المسألة الخامسة: استئجار المصحف والكتب للنظر فيها والقراءة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الخامسة: استئجار المصحف والكتب للنظر فيها والقراءة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

المسألة الخامسة: استئجار المصحف والكتب للنظر فيها والقراءة - الأقوال والأدلة

وَلأنَّها لَو كانَتْ مَقطوعةً لَجازَ استِئجارُها لِذلك؛ فكذلك إذا كانَتْ ثابِتةً، وذلك لأنَّ الِانتِفاعَ يَحصُلُ بهِما على السَّواءِ في الحالَتَيْنِ، فما جازَ في إحداهُما يَجوزُ في الأُخرَى، ولأنَّها شَجرةٌ، فجازَ استِئجارُها لِذلك كالمَقطوعةِ، ولأنَّها مَنفَعةٌ مَقصودةٌ يُمكِنُ استيفاؤُها مع بَقاءِ العَينِ، فجازَ العَقدُ عليها، كَما لَو كانَتْ مَقطوعةً، ولأنَّها عَينٌ يُمكِنُ استيفاءُ هذه المَنفَعةِ مِنها، فجازَ استِئجارُها لَها، كالحِبالِ والخَشَبِ والشَّجرِ المَقطوعِ.

والمَسألةُ الخامِسةُ: استِئجارُ المُصحَفِ والكُتُبِ لِلنَّظَرِ فيها والقِراءةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ المُصحَفِ والكُتُبِ لِلقِراءةِ، هَلْ تَجوزُ أو لا تَجوزُ؟

فذهبَ الحَنفيَّةُ وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ استِئجارُ المُصحَفِ، قالَ الحَنفيَّةُ: لأنَّ مَنفَعةَ المُصحَفِ النَّظَرُ فيه، والقِراءةُ مِنه، والنَّظَرُ في مُصحَفِ الآخرينَ، والقِراءةُ منه مُباحةٌ، والإجارةُ بَيعُ المَنفَعةِ، والمُباحُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلبَيعِ؛ كالأعيانِ المُباحةِ مِنْ الحَطَبِ والحَشيشِ.

وَكَذا استِئجارُ كُتُبٍ لِيَقرَأَ فيها شِعرًا أو فِقهًا؛ لأنَّ مَنافِعَ الدَّفاتِرِ النَّظَرُ فيها، والنَّظَرُ في دَفتَرِ الآخَرينَ مُباحٌ مِنْ غيرِ أجْرٍ، فصارَ كَما لَوِ استَأجَرَ ظِلَّ حائِطٍ في خارِجِ دارِه؛ لِيَقعُدَ فيه.

وَلَوِ استَأجَرَ شَيئًا مِنْ الكُتُبِ لِيَقرَأَ، فقَرَأَ، لا أجْرَ عليه؛ لِانعِدامِ عَقدِ المُعاوَضةِ.

وَعِلَّةُ ذلك عندَ الحَنابِلةِ إجلالُ كَلامِ اللَّهِ وكِتابِه عن المُعاوَضةِ به، وابتِذالِه بالثَّمنِ في البَيعِ والأجْرِ في الإجارةِ.

وَعِلَّةُ ذلك عندَ ابنِ حَبيبٍ أنَّ القِراءةَ والنَّظَرَ فيها فِعلُه، فلا يُعطَى على فِعلِ نَفْسِه أجْرًا، والثَّمنُ في البَيعِ لِلوَرِقِ والخَطِّ، وفي الإجارةِ لِنَفْسِ القُرآنِ، وهو لَيسَ مُتقَوَّمًا.

وَذَهَبَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ، والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ استِئجارُ المُصحَفِ لِمَنْ يَقرَأُ فيهِ؛ لأنَّه لَمَّا جازَ بَيعُه جازَتْ إجارَتُه، ولأنَّه انتِفاعٌ مُباحٌ تَجوزُ الإعارةُ مِنْ أجْلِه؛ فجازَتْ فيه الإجارةُ كَسائِرِ الكُتُبِ.

لَكنَّه لَيسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، وأفعالِ أهلِ الدِّينِ، كَما قالَ المالِكيَّةُ.

فَأمَّا سائِرُ الكُتُبِ الجائِزِ بَيعُها فتَجوزُ إجارَتُها عندَ المالِكيَّةِ، والشَّافعيَّةِ، والحَنابِلةِ؛ لأنَّه انتِفاعٌ مُباحٌ يُحتاجُ إلَيه، وتَجوزُ الإعارةُ لَه؛ فجازَتْ إجارَتُه، كَسائِرِ المَنافِعِ، ولأنَّه يَحتاجُ إلى القِراءةِ في الكُتُبِ، والتحَفُّظِ مِنها، والنَّسخِ، والسَّماعِ مِنها، والرِّوايةِ، وغَيرِ ذلك مِنْ الِانتِفاعِ المَقصودِ المُحتاجِ إلَيه.

وَلا يَجوزُ إجارةُ سائِرِ الكُتُبِ لِلقِراءةِ عندَ الحَنفيَّةِ، كَما تَقدَّمَ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٨٩، ١٩٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٥)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٥٣٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٩٦)، و «المحيط البرهاني» (٨/ ١٠٣)، و «الهندية» (٤/ ٤٢٥، ٤٥٤)، و «الذخيرة» (٥/ ٤١، ٤٤)، و «جامع الأمهات» (٤٣٥)، و «الفروق» (٤/ ٩/ ١٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٨٥، ٤٨٦)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٧، ٥٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٦٩)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «المهذب» (١/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «البيان» (٧/ ٢٩٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٨، ٩، ٧٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢٧، ٣٣٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٠٧، ٣٠٨)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٩، ٤٦٠)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٦٨، ١٦٩)، و «المغني» (٥/ ٣١٨، ٣١٩، ٣٣٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٣)، و «الكافي» (٢/ ٣٠١)، و «الإنصاف» (٦/ ٢٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٦٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٠، ٢١، ٢٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٣٠٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في ركن الإجارة ومعناها

نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ عَمَّنْ يَسْتَرْضِعُ وَلَدَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِرْضَاعُ بِالْأُجْرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ قِيلَ أَيْ الْأَجْرَ الَّذِي قَبِلْتُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦ وَهَذَا نَصٌّ وَهُوَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْلِيمُ شَرْطِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَجْرِ فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 305 - 306

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله