الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الثانية: استئجار الأرض للزراعة ولا ماء لها يكفيها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالمَسألةُ الثَّانيةُ: استِئجارُ الأرضِ لِلزِّراعةِ ولا ماءَ لها يَكفيها:
اشترَطَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ لِلأرضِ التي يَصحُّ استِئجارُها لِلزِّراعةِ أنْ تَكونَ الزِّراعةُ فيها مُتيَسِّرةً مِنْ وُصولِ الماءِ إلَيها على الدَّوامِ، وأنْ تَكونَ غيرَ سَبِخةٍ، والسَّبِخةُ: المالِحةُ، أي: التي لا تُنبِتُ، وقيلَ: هي التي لا تُنبِتُ عُمُومًا.
فَإنْ كانَ الماءُ يَصِلُ إلَيها على الدَّوامِ مِنْ عَينٍ أو بِئرٍ أو نَهَرٍ، ولَو صَغيرًا، أو كانَ مِنْ المَطَرِ المُعتادِ أو ماءِ الثُّلوجِ المُجتَمِعةِ في نَحوِ جَبَلٍ يَكفيها، صَحَّتْ إجارَتُها لِلزِّراعةِ إذا لَم تكُنْ سَبِخةً عندَ جُمهورِ أهلِ العِلمِ، المالِكيَّةِ، والشَّافعيَّةِ في المَذهبِ، والحَنابِلةِ.
فَإنْ كانَتْ سَبِخةً لا تُنبِتُ، أو لا يَصِلُ إلَيها الماءُ على الدَّوامِ، ولا يَكفيها المَطَرُ المُعتادُ لا يَصحُّ إجارَتُها لِلزِّراعةِ.
وَكلُّ أرضٍ لا يَصحُّ استِئجارُها لِلزِّراعة لَوِ اكتَراها لِيَنزِلَ فيها أو يَسكُنَها، أو يَجمَعَ الحَطَبَ فيها، أو يَربِطَ الدَّوابَّ، جازَ (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في الأرضِ أنْ تَكونَ صالِحةً لِلزِّراعةِ، حتى لَو كانَتْ سَبِخةً أو نَزَّةً لا تَجوزُ إجارَتُها.
(١) «الذخيرة» (٥/ ٤١١)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١١، ١٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٣٢، ٣٣٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٥، ٣٨٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣١٠)، و «الديباج» (٢/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «كنز الراغبين مع حاشية عميرة» (٣/ ١٧٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٦٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٠)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦١٦).
فَأمَّا إذا كانَتْ صالِحةً لِلزِّراعةِ في المدَّةِ، لَكِنْ لا تُمكِنُ زِراعَتُها وَقتَ العَقدِ، لِعارِضٍ مِنْ انقِطاعِ الماءِ، وزَمانَ الشِّتاءِ ونَحوِه مِنْ العَوارِضِ التي هي على مَشارِفِ الزَّوالِ في المدَّةِ تَجوزُ إجارَتُها.
وَلا بَأسَ باستِئجارِ الأرضِ لِلزِّراعةِ قبلَ رَيِّها، إذا كانَتْ مُعتادةً لِلرَّيِّ في مِثلِ هذه المدَّةِ التي عَقدَ الإجارةَ عليها.
وإنْ جاءَ مِنْ الماءِ ما يَزرَعُ به بَعضَها فالمُستَأجِرُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ نَقَضَ الإجارةَ كلَّها، وإنْ شاءَ لَم يَنقُضْها، وكانَ عليه مِنْ الأجْرِ بحِسابِ ما رَوَى مِنها.
وَلَوِ استَأجَرَها ولا يُمكِنُه الزِّراعةُ في الحالِ لِاحتياجِها إلى السَّقْيِ، أو كَرْيِ الأنهارِ، أو مَجيءِ الماءِ؛ فإنْ كانَ بحالٍ تُمَكِّنُ الزِّراعةَ في مدَّةِ العَقدِ جازَ، وإلَّا فلا، كَما لَوِ استَأجَرَها في الشِّتاءِ تِسعةَ أشهُرٍ، ولا يُمكِنُ زِراعَتُها في الشِّتاءِ جازَ، لِمَا أمكَنَ في المدَّةِ، أمَّا إذا لَم يُمكِنْ الِانتِفاعُ بها أصْلًا، بأنْ كانَتْ سَبِخةً؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ، وفي مَسألةِ الِاستِئجارِ في الشِّتاءِ يَكونُ الأجْرُ مُقابَلًا بكلِّ المدَةٍ، لا بما يُنتَفَعُ به فحَسْبُ، وقيلَ: بما يُنتَفَعُ به.
وَلا يَنحَصِرُ استِئجارُ الأرضِ لِلزِّراعةِ فالأرضُ تُستَأجَرُ لِلزِّراعةِ، وغَيرِها مِنْ سائِرِ الانتِفاعاتِ بالأرضِ.
قالَ ابنُ نُجَيْمٍ رحمة الله عليه: فإذا عَرفتَ ذلك ظَهرَ لَكَ صِحَّةُ الإجاراتِ الواقِعةِ في زَمانِنا، مِنْ أنَّه تُستَأجَرُ الأرضُ مَقيلًا ومَراحًا، قاصِدينَ بذلك إلزامَ الأُجرةِ بالتَّمكُّنِ مِنها مُطلَقًا، سَواءٌ شَمِلَها الماءُ وأمْكَنَ زِراعَتُها أو لا،
ولا شَكَّ في صِحَّتِه؛ لأنَّه لَم يَستَأجِرْها لِلزِّراعةِ بخُصوصِها حتى يَكونَ عَدَمُ رَيِّها فَسْخًا لَها (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ استِئجارُ أرضٍ لِلزِّراعةِ لا ماءَ لَها قَطَعَها، ولا في الأغلَبِ.
واختُلِفَ في استِئجارِ أرضٍ ماؤُها غامِرٌ -أي: كَثيرٌ- وانكِشافُه نادِرٌ، فمَذهَبُ المُدوَّنةِ الجَوازُ، على تَقديرِ انكِشافِ الماءِ عَنها، ولَكِنْ لا يَجوزُ النَّقدُ فيها، ولَو تَطوُّعًا، وكَذا أرضُ النِّيلِ والمَطَرُ الغالِبُ عادةً، فتَصحُّ إجارَتُها، والنَّقدُ فيها، وقيلَ: لا يُنقَدُ في أرضِ المَطَرِ.
وَفي قَولٍ: لا يَجوزُ.
وأمَّا الأرضُ المَغمورةُ التي لا يُمكِنُ انكِشافُ الماءِ عَنها عادةً فلا يَجوزُ عَقدُ كِرائِها حتى تَنكَشِفَ بالفِعلِ.
وَجاءَ في «المُدوَّنةِ»: في الرجُلِ يَكتَري الأرضَ الغَرِقةَ، والنَّقدِ في ذلك:
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أكرَيْتُه أرضي هذه وهي غَرِقةٌ على أنَّه إنْ نَضَبَ الماءُ عَنها فهي له بما سَمَّيْنا مِنْ الكِراءِ، وإنْ ثبَتَ الماءُ فلا كِراءَ بَينَنا، قالَ: هذا جائِزٌ إنْ لَم يَنقُدِ الكِراءَ، فإنْ نَقَدَ الكِراءَ لَم يَصلُحْ؛ لأنَّ هذا غيرُ مَأْمونٍ؛ لأنَّها بحالٍ ما وُصِفَتُ لَكَ غَرِقةً يُخافُ عليها ألَّا يَنكَشِفَ الماءُ عَنها إلَّا أنْ تَكونَ أرضًا لا يُشَكُّ في انكِشافِ الماءِ عَنها فلا بَأْسَ به.
(١) «البحر الرائق» (٧/ ٣٠٥)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «ابن عابدين» (٦/ ٢٩).
وقالَ غَيرُه: إذا خِيفَ ألَّا يَنكَشِفَ الماءُ عَنها لَم يَجُزْ أيضًا بغَيرِ نَقْدٍ؛ لِمَا أعلَمتُكَ ممَّا يَمنَعُ به الرجُلُ مِلْكَهُ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: الأرضُ أنواعٌ:
مِنها: أرضٌ لَها ماءٌ مِنْ نَهَرٍ أو بِئرٍ أو عَينٍ ونَحوِها، يَكفيها؛ فهذه يَصحُّ استِئجارُها قَطعًا.
وَمِنها: أرضٌ لا ماءَ لَها، لَكِنْ يَكفيها المَطَرُ المُعتادُ والنَّداوةُ التي تُصيبُها مِنْ الثُّلوجِ المُعتادةِ أو لا يَكفيها ذلك، لَكنَّها تُسقَى بماءِ الثَّلجِ والمَطَرِ في الجَبَلِ، والأغلَبُ فيها الحُصولُ، ففيه وَجهانِ، أصَحُّهما أنَّه يَصحُّ إجارَتُها.
وَمِنها: أرضٌ لا ماءَ لَها، ولا تَكفيها الأمطارُ المُعتادةُ ولا تُسقَى بماءٍ غالِبِ الحُصولِ مِنْ الجَبَلِ، ولَكِنْ إنْ أصابَها مَطَرٌ عَظيمٌ أو سَيلٌ نادِرٌ أمكَنَ زَرعُها، وهذه لا يَصحُّ استِئجارُها قَطعًا.
وَمِنها: أرضٌ على شَطِّ النِّيلِ والفُراتِ وغَيرِهما، يَعلو الماءُ عليها، ثم يَنحَسِرُ ويَكفي ذلك لِزِراعَتِها في السَّنةِ؛ فإنِ استَأجَرَها لِلزِّراعةِ بَعدَما عَلاها الماءُ وانحَسَرَ صَحَّ، وإنْ كانَ قبلَ أنْ يَعلوَها الماءُ، فإنْ كانَ لا يُوثَقُ بهِ؛ كالنِّيلِ، لا يَنضَبِطُ أمْرُه، لَم يَصحَّ، وإنْ كانَ الأغلَبُ حُصولَه، ففيه وَجهانِ، أصَحُّهما الجَوازُ.
(١) «المدونة» (١١/ ٥٤٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢١)، و «جامع الأمهات» (٤٣٥)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٢٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٨).
وإنْ كانَ مَوثوقًا به كالمُدِّ بالبَصرةِ صَحَّ، كَماءِ النَّهَرِ.
فَإنْ تَردَّدَ في وُصولِ الماءِ إلى تلك الأرضِ لَم يَصحَّ؛ لأنَّه كالنَّوعِ الثَّالث.
وإنْ كانَ عَلاها ولَم يَنحَسِرْ فإنْ كانَ لا يُرجَى انحِسارُه أو يُشَكُّ فيه، لَم يَصحَّ استِئجارُها؛ لأنَّ العَجزَ مَوجودٌ، والقُدرةَ مَشكوكٌ فيها.
وإنْ رُجيَ انحِسارُه وَقتَ الزِّراعةِ في العادةِ صَحَّتِ الإجارةُ على المَذهبِ، والمَنصوصِ، سَواءٌ كانَتِ الإجارةُ لِمَا يُمكِنُ زِراعَتُه في الماءِ؛ كالأَرُزِّ، أو لِغَيرِه، وسَواءٌ كانَ رَأَى الأرضَ مَكشوفةً أو هي مَرئِيَّةٌ الآنَ؛ لِصَفاءِ الماءِ، أو لَم يكُنْ شَيءٌ مِنْ ذلك.
وَكلُّ أرضٍ مَنَعْنا استِئجارَها لِلزِّراعةِ لَوِ اكتَراها لِيَنزِلَ فيها، أو يُسكُنَها أو يَجمَعَ الحَطَبَ فيها أو يَربِطَ الدَّوابَّ جازَ.
وَإنِ اكتَراها مُطلَقًا نُظِرَ إنْ قالَ: أكرَيتُكَ هذه الأرضَ البَيضاءَ، ولا ماءَ لَها، جازَ، لأنَّه يَعرِفُ بنَفْي الماءِ أنَّ الإجارةَ لِغَيرِ الزِّراعةِ.
ثم لَو حَمَلَ ماءً مِنْ مَوضِعٍ، وزَرَعَها، أو زَرَعَها على تَوَقُّعِ حُصولِ ماءٍ لَم يُمنَعْ، وليسَ له البِناءُ والغِراسُ فيها.
وإنْ لَم يَقُلْ: لا ماءَ لَها، فإنْ كانَتْ بحَيثُ يُطمَعُ في سَوْقِ الماءِ إلَيها لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّ الأغلَب في مِثلِها الِاستِئجارُ لِلزِّراعةِ، فكَأنَّه ذكرَها، وإنْ كانَتْ على قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُطمَعُ في سَوْقِ الماءِ إلَيها صَحَّ العَقدُ على الأصَحِّ؛ اكتِفاءً بالقَرينةِ، وإذا اعتَبَرْنا نَفْيَ الماءِ ففي قيامِ عِلمِ المُتعاقدَيْنِ مَقامَ التَّصريحِ بالنَّفْيِ وَجْهانِ:
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب ما يوجب فسخ الاجارة
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يوجب فسخ الاجارة) إذا وجد المستأجر بالعين المستأجرة عيبا جاز له ان يرد، لان الاجارة كالبيع، فإذا جاز رد المبيع بالعيب جاز رد المستأجر، وله أن يرد بما يحدث في يده من العيب، لان المستأجر في يد المستأجر كالمبيع في يد البائع، فإذا جاز رد المبيع بما يحدث من العيب في يد البائع، جاز رد المستأجر بما يحدث من العيب في يد المستأجر.
(فصل)
والعيب الذى يرد به ما تنقص به المنفعة، كتعثر الظهر في المشي والعرج الذى يتأخر به عن القافلة وضعف البصر والجذام والبرص في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والتغير الذى يمتنع به الشرب أو الوضوء وغير ذلك من العيوب التى تنقص بها المنفعة.
فاما إذا اكترى ظهرا فوجده خشين المشي لم يدر، لان ذلك لا تنقص به المنفعة.
وان اكترى ظهرا للحج عليه فعجز عن الخروج بالمرض أو ذهاب المال لم يجز له الرد، وان اكترى حماما فتعذر عليه ما يوقده لم يجز له الرد، لان المعقود عليه باق، وانما تعذر الانتفاع لمعنى في غيره فلم يجز له الرد، كما لو اشترى ظهرا ليحج عليه فعجز عن الحج لمرض أو ذهاب المال، وان اكترى أرضا للزراعة فزرعها ثم هلك الزرع بزيادة المطر أو شدة برد أو دوام ثلج أو أكل جراد لم يجز له الرد لان الجائحة حدثت على مال المستأجر دون منفعة الارض فلم يجز له الرد، وان اكترى دارا فتشعثت فبادر المكرى إلى اصلاحها لم يكن للمستأجر ردها لانه لا يلحقه الضرر، فان لم يبادر ثبت له الفسخ لانه يلحقه ضرر بنقصان المنفعة، فان رضى سكناها ولم يطالب بالاصلاح فهل يلزمه جميع الاجرة ام لا؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزمه جميع الاجرة لانه لم يستوف جميع ما استحقه من المنفعة فلم يلزمه جميع الاجرة، كما لو اكترى دارا سنة فسكنها بعض السنة ثم غصبت
(والثانى)
يلزمه جميع الاجرة لانه استوفى جميع المعقود عليه ناقصا بالعيب
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.