الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الخامسة: أخذ الأجرة على الحج
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةعَكسُه، وأنْ تَكونَ النِّيابةُ إذا خافَ الخُروجَ، وسَهْمُ الغَنيمةِ لِلقاعِدِ، لا لِلخارِجِ. قالَ الصَّقَلِّيُّ: بذا أفتَى بَعضُ شُيوخِنا عن بَعضِ القَرَويِّينَ، وابنُ عَرفةَ: الأظهَرُ أنَّه بَينَهما.
وَيُندَبُ لِلخارِجِ ألَّا يَنويَ بغَزوِه الجُعلَ؛ فهو مَكروهٌ، قالَه أبو الحَسَنِ، قالَ: وبِقَولِه فيها: لأنَّ عليهم سَدَّ الثُّغورِ، دفعَ إيهامَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ هذه مُعاوَضةٌ على الجِهادِ، فكَيفَ تَجوزُ؟ فأبطَلَ هذا بقَولِهِ: لأنَّ عليهم سَدَّ الثُّغورِ؛ فكلُّ واحِدٍ مِنهما يَسُدُّ مَسَدَّ الآخَرِ؛ كالإمامِ، إذا أحدَثَ، فإنَّما يَستَخلِفُ مَنْ معه في الصَّلاةِ.
والآخَرُ: أنْ يُقالَ: كَيفَ جازَ الجُعلُ في البُعوثِ وهو غَرَرٌ؛ إذْ لا يَدري هَلْ يُخرَجُ له العَطاءُ أو لا؟ وإذا خَرجَ هَلْ يَقِلُّ أو يَكثُرُ؛ فأَبطَلَ هذا بقَولِه: قالَ مالِكٌ: رُبَّما خَرجَ العَطاءُ، ورُبَّما لَم يَخرُجْ، مَعناهُ أنَّ العَطاءَ الذي يَخرُجُ غيرُ مُعتَبَرٍ؛ فالمُعوَّلُ عليه حَقيقةً هو ما أعطاه القاعِدُ لِلخارِجِ؛ فإنْ كانَ العَطاءُ المَكتوبُ غيرَ مُعتَبَرٍ، وهو تَبَعٌ، فلا غَرَرَ ا. هـ (١).
المَسألةُ الخامِسةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الحَجِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الِاستِئجارِ عن الحَجِّ، هَلْ يَجوزُ لِلرجُلِ أنْ يَستَأجِرَ مَنْ يَحُجُّ عنه أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ الِاستِئجارُ على
(١) «منح الجليل» (٣/ ١٦١، ١٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٩).
الحَجِّ؛ فإنِ استَأجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا لِيَحُجَّ عنه، أو عن مَيِّتٍ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الحَجَّ مِنْ عِباداتِ الأبدانِ، فوجبَ ألَّا تَصحَّ النِّيابةُ فيهِ؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، ولأنَّها عِبادةٌ يَتعيَّنُ عليه فِعلُها بالدُّخولِ فيها، فوجبَ ألَّا تَصحَّ الإجارةُ عليها، ولا النِّيابةُ فيها، كالجِهادِ.
وَلأنَّ الحَجَّ قُربةٌ إلى اللَّهِ، ولا يَصحُّ أنْ يَعمَلَه غيرُ المُتقَرِّبِ به، وبِالإجماعِ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُستَأجَرَ الذِّميُّ لِيَحُجَّ عن مُسلِمٍ، وذلك لأنَّه قُربةٌ لِلمُسلِمِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه، جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا. فكلُّ طاعةٍ يَختَصُّ بها المُسلِمُ؛ فالِاستِئجارُ عليها باطِلٌ.
وَإذا ثبَتَ أنَّ الِاستِئجارَ على الحَجِّ لا يَجوزُ؛ قُلْنا: العَقدُ الذي لا جَوازَ له بحالٍ يَكونُ وُجودُه كَعَدَمِه، وإذا سقطَ اعتِبارُ العَقدِ بَقيَ أمرُه بالحَجِّ؛ ويَكونُ له نَفَقةُ مِثلِه في مالِه، فلَوِ استُؤجِرَ على الحَجِّ ودُفِعَ إليه الأجْرُ فحَجَّ عن المَيِّتِ؛ فإنَّه يَجوزُ عن المَيِّتِ في الأصَحِّ -خِلافًا لِصاحِبِ الدُّر المُختار-، ولَه مِنْ الأجْرِ مِقدارُ نَفَقةِ الطَّريقِ في الذَّهابِ والمَجيءِ، ويُرَدُّ الفَضلُ على الوَرثةِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ الِاستِئجارُ عليه، ولا يَحِلُّ له أنْ يَأخُذَ الفَضلَ لِنَفْسِه، إلَّا إذا تَبرَّعَ الوَرثةُ به، وهُم مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، أو أوصَى المَيِّتُ بأنَّ الفَضلَ لِلحاجِّ (١).
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٢٨)، و «المبسوط» (٤/ ١٥٨، ١٥٩)، (١٦/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦١)، و «البحر الرائق» (٣/ ٧٣)، و «ابن عابدين» (٢/ ٦٠١، ٦٠٢)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ٤١٨، ٤١٩)، و «الهندية» (١/ ٢٦٤)، و «المغني» (٣/ ٩٣، ٩٤)، و «الشرح الكبير» (٣/ ١٨٠، ١٨٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤١)، و «منار السبيل» (٢/ ٢١٧).
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه في الحَجِّ، مع الكَراهةِ عندَ المالِكيَّةِ؛ لأنَّ كلَّ عَملٍ جازَ أنْ يَتطوَّعَ به الآخَرُ عن الآخَرِ جازَ أنْ تَصحَّ فيه النِّيابةُ، ويَصحُّ عليه عَقدُ الإجارةِ؛ كَبِناءِ المَساجِدِ، وكَتْبِ المَصاحِفِ، وهو قُربةٌ إلى اللَّهِ ﷾، فكذلك عَملُ الحَجِّ عن الآخَرينَ. والصَّدَقاتُ قُربةٌ إلى اللَّهِ ﷾، وقَد أباحَ لِلعاملِ عليها الأجْرَ على عِمالَتِه.
وقالَ الشافِعيَّةُ: ضابِطُ ما يَجوزُ الِاستِئجارُ عليه: أنَّ كلَّ ما تَدخُلُه النِّيابةُ مِنْ العِبادةِ يَجوزُ الِاستِئجارُ عليه، وما لا فلا (١).
قالَ المالِكيَّةُ: تُكرَهُ إجارةُ الإنسانِ نَفْسَه في عَملٍ لِلَّهِ تَعالى، حَجٍّ أو غَيرِه، كَقِراءةٍ وإمامةٍ وتَعليمِ عِلْمِ، وصِحَّتُه مع الكَراهةِ. كَما تُكرَهُ الإجارةُ على الأذانِ، قالَ مالِكٌ: لَأنْ يُؤاجِرَ الرجُلُ نَفْسَه في عَملِ اللَّبنِ وقَطعِ الحَطَبِ وسَوْقِ الإبِلِ، أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ يَعمَلَ عَملًا لِلَّهِ بأُجرةٍ، وهذه دارُ الهِجرةِ لَم يَبلُغْنا أنَّ أحَدًا مُنذُ زَمانِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّ عن
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٨)، ويُنْظر: «الاستذكار» (٤/ ١٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٩٦)، و «منح الجليل» (٢/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ٢٥٧)، و «المجموع» (٧/ ٨٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٣٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٨٥).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب ما يلزم المتكاريين وما يجوز لهما
المبيع على البائع وان فارق البيع في حكم الخيار وهذان الوجهان في اجارة ما لم يقبض مبنى
على اختلاف اصحابنا في عقد الاجارة هل تناول الدار المؤاجرة لاستيفاء المنفعة منها أو تناول المنفعة؟ فقال أبو إسحاق المروزى: عقد الاجارة انما تناول الدار الموجودة، لان المنافع غير مخلوقة، فعلى هذا يمنع من إجارتها قبل القبض كما يمنع من البيع.
(والوجه الثاني) وهو الاكثر من أصحابنا أن العقد إنما تناول المنفعة دون الرقبة لان العوض في مقابلتها، ولا يصح أن يتوجه العقد إلى ما لم يقابله العوض وتصير المنافع بتسليم الرقبة مقبوضة حكما، وإن لم يكن القبض مستقرا إلا بمضي المدة فعلى، هذا تجوز إجارتها قبل قبضها.
وقال النووي: لا تنفسخ الاجارة بعذر كتعذر وقود حمام وسفر ومرض مستأجر دابة لسفر، ولو استأجر أرضا لزراعه فزرع فهلك الزرع بجائحه فليس له الفسخ، ولا حط شئ من الاجرة، وتنفسخ بموت الدابه والاجير المعينين في المستقبل لا الماضي في الاظهر، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يلزم المتكاريين وما يجوز لهما) يجب على المكرى ما يحتاج إليه المكترى للتمكين من الانتفاع كمفتاح الدار وزمام الجمل والبرة التى في أنفه والحزام والقتب والسرج واللجام للفرس لان التمكين عليه ولا يحصل التمكين إلا بذلك، فان تلف شئ منه في يد المكترى لم يضمنه كما لا يضمن العين المستأجرة وعلى المكرى بدله لان التمكين مستحق عليه إلى أن يستوفى المستأجر المنفعة وما يحتاج إليه لكمال الانتفاع كالدلو والحبل والمحمل والغطاء فهو على المكترى، لان ذلك يراد لكمال الانتفاع، واختلف أصحابنا فيما يشد به أحد المحملين إلى الآخر، فمنهم من قال: هو على المكرى لانه من آلة التمكين، فكان على المكرى، ومنهم من قال: هو على المكترى
لانه بمنزلة تأليف المحمل وضم بعضه إلى بعض.
(فصل)
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.