الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الثانية: إجارة دار لمن يبيع فيها خمرا أو شيئا محرما
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةالمَسألةُ الثَّانيةُ: إجارةُ دارٍ لِمَنْ يَبيعُ فيها خَمرًا أو شَيئًا مُحرَّمًا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ دارَه أو يَبيعَها لِلمُسلِمِ إذا كانَ يَستَخدِمُها لِبَيعِ الخُمورِ وشُربِها ولَعِبِ القِمارِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ، وقد قالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ثم اختَلفوا فيما إذا أجَّرَها أو باعَها لِكافِرٍ يَبيعُ فيها خَمرًا، أو يَلعَبُ فيها القِمارَ.
فذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجُوزُ لِلإنسانِ أنْ يَبيعَ أو يُؤجِّرَ دارَه لِمَنْ يَبيعُ فيها خَمرًا، أو يَلعَبُ فيها القِمارَ؛ لأنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ، فلَم تَجُزِ الإجارةُ عليه، كإجارةِ عَبدِه لِلفُجورِ، ولأنَّه إعانةُ على المَعصيةِ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: فأمَّا إنْ آجَرَهُ إيَّاها (أو باعَها) لِأجْلِ بَيعِ الخَمرِ واتِّخاذِها كَنيسةً أو بَيْعةً، لَم يَجُزْ قَولًا واحِدًا، وبه قالَ الشافِعيُّ وغَيرُه، كما لا يَجوزُ أنْ يُكرِيَ أَمَتَهُ أو عبدَه لِلفُجورِ (١).
قالَ المالِكيَّةُ: لا تُؤجَّرُ دارٌ أو تُباعُ لِتُتَّخَذَ مَجمعًا لِفُسَّاقٍ، أو خَمَّارةً، ويُرَدُّ العَقدُ إنْ وَقَعَ؛ فإنْ فاتَ باستِيفاءِ المَنفَعةِ أو بَعضِها فالمَشهورُ أنَّه
(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٣٦)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٩٤)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢١٥).
يَتصدَّقُ بجَميعِ الكِراءِ لِلفُقَراءِ وُجوبًا في الإجارةِ، وبِفاضِلِ الثَّمنِ عن ثَمنِ المِثلِ في البَيعِ، بأنْ يُقالَ: ماذا يُساوي ثَمنُ هذه الدَّارِ أو هذه الأرضِ لِمَنْ يَتَّخِذُها خَمَّارةً مثلًا؟ فيُقالُ: خَمسةَ عَشَرَ. ثم يُقالُ: وما تُساوي لَو بِيعتْ لِمَنْ لا يَتَّخِذُها خَمَّارةً؟ فيُقالُ: تُساوي عَشَرةً. فيُتَصَدَّقُ بالخَمسةِ الزَّائِدةِ، والفَرقُ بينَ الكِراءِ والبَيعِ أنَّه لَمَّا كانَ يَعودُ لِلمُكري ما أكراه لَم يكُنْ عليه ضَرَرٌ كَثيرٌ؛ فلِذلك لَزِمَه التَّصَدُّقُ بالكِراءِ جَميعِه، بخِلافِ البائِعِ؛ فإنَّه لا يَعودُ إليه ما باعَه؛ فلَو وجبَ عليه التَّصَدُّقُ بالجَميعِ لاشتَدَّ ضَرَرُه، والأرضُ كالدَّارِ مِنْ أنَّه يَتصدَّقُ بالكِراءِ، وقيلَ: يَتصدَّقُ مِنْ كِراءِ الأرضِ بالزَّائِدِ، كَما في البَيعِ، والفَرقُ على هذا أنَّ الدَّارَ لَمَّا كانَتْ لا يُنتَفَعُ بها إلَّا بعدَ بِنائِها في الأغلَبِ، فكَأنَّ الدَّراهِمَ إنَّما وَقَعَتْ في مُقابَلةِ الأرضِ ذاتِها، وأمَّا الأرضُ فإنَّه يَنتفِعُ بها مِنْ غيرِ بِناءٍ؛ فالمَنفَعةُ فيها هي المَقصودةُ بالإجارةِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ إجارةُ بَيتٍ لِيُباعَ فيه خَمرٌ بالسَّوادِ، أي: بالقَريةِ، وإنَّما جازَ لأنَّ السَّوادَ في ذلك الوَقتِ كانَ لِأهلِ الذِّمةِ، فلا يُمنَعونَ مِنْ اتِّخاذِه في أملاكِهم، فكَيفَ إذا استَأجَروه؟ ولأنَّه
(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٢٣، ٤٢٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٦٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٨٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٧٠، ٥٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٢، ٢٣)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٤٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٧)، و «المغني» (٥/ ٣٢١)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٨)، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢٣٣، ٢٣٦)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢١٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.
فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]
فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ
ــ
منح الجليل
فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.
وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.