ الشَّجرَ فيَخدُمُه ويَقومُ عليه كَما يَتسلَّمُ الأرضَ، وفي البَيعِ البائِعُ هو الذي يَقومُ على الشَّجرِ ويَخدُمُه، وليسَ لِلمُشتَري الِانتِفاعُ بظِلِّه، ولا رُؤيَتُه، ولا نَشرُ الثِّيابِ عليه؛ فأينَ أحَدُ الرَّأيَيْنِ مِنْ الآخَرِ.
الثَّالث: أنَّ إجارةَ الشَّجرِ عَقدٌ على عَينٍ مَوجودةٍ مَعلومةٍ؛ لِيَنتفِعَ بها في سائِرِ وُجوهِ الِانتِفاعِ، وتَدخُلُ الثَّمرةُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ، كَما قُلتُم في نَفعِ البِئرِ ولَبنِ الظِّئرِ أنَّه يَدخُلُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ.
وأمَّا البَيعُ فعَقدٌ على عَينٍ لَم تُخلَقْ بَعدُ؛ فهذا لَونٌ، وهذا لَونٌ.
وَسِرُّ المَسألةِ: أنَّ الشَّجرَ كالأرضِ، وخِدمَتُه والقِيامُ عليه كَشَقِّ الأرضِ وخِدمَتِها والقِيامِ عليها، ومَغلُ الزَّرعِ كَمَغلِ الثَّمرِ؛ فإنْ كانَ في الدُّنيا قِياسٌ صَحيحٌ فهذا مِنه (١).
وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: أمَّا الإجارةُ فيَنبَغي أنْ يَجوزَ فيها كما يَستأجِرُ الأرضَ لِيَزرَعَها، تُستَأجَرُ الشَّجرُ لِثَمرِها، لا أجِدُ فَرقًا بَينَهما، ولا دَليلًا على بُطلانِهما، وليس في كَلامِ أبي عُبَيدٍ تَصريحٌ بمَنعِ إجارةِ الأشجارِ، ولا لِجَوازِها، واللهُ أعلَمُ (٢).
(١) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٢٦٢، ٢٦٤).
(٢) «فتاوى السبكي» (٤٢٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم بجزء معلوم، يجعل للعام
٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ: (وتَجُوزُ الْمُسَاقاةُ فِي النَّخْلِ والشَّجَرِ والكَرْمِ بجُزْءٍ مَعْلُومٍ، يُجْعَلُ للعامِلِ مِنَ الثَّمَرِ)
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.