الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الثالثة: استئجار المسلم لبناء كنيسة ونحوها أو العمل فيها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةمَعنًى أقَرُّوا عليه، فجازَ استِئجارُ الدَّارِ لَه. أصْلُهُ: إذا اكتَروْها لِذَبائِحِهم.
وَلأنَّ الإجارةَ وارِدةٌ على مَنفَعةِ البَيتِ، ولا مَعصيةَ فيه، وإنَّما مَعصيتُه بفِعلِ المُستَأجِرِ، وهو فِعلُ الفاعِلِ المُختارِ، فقَطَعَ نِسبَتَه مِنه؛ كَبَيعِ الجاريةِ لِمَنْ لا يَستَبرِئُها أو يَأتيها مِنْ دُبُرِها.
وَإنَّما قَيَّدَه بالسَّوادِ؛ لأنَّهم لا يُمكَّنونَ مِنْ إظهارِ بَيعِ الخُمورِ والخَنازيرِ في الأمصارِ؛ لِظُهورِ شَعائِرِ الإسلامِ فيها، بخِلافِ السَّوادِ، قال فُقهاءُ الحَنفيَّةِ: هذا كانَ في سَوادِ الكُوفةِ؛ لأنَّ أغلَب أهلِها أهلُ الذِّمةِ، فأمَّا في سَوادِنا فأعلامُ الإسلامِ فيها ظاهِرةٌ، فلا يُمكَّنونَ فيها أيضًا، وهو الأصَحُّ (١).
المَسألةُ الثالِثةُ: استِئجارُ المُسلِمِ لِبِناءِ كَنيسةٍ ونَحوِها، أوِ العَملِ فيها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ عَملِ المُسلِمِ في الكَنيسةِ لِيَبنِيَها أو يَعمُرَها أو يَكنُسَها، ونَحوِ ذلك، هَلْ يَجوزُ له أو لا؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَعمَلَ لِأهلِ الذِّمةِ في الكَنيسةِ نَجَّارًا أو بَنَّاءً أو غيرَ ذلك؛ لأنَّ في هذا إعانةً على المَعصيةِ، ومِن خَصائِصِ دِينِهمُ الباطِلِ، ولأنَّه إجارةٌ تَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِهم.
قالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ استِئجارُ المُسلِمِ لِبِناءِ كَنيسةٍ، أو يُؤاجِرُ نَفْسَه
(١) «الهداية» (٤/ ٩٤)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣٠)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٥٣٣)، و «الدر المختار» (٦/ ٣٩٢)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٨٧)، و «التجريد» للقُدوري (٧/ ٣٦٩٢).
لِكَنسِ كَنيسةٍ، أو نَحوِ ذلك، أو لِيَرعَى الخَنازيرَ، أو لِيَعصِرَ له خَمْرًا، ويُؤَدَّبُ المُسلِمُ، إلَّا أنْ يُعذَرَ بجَهالةٍ، وإنْ عُثِرَ عليها قبلَ العَملِ فُسِخَتْ، وإنْ فاتَتْ بالعَملِ؛ فإنَّ الأُجرةَ تُؤخَذُ مِنْ الكافِرِ، ويُتَصَدَّقُ بها على الفُقَراءِ؛ أدَبًا لِلمُسلِمِ، إلَّا أنْ يُعذَرَ لِأجْلِ جَهلٍ ونَحوِهِ؛ فإنَّها لا تُؤخَذُ مِنه (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: لا يَصحُّ استِئجارُ المُسلِمِ لِبِناءِ كَنيسةٍ ونَحوِها؛ لِحُرمةِ بِنائِها، وإنْ أُقِرَّ عليها، ولا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَعمَلَ بَنَّاءً أو نَجَّارًا أو غَيرَهما في كَنائِسِهم التي لِصَلَواتِهم (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وتَلخيصُ مَذهبِه (أي: الإمامِ أحمدَ): أنَّ إجارةَ المُسلِمِ نَفْسَه لِلذِّميِّ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحَدُها: إجارةٌ على عَملٍ في الذِّمةِ، فهذه جائِزةٌ.
الثَّاني: إجارةٌ لِلخِدمةِ، فهذه فيها رِوايَتانِ مَنصوصَتانِ أصَحُّهما المَنْعُ مِنها.
الثَّالث: إجارةُ عَينِه منه لِغَيرِ الخِدمةِ، فهذه جائِزةٌ، وقَد آجَرَ عَلِيٌّ رضي الله عنه نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَستَقي لَه: كلُّ دَلوٍ بتَمرةٍ، وأكَلَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ ذلك التَّمرِ.
(١) «المدونة» (١١/ ٤٣٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٤)، و «البيان والتحصيل» (٥/ ١٥٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٦١)، و «الذخيرة» (٥/ ٣٩٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٧)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٩٨).
(٢) «الأم» (٤/ ٢١٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٣٥)، و «حاشية عميرة» (٣/ ١٧١).
هَذا كلُّه إذا كانَ الإيجارُ لِعَملٍ لا يَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِه، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ يَتضمَّنُ ذلك لَم يَجُزْ -كَما نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقَد سَألَه رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أبْني ناووسًا لِلمَجوسِ؟ فقالَ: لا تَبْنِ لَهُمْ.
وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في كِتابِ «الجِزيةِ مِنْ الأُمِّ»: وأكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يَعمَلَ بِنَاءً أو نِجارةً أو غيرَ ذلك في كَنائِسِهمُ التي لِصَلاتِهم.
وقالَ أبو الحَسَنِ الآمِديُّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِعَملِ ناووسٍ ونَحوِه، رِوايةً واحِدةً (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا مَذهَبُ أحمدَ في الإجارةِ لِعَملِ ناووسٍ ونَحوِه فقالَ الآمِدِيُّ: لا يَجوزُ، رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّ المَنفَعةَ المَعقودَ عليها مُحرَّمةٌ، وكذلك الإجارةُ لِبِناءِ كَنيسةٍ أو بَيْعةٍ أو صَومَعةٍ، كالإجارةِ لِكَتْبِ كُتُبِهمُ المُحرَّفةِ (٢).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا آجَرَ المُسلِمُ نَفْسَه مِنْ ذِمِّيٍّ لِيَعصِرَ له فيَتَّخِذَ خَمرًا فهو مَكروهٌ، ولو آجَرَ نَفْسَه لِيَعمَلَ في الكَنيسةِ ويَعمُرَها فلا بَأْسَ به؛ إذْ ليس في نَفْسِ العَملِ مَعصيةٌ (٣).
(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٤٤).
(٣) «الهداية» (٤/ ٩٤)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣١)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٢٢١)، و «ابن عابدين» (٦/ ٣٩١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة
لِلْكَلَأِ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ إنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي أَنْوَاع شَرَائِط رُكْنِ الْإِجَارَة
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ اللُّزُومِ أَمَّا شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ.
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَالْعَقْلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ عَاقِلًا حَتَّى لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ وَلَا مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ عِنْدَنَا، حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ لَوْ أَجَرَ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ.
وَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ نَفْسَهُ وَعَمِلَ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ وَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ فَلِأَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ كَانَ نَظَرًا لَهُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ سَلِيمًا فِي النَّفَاذِ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يُهْدَرُ سَعْيُهُ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَانَ الْوَلِيُّ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْغَيْرِ.
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.