الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الثانية: أخذ الأجرة على قراءة القرآن على الميت أو غيره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةالمَنهيَّاتِ بينَ المُحتاجِ وغَيرِه، كَما في المَأْموراتِ، ولِهَذا أُبيحَتِ المُحرَّماتُ عندَ الضَّرورةِ، لاسيِّما إذا قُدِّرَ أنَّه يَعدِلُ عن ذلك إلى سُؤالِ النَّاسِ، فالمَسألةُ أشَدُّ تَحريمًا، ولِهَذا قالَ العُلماءُ: يَجِبُ أداءُ الواجِباتِ وإنْ لَم تَحصُلْ إلَّا بالشُّبَهاتِ، كَما ذكرَ أبو طالِبٍ، وأبو حامِدٍ أنَّ الإمامَ أحمدَ سَألَه رَجُلٌ، قالَ: إنَّ ابنًا لي ماتَ وعليه دَيْنٌ، ولَه دُيونٌ أكرَهُ تَقاضيَها، فقالَ له الإمامُ أحمَدُ: أتَدَعُ ذِمَّةَ ابنِكَ مُرتَهَنةً؟ يَقولُ: قَضاءُ الدَّيْنِ واجِبٌ، وتَرْكُ الشُّبهةِ لِأداءِ الواجِبِ هو المَأْمورُ به.
وَلِهَذا اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّه يَرزُقُه الحاكِمُ وأمثالُه عندَ الحاجةِ، وتَنازَعوا في الرِّزقِ عندَ عَدَمِ الحاجةِ، وأصْلُ ذلك في كِتابِ اللَّهِ في قَولِه ﷾ في وَلِيِّ اليَتيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فهكذا يُقالُ في نَظائِرِ هذا؛ إذِ الشَّريعةُ مَبناها على تَحصيلِ المَصالِحِ وتَكميلِها وتَعطيلِ المَفاسِدِ وتَقليلِها، والوَرعُ تَرجيحُ خَيرِ الخَيرَيْنِ بتَفويتِ أدناهما، ودَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ، وإنْ حَصَلَ أدناهما (١).
المَسألةُ الثَّانيةُ: أخْذُ الأُجرةِ على قِراءةِ القُرآنِ على المَيِّتِ أو غَيرِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ الاستِئجارِ على قِراءةِ القُرآنِ سَواءٌ كانَ عندَ القَبرِ أو غَيرِه، هل يَجوزُ أو لا؟
فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ وحَكاه ابنُ تَيميَّةَ عن الأئِمَّةِ أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على مُجرَّدِ التِّلاوةِ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٣).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: القِراءةُ على الجَنائِزِ مَكروهةٌ في المَذاهبِ الأربَعةِ، وأخْذُ الأُجرةِ عليها أعظَمُ كَراهةً؛ فإنَّ الاستِئجارَ على التِّلاوةِ لَم يُرَخِّصْ فيه أحَدٌ مِنْ العُلماءِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ أيضًا: ولا يَصحُّ الِاستِئجارُ على القِراءةِ ولا يَصحُّ إهداؤها إلى المَيِّتِ؛ لأنَّه لَم يُنقَلْ عن أحَدٍ مِنْ الأئِمَّةِ الإذْنُ في ذلك، وقَد قالَ العُلماءُ: إنَّ القارِئَ إذا قَرَأَ لِأجْلِ المالِ فلا ثَوابَ لَه، فأيُّ شَيءٍ يُهدَى إلى المَيِّتِ؟ وإنَّما يَصِلُ إلى المَيِّتِ العَملُ الصَّالِحُ، والِاستِئجارُ على مُجرَّدِ التِّلاوةِ لَم يَقُلْ به أحَدٌ مِنْ الأئِمَّةِ، وإنَّما تَنازَعوا في الِاستِئجارِ على التَّعليمِ، ولا بَأْسَ بجَوازِ أخْذِ الأُجرةِ على الرُّقيةِ، ونَصَّ عليه أحمَدُ (٢).
أمَّا مَذهَبُ الحَنفيَّةِ فقالَ الحَدَّادُ رحمة الله عليه في الجَوهَرةِ: واختَلفوا في الاستِئجارِ على قِراءةِ القُرآنِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً: قالَ بَعضُهم: لا يَجوزُ، وقالَ بَعضُهم: يَجوزُ، وهو المُختارُ (٣).
قالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه بعدَ هذا الكَلامِ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: على تَعليمِ القُرآنِ، فإنَّ الخِلافَ فيه كَما عَلِمتَ، لا في القِراءةِ المُجرَّدةِ؛ فإنَّه لا ضَرورةَ فيها؛ فإنْ كانَ ما في الجَوهَرةِ سَبْقَ قَلَمٍ فلا كَلامَ، وإنْ كانَ عن عَمدٍ فهو مُخالِفٌ لِكَلامِهم قاطِبةً فلا يُقبَلُ، وقَد أطنَبَ في رَدِّه صاحِبُ
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٦٤).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٩١، ٤٩٢)، ويُنْظر: «الإنصاف» (٦/ ٤٦)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٣٨).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٢).
تَبيينِ المَحارِمِ مُستَنِدًا إلى النُّقولِ الصَّريحةِ، فمِن جُملةِ كَلامِه: قالَ تاجُ الشَّريعةِ في شَرحِ الهِدايةِ: إنَّ القُرآنَ بالأُجرةِ لا يَستَحقُّ الثَّوابَ، لا لِلمَيِّتِ ولا لِلقارِئِ.
وقالَ العَينيُّ رحمة الله عليه في «شَرحِ الهِدايةِ»: ويُمنَعُ القارِئُ لِلدُّنيا، والآخِذُ والمُعطي آثِمانِ.
فالحاصِلُ أنَّ ما شاعَ في زَمانِنا مِنْ قِراءةِ الأجزاءِ بالأُجرةِ لا يَجوزُ؛ لأنَّ فيه الأمْرَ بالقِراءةِ وإعطاءَ الثَّوابِ لِلآمِرِ، والقِراءةَ لِأجْلِ المالِ، فإذا لَم يكُنْ لِلقارِئِ ثَوابٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الصَّحيحةِ، فأينَ يَصِلُ الثَّوابُ إلى المُستَأجِرِ؟ ولَولَا الأُجرةُ ما قَرَأَ أحَدٌ لِأحَدٍ في هذا الزَّمانِ، بَلْ جَعَلوا القُرآنَ العَظيمَ مَكسَبًا ووَسيلةً إلى جَمعِ الدُّنيا، إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ. اه.
وقد اغتَر بما في الجَوهَرةِ صاحِبُ البَحرِ في كِتابِ الوَقفِ، وتَبِعَه الشَّارِحُ في كِتابِ الوَصايا، حَيثُ يُشعِرُ كَلامُهما بجَوازِ الِاستِئجارِ على كلِّ الطَّاعاتِ، ومِنها القِراءةُ، وقَد رَدَّه الشَّيخُ خَيرُ الدِّينِ الرَّمليُّ في حاشيةِ البَحرِ في كِتابِ الوَقفِ، حَيثُ قالَ: أقولُ: المُفتَى به جَوازُ الأخْذِ استِسحانًا على تَعليمِ القُرآنِ، لا على القِراءةِ المُجرَّدةِ، كَما صَرَّحَ به في التَّاتَرْخانيةِ حَيثُ قالَ: لا مَعنَى لِهَذِه الوَصيَّةِ، ولِصِلةِ القارِئِ بقِراءَتِه؛ لأنَّ هذا بمَنزِلةِ أُجرةٍ، والإجارةُ في ذلك باطِلةٌ، وهي بِدعةٌ، ولَم يَفعَلْها أحَدٌ مِنْ الخُلَفاءِ، وقَد ذَكَرْنا مَسألةَ تَعليمِ القُرآنِ على استِسحانٍ. اه، يَعني لِلضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ في الِاستِئجارِ على القِراءةِ على القَبرِ.
وعِندَ الزَّيلَعيِّ وَفي كَثيرٍ مِنْ الكُتُبِ: لَو لَم يُفتَحْ لَهم بابُ التَّعليمِ بالأجْرِ؛ لَذَهَبَ القُرآنُ، فأفتَوْا بجَوازِه، ورَأَوْه حَسَنًا، فتَنَبَّهْ. انتَهَى كَلامُ الرَّمليِّ.
وَما في التاتَرْخانيةِ فيه رَدٌّ على مَنْ قالَ: لَو أوصَى لِقارِئٍ يَقرَأُ على قَبرِه بكَذا فَيَنبَغي أنْ يَجوزَ على وَجْهِ الصِّلةِ دونَ الأجْرِ، ومِمَّن صَرَّحَ ببُطلانِ هذه الوَصيَّةِ صاحِبُ الوَلوَالِجِيَّةِ، والمُحيطِ، والبَزَّازِيَّةِ، وفيه رَدٌّ أيضًا على صاحِبِ البَحرِ؛ حَيثُ عَلَّلَ البُطَلانَ بأنَّه مَبنيٌّ على القَولِ بكَراهةِ القُرآنِ على القَبرِ، وليسَ كذلك، بَلْ لِما فيه مِنْ شَبَهِ الِاستِئجارِ على القِراءةِ، كَما عَلِمتَ، وصَرَّحَ به في الِاختيارِ وغَيرِه، ولِذا قالَ في الوَلوالِجِيَّة ما نَصُّهُ: ولَو زارَ قَبْرَ صَديقٍ أو قَريبٍ لَه، وقَرَأَ عِندَه شَيئًا مِنْ القُرآنِ، فهو حَسَنٌ، أمَّا الوَصِيَّةُ بذلك فلا مَعنَى لَها، ولا مَعنَى أيضًا لِصِلةِ القارِئِ؛ لأنَّ ذلك يُشبِهُ استِئجارَه على قِراءةِ القُرآنِ، وذلك باطِلٌ، ولَم يَفعَلْ ذلك أحَدٌ مِنْ الخُلَفاءِ. اه.
لَو كانَتِ العِلَّةُ ما قالَه لَم يَصحَّ قولُه هُنا، فهو حَسَنٌ، ومِمَّن أفتَى ببُطلانِ هذه الوَصيَّةِ الخَيرُ الرَّمليُّ، كَما هو مَبسوطٌ في وَصايا فَتاوَاه؛ فراجِعْها.
وَنقلَ العَلَّامة الحَلوانيُّ -في حاشيةِ المُنتهى- عن شَيخِ الإسلامِ تَقيِّ الدِّينِ ما نَصُّهُ: ولا يَصحُّ الِاستِئجارُ على القِراءةِ وإهدائِها إلى المَيِّتِ؛ لأنَّه لَم يُنقَلْ عن أحَدٍ مِنْ الأئِمَّةِ الإذْنُ في ذلك.
وقد قالَ العُلماءُ: إنَّ القارِئَ إذا قَرَأ لِأجْلِ المالِ فلا ثَوابَ لَه، فأيُّ شَيءٍ يُهديهِ إلى المَيِّتِ؟ وإنَّما يَصِلُ إلى المَيِّتِ العَملُ الصَّالِحُ، والِاستِئجارُ
على مُجرَّدِ التِّلاوةِ لَم يَقُلْ به أحَدٌ مِنْ الأئِمَّةِ وإنَّما تَنازَعوا في الِاستِئجارِ لِلتَّعليمِ. انتَهَى بحُروفِه.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بذلك أيضًا الإمامُ البِرْكَويُّ في آخِرِ الطَّريقةِ المُحمَّديةِ، فقالَ: الفَصلُ الثَّالث في أُمورٍ مُبتَدَعةٍ باطِلةٍ أكَبَّ النَّاسُ عليها على ظَنٍّ أنَّها قُرَبٌ مَقصودةٌ … ومِنها الوَصيَّةُ مِنْ المَيِّتِ باتِّخاذِ الطَّعامِ والضِّيافةِ يَومَ مَوتِه أو بَعدَه، وبِإعطاءِ دَراهِمَ لِمَنْ يَتْلو القُرآنَ لِرُوحِه، أو يُسَبِّحُ أو يُهَلِّلُ لَه، وكلُّها بِدَعٌ مُنكَراتٌ باطِلةٌ، والمَأخوذُ مِنها حَرامٌ لِلآخِذِ، وهو عاصٍ بالتِّلاوةِ والذِّكرِ لِأجْلِ الدُّنيا. اه، مُلَخَّصًا، وذُكِرَ أنَّ له فيها أربَعَ مَسائِلَ.
فَإذا عَلِمتَ ذلك ظَهرَ لَكَ حَقيقةُ ما قُلناه، وأنَّ خِلافَه خارِجٌ عن المَذهبِ وعَما أفتَى به البَلْخِيُّونَ، وما أطبَقَ عليه أئِمَّتُنا مُتونًا وشُروحًا وفَتاوَى، ولا يُنْكِرُ ذلك إلَّا غِمْرٌ مُكابِرٌ، أو جاهِلٌ لا يَفهَمُ كَلامَ الأكابِرِ، وما استَدَلَّ به بَعضُ المُحَشِّينَ على الجَوازِ بحَديثِ البُخاريِّ في اللَّديغِ فهو خَطَأٌ؛ لأنَّ المُتقدِّمينَ المانِعينَ الِاستِئجارَ مُطلَقًا جَوَّزوا الرُّقيةَ بالأُجرةِ، ولَو بالقُرآنِ، كَما ذكرَه الطَّحاويُّ؛ لأنَّها لَيسَتْ عِبادةً مَحضةً، بَلْ مِنْ التَّداوي.
وَما نُقِلَ عن بَعضِ الهَوامِشِ وعُزِّيَ إلى الحاوي الزَّاهِديِّ مِنْ أنَّه لا يَجوزُ الِاستِئجارُ على الخَتْمِ بأقَلَّ مِنْ خَمسةٍ وأربَعينَ دِرهَمًا فخارِجٌ عَما اتَّفقَ عليه أهلُ المَذهبِ قاطِبةً.
وَحينئذٍ ظَهرَ لَكَ بُطلانُ ما أكَبَّ عليه أهلُ العَصرِ مِنْ الوَصيَّةِ بالخَتماتِ والتَّهاليلِ مع قَطعِ النَّظَرِ عَما يَحصُلُ فيها مِنْ المُنكَراتِ التي لا يُنكِرُها إلَّا
مَنْ طُمِسَتْ بَصيرَتُه، وقَد جَمَعتُ فيها رِسالةً سَمَّيتُها: (شِفاءُ العَليلِ وبَلُّ الغَليلِ في حُكمِ الوَصيَّةِ بالخَتماتِ والتَّهاليلِ)، وأتَيتُ فيها بالعَجَبِ العُجابِ لِذَوي الألبابِ، وما ذَكَرتُه هُنا بالنِّسبةِ إلَيها كَقَطرةٍ مِنْ بَحرٍ، أو شَذَرةٍ مِنْ عِقدِ نَحْرٍ، وأطلَعتُ عليها مُحْشِيَ هذا الكِتابِ فَقيهَ عَصرِه ووَحيدَ دَهرِه السَّيِّدَ أحمَد الطَّحاوي، مُفتي مِصرَ سابِقًا، فكَتَبَ عليها وأثْنَى الثَّناءَ الجَميلَ؛ فاللَّهُ يَجزِيهِ الخَيرَ الجَزيلَ، وكَتَبَ عليها غَيرُه مِنْ فُقهاءِ العَصرِ (١).
وقالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه في «الفَتاوَى الحامِديَّةِ»: ولا شَكَّ أنَّ التِّلاوةَ المُجرَّدةَ عن التَّعليمِ مِنْ أعظَمِ الطَّاعاتِ التي يُطلَبُ بها الثَّوابُ، فلا يَصحُّ الِاستِئجارُ عليها؛ لأنَّ الِاستِئجارَ بَيعُ المَنافِعِ، وليسَ لِلتَّالي مَنفَعةٌ سِوَى الثَّوابِ، ولا يَصحُّ بَيعُ الثَّوابِ، ولأنَّ الأُجرةَ لا تُستحَقُّ إلَّا بعدَ حُصولِ المَنفَعةِ لِلمُستَأجِرِ، ولأنَّ الثَّوابَ غيرُ مَعلومٍ، فمَنِ استَأجَرَ رَجُلًا لِيَختِمَ له خَتمةً ويُهديَ ثَوابَها إلى رُوحِه، أو رُوحِ أحَدٍ مِنْ أمواتِه، لَم يُعلَمْ حُصولُ الثَّوابِ له حتى يَلزَمه دَفعُ الأُجرةِ؛ ولَو عُلِمَ حُصولُه لِلتَّالي لَم يَصحَّ بَيعُه بالأُجرةِ، فكَيفَ وهو غيرُ مَعلومٍ؟ بَلِ الظَّاهِرُ العِلمُ بعَدَمِ حُصولِهِ؛ لأنَّ شَرطَ الثَّوابِ الإخلاصُ لِلَّهِ تَعالى في العَملِ، والقارِئُ بالأُجرةِ إنَّما يَقرَأُ لِأجْلِ الدُّنيا، لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، بدَليلِ أنَّه لَو عَلِمَ أنَّ المُستَأجِرَ لا يَدفَعُ له شَيئًا لا يَقرَأُ له حَرفًا واحِدًا، خُصوصًا مَنْ جعلَ ذلك حِرفَتَه، ولِذا قالَ تاجُ الشَّريعةِ في شَرحِ الهِدايةِ: إنَّ قارِئَ القُرآنِ بالأُجرةِ لا يَستَحقُّ الثَّوابَ، لا لِلمَيِّتِ ولا لِلقارِئِ.
(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٦، ٥٧).
وقالَ العَينيُّ رحمة الله عليه في «شَرحِ الهِدايةِ» -مُعْزِيًا لِلواقِعاتِ-: ويُمنَعُ القارِئُ لِلدُّنيا، والآخِذُ والمُعطي آثِمانِ.
وقالَ في الاختِيار، ومَجمَعِ الفَتاوَى: وأخْذُ شَيءٍ لِلقُرآنِ لا يَجوزُ؛ لأنَّه كالأُجرةِ.
وقالَ في الوَلوالِجِيَّة: ولَو زَارَ قَبْرَ صَديقٍ أو قَريبٍ لَه، وقَرَأ عِندَه شَيئًا مِنْ القُرآنِ، فهو حَسَنٌ، أمَّا الوَصيَّةُ بذلك فلا مَعنَى لَها، ولا مَعنَى أيضًا لِصِلةِ القارِئِ؛ لأنَّ ذلك يُشبِهُ استِئجارَه على قِراءةِ القُرآنِ، وذلك باطِلٌ، ولَم يَفعَلْ ذلك أحَدٌ مِنْ الخُلَفاءِ. اه.
وَرأيتُ التَّصريحَ ببُطلانِ الوَصيَّةِ بذلك في عِدَّةِ كُتُبٍ، وعُزِيَ في بَعضِ الكُتُبِ إلى مُحيطِ السَّرخَسيِّ، والمُحيطِ البُرهانيِّ، والخُلاصَةِ، والبَزَّازِيَّةِ؛ فإذا كانَتِ الوَصيَّةُ لِلقارِئِ لِأجْلِ قِراءَتِه باطِلةً؛ لأنَّها تُشبِهُ الِاستِئجارَ على التِّلاوةِ، فالإجارةُ الحَقيقيةُ تَكونُ باطِلةً بالأَوْلَى، فهذه نُصوصُ المَذهبِ مِنْ مُتونٍ وشُروحٍ وفَتاوَى مُتفِقةٍ على بُطلانِ الِاستِئجارِ على الطَّاعاتِ، ومِنها التِّلاوةُ، كَما سَمِعتَ، إلَّا ما استَثْناه المُتأخِّرونَ لِلضَّرورةِ؛ كالتَّعليمِ والأذانِ والإمامةِ، ولا يَصحُّ إلحاقُ التِّلاوةِ المُجرَّدةِ بالتَّعليمِ؛ لِعَدَمِ الضَّرورةِ؛ إذْ لا ضَرورةَ داعيةٌ إلى الِاستِئجارِ عليها، بخِلافِ التَّعليمِ؛ لِمَا عندَ الزَّيلَعِيِّ وكَثيرٍ مِنْ الكُتُبِ، لَو لَم يَفتَحْ لَهم بابَ التَّعليمِ بالأجْرِ لَذَهَبَ القُرآنُ، فأفتَوْا بجَوازِه ورَأوْهُ حَسَنًا. اه.
وَلا شَكَّ أنَّ المَنعَ مِنْ الِاستِئجارِ على التِّلاوةِ لِإهداءِ ثَوابِها إلى
المُستَأجِرِ لَيسَ فيه ذَهابُ القُرآنِ؛ فلا يَصحُّ قياسُها على التَّعليمِ على أنَّ أصْلَ المَذهبِ المَنعُ مُطلَقًا؛ وإنَّما أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ على التَّعليمِ بالضَّرورةِ المَذكورةِ التي لَو وَقَعَتْ في زَمنِ أبي حَنيفَةَ، وأصحابِه، لَأفتَوْا بذلك، فلِذلك أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ، مُخالِفينَ لِلمَذهبِ الصَّريحِ، ولَو زالَتِ الضَّرورةُ بأنِ انتَظَمَ أمْرُ بَيتِ المالِ وأُعطِيَ المُعلِّمونَ ما كانَ لَهم فيه، لَم يَسَعْ أحَدًا مِنْ المُتأخِّرينَ أنْ يُخالِفوا المَذهَبَ؛ لِزَوالِ العِلَّة التي سَوَّغَتْ لَهمُ الخُروجَ عن أصْلِ المَذهبِ، فكَيفَ يَسوغُ لِأحَدٍ القولُ بجَوازِ الِاستِئجارِ على التِّلاوةِ المُجرَّدةِ التي لَم تَدْعُ ضَرورةٌ أصلًا إلى جَوازِ الِاستِئجارِ عليها، فقَد ظَهرَ لَكَ أنَّ ما نقلَه المُؤَلِّفُ عن صُرَّةِ الفَتاوَى عن الحاوي قَولٌ شاذٌّ مُخالِفٌ لِلمَنقولِ في المُتونِ والشُّروحِ والفَتاوَى، والحاوي لِلزَّاهِدِيِّ مَشهورٌ بنَقلِ الرِّواياتِ الضَّعيفةِ.
وأمَّا قولُ صاحِبِ الجَوهَرةِ: إنَّ المُختارَ جَوازُ الِاستِئجارِ على تِلاوةِ القُرآنِ، فهو مُخالِفٌ لِكُتُبِ المَذهبِ، كَما عَلِمتَ، والظَّاهِرُ أنَّه سَبْقُ قَلَمٍ؛ لأنَّ الذي اختارَه المُتأخِّرونَ هو جَوازُ الِاستِئجارِ على تَعليمِ القُرآنِ، لا على تِلاوَتِه، فقَد سَبَقَ قَلَمُه مِنْ التَّعليمِ إلى التِّلاوةِ، وقَدِ اغتَر بكَلامِه كَثيرٌ مِنْ المُتأخِّرينَ؛ كَصاحِبِ البَحرِ والعَلائِيِّ وبَعضِ مُحْشِي الأشباهِ، وقَد أسمَعناكَ نُصوصَ المَذهبِ، فزالَ الِاشتِباهُ، وقَدْ ألَّفَ الإمامُ البِرْكَوِيُّ في هذه المَسألةِ أربَعَ رَسائِلَ صَرَّحَ فيها ببُطلانِ هذه الإجارةِ، وكَذا صَرَّحَ بذلك في آخِرِ كِتابِه «الطَّريقةُ المُحمَّديَّةُ».
وَصَرَّحَ بأنَّ ذلك مِنْ البِدَعِ المُحرَّمةِ، وأفتَى ببُطلانِ ذلك أيضًا العَلامةُ عُمدةُ المُتأخِّرينَ الشَّيخُ خَيرُ الدِّينِ، في آخِرِ فَتاوَاه مِنْ كِتابِ الوَصايا (١).
وذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى كَراهةِ الإجارةِ على القِراءةِ بالتَّلحينِ، أي: بالتَّطريبِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ القِراءةِ التَّدَبُّرُ والتَّفَهُّمُ، والتَّطريبُ يُنافِي ذلك.
قالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: (وَ) كُرِهَ (قِراءةٌ بِلَحْنٍ) أي: بتَطريبٍ بأنغامٍ، حيثُ لا يُخرِجُه عمَّا عليه القُرَّاءُ، وإلَّا حَرُمتْ؛ كقِراءَتِه بالشَّاذِّ، وقد تَقدَّمتِ المَسألةُ في سُجودِ التِّلاوةِ، والمُناسِبُ هنا كَراهةُ الإجارةِ على القِراءةِ (٢).
وقالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه في «تَحبيرُ المُختصَرِ شَرحُ مُختصَرِ خَليلٍ»: (وقِراءةٌ بِلَحْنٍ)، أي: وكذا تُكرَهُ قِراءةُ القُرآنِ بالألحانِ، وقالَه في المُدوَّنَةِ، والألحانُ: التَّطريبُ، ونَصَّ في الرِّسالةِ على أنَّ ذلك لا يَحِلُّ، وما لا يَحِلُّ مَمنوعٌ (٣).
وأمَّا الشَّافعيَّةُ فنَصُّوا على أنَّ الإجارةَ لِلتَّصَدِّي لِلقِراءةِ لا تَجوزُ، وأجازوا الإجارةَ لِلقِراءةِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً أو قَدْرًا مَعلومًا.
قالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه في «النَّجمُ الوَهَّاجُ»: وتَصحُّ الإجارةُ لِتَعليمِ القُرآنِ … والمُرادُ: إذا استَأجَرَه لِتَعليمِ سُورةٍ خاصَّةٍ، فلوِ استَأجَرَه لِلتَّصَدِّي لِلإقراءِ لَم يَجُزْ (٤).
(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ٤١٩، ٤٢٣).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٦٠).
(٣) «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٤).
(٤) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٤)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤١٢)، و «حاشية الشرواني» (٦/ ١٥٧)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنوز الراغبين» (٣/ ١٨٥).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ وزَكَرِيا الأنصاريُّ: الإجارةُ لِلقِراءةِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً أو قَدْرًا مَعلومًا جائِزةٌ؛ لِلِانتِفاعِ بنُزولِ الرَّحمةِ حَيثُ يُقرَأُ القُرآنَ؛ وكالِاستِئجارِ لِلأذانِ، وتَعليمِ القُرآنِ، ويَكونُ المَيِّتُ كالحَيِّ الحاضِرِ، سَواءٌ أعَقَبَ القِراءةَ بالدُّعاءِ، أو جعلَ أجْرَ قِراءَتِه لَه، أو لا، فتَعودُ مَنفَعةُ القِراءةِ إلى المَيِّتِ في ذلك، ولأنَّ الدُّعاءَ يَلحَقُه، وهو بَعدَها أقَرَبُ إجابةً، وأكثَرُ بَرَكةً، ولأنَّه إذا جعلَ أُجرةَ الحاصِلِ بقِراءَتِه لِلمَيِّتِ فهو دُعاءٌ بحُصولِ الأجْرِ لَه، ويَنتفِعُ به، فقولُ الشَّافِعيِّ: إنَّ القِراءةَ لا تَصلُ إليه؛ مَحمولٌ على غيرِ ذلك.
بَلْ قالَ السُّبكيُّ تَبَعًا لِابنِ الرِّفعةِ: بعدَ حَمْلِه كَلامَهم على ما إذا نَوَى القارِئُ أنْ يَكونَ ثَوابُ قِراءَتِه لِلمَيِّتِ بغَيرِ دُعاءٍ، على أنَّ الذي دَلَّ عليه الخَبَرُ بالِاستِنباطِ أنَّ بَعضَ القُرآنِ إذا قُصِدَ به نَفْعُ المَيِّتِ نَفَعَه؛ إذْ قد ثبَتَ أنَّ القارِئَ لَمَّا قَصَدَ بقِراءَتِه نَفْعَ المَلدوغِ نَفَعَتْه، وأقَرَّ النَّبيُّ ﷺ ذلك بقَولِهِ: «وَما يُدريكَ أنَّها رُقيةٌ؟»، وإذا نَفَعَتِ الحَيَّ بالقَصدِ كانَ نَفْعُ المَيِّتِ بها أَوْلَى؛ لأنَّه يَقَعُ عنه مِنْ العِباداتِ بغَيرِ إذْنِه ما لا يَقَعُ عن الحَيِّ (١).
وقالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه في «الرَّوضةِ»: فَرعٌ: عن القاضي حُسَينٍ في «الفَتَاوَى» أنَّ الِاستِئجارَ لِقِراءةِ القُرآنِ على رَأْسِ القَبرِ مدَّةً، جائِزٌ؛ كالِاستِئجارِ لِلأذانِ، وتَعليمِ القُرآنِ.
(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٦)، ويُنْظر: «المدونة» (١١/ ٤٢١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٨٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٩).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب تضمين المستأجر والاجير
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* (باب تضمين المستأجر والاجير)
* إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان، لانه عين قبضها ليستوفى منها ما ملكه، فلم يضمنها بالقبض كالمرأة في يد الزوج، والنخلة التى اشترى ثمرتها، وإن تلفت بفعله نظرت فان كان بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها باللجام للاستصلاح لم يضمن لانه هلك من فعل مستحق فلم يضمنه كما لو هلك تحت الحمل، وان تلفت بعدوان كالضرب من غير حاجة لزمه الضمان،
لانه جناية على مال الغير لزمه ضمانه.
(فصل)
وان اكترى ظهرا إلى مكان فجاوز به المكان فهلك نظرت، فان لم يكن معه صحابه لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ جاوز به المكان إلى أن تلف لانه ضمنه باليد من حين جاوز فصار كالغاصب، وان كان صاحبه معه نظرت، فان هلك بعد نزوله وتسليمه إلى صاحبه لم يضمن، لانه ضمنه باليد فبرئ بالرد كالمغصوب إذا رده إلى مالكه، وان تلف في حال السير والركوب ضمن، لانه هلك في حال العدوان، وفى قدر الضمان قولان.
(أحدهما)
نصف قيمته، لانه تلف من مضمون وغير مضمون، فكان الضمان بينهما نصفين، كما لو مات من جراحته وجراحة مالكه.
(والثانى)
أنه تقسط القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الاجارة سقط، وما قابل الزيادة يجب، لانه يمكن تقسيطه على قدرهما فقط بناء على القولين في الجلاد إذا ضرب رجلا في القذف احدى وثمانين فمات، وان تعادل اثنان ظهرا استأجراه وارتدف معهما ثالث من غير اذن فتلف الظهر ففيه ثلاثه أوجه.
(أحدها) أنه يجب على المرتدف نصف القيمة، لانه هلك من مضمون وغير مضمون.
(والثانى)
يجب عليه الثلث، لان الرجال لا يوزنون فقسط الضمان على عددهم.
(والثالث) أنه يقسط على أوزانهم، فيجب على المرتدف ما يخصه بالوزن لانه يمكنه تقسيطه بالوزن فقسط عليه.
(فصل)
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.