الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الرابعة: إجارة المراعي (الكلأ)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءةالمَسألةُ الرابِعةُ: إجارةُ المَراعي (الكَلأِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ المَراعي لِلكَلَأِ والحَشيشِ الذي بها، هل يَجوزُ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه يَجوزُ بَيعُها بعدَ حَوْزِها.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا ما يَحوزُه مِنْ الماءِ في إنائِه أو يأخُذُه مِنْ الكَلَأِ في حَبَلِه، أو يَحُوزُه في رَحلِه، أو يأخُذُه مِنْ المَعادِنِ؛ فإنَّه يَملِكُه بذلك، وله بَيعُه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ (١) على ما يَأْتي مُفصَّلًا.
فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ، والمالِكيَّةُ في قَولٍ كما سَيأتي إلى أنَّه لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي.
قالَ الحَنفيَّةُ: لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي -لكَيْ تَأكُلَها غَنَمُه ومَواشِيه مثلًا-؛ لأنَّ الإجارةَ وَردتْ على استِهلاكِ عَينٍ غيرِ مَملوكةٍ؛ فلا تَحتَمِلُ الإجارةَ، وكذا لا يَجوزُ بَيعُ المَراعي؛ لأنَّه وَردَ على ما لا يَملِكُه، لِاشتِراكِ النَّاسِ فيه اشتِراكَ إباحةٍ، لا مِلْكٍ؛ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثَلاثٍ: في الماءِ والكَلَأِ والنارِ» (٢).
وَمَعنَى الشَّرِكةِ في النَّارِ: الِاصطِلاءُ بها، وتَجفيفُ الثِّيابِ، يَعني إذا أوقَدَ رَجُلٌ نارًا فلِكُلٍّ أنْ يَصطَليَ بها، أمَّا إذا أرادَ أنْ يَأخُذَ الجَمرَ فليسَ له ذلك إلَّا بإذْنِ صاحِبِه.
(١) «المغني» (٤/ ٧١)، و «المبدع» (٤/ ٢٢)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٩١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٤).
(٢) رواه أبو داود (٣٤٧٧)، وابن ماجه (٢٤٧٢)، وزاد فيه «وثمنه حرام».
وَمَعناه في الماءِ: الشُّربُ، وسَقيُ الدَّوابِّ، والِاستِقاءُ مِنْ الآبارِ والحِياضِ، والأنهارِ المَملوكةِ.
وَفي الكَلَأِ: أنَّ له احتِشاشَه، وإنْ كانَ في أرضٍ مَملوكةٍ، غيرَ أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ أنْ يَمنَعَ مِنْ الدُّخولِ في أرضِه، وإذا مَنَعَ فلِغَيرِه أنْ يَقولَ: إنَّ لي في أرضِكَ حَقًّا؛ فإمَّا أنْ تُوَصِّلَني إليه أو تَحُشَّه أو تَستَقيَ وتَدفَعَه لي، وصارَ كَثَوبِ رَجُلٍ وقعَ في دارِ رَجُلٍ، إمَّا أنْ يَأذَنَ المالِكُ في دُخولِه لِيَأخُذَه، وإمَّا أنْ يُخرِجَه إلَيه، وإمَّا إذا أحرَزَ الماءَ بالِاستِقاءِ في آنيةٍ، والكَلَأَ بقَطعِه، جازَ حينئذٍ بَيعُهُ؛ لأنَّه ملكَه بذلك.
قالَ ابنُ نُجَيمٍ رحمة الله عليه: وظاهِرٌ أنَّ هذا إذا نَبَتَ بنَفْسِه، فأمَّا إذا كانَ سَقَى الأرضَ وأعَدَّها لِلإنباتِ، فنَبَتَ، ففي الذَّخيرةِ والمُحيطِ والنَّوازِلِ يَجوزُ بَيعُه؛ لأنَّه مِلْكُه، وهو مُختارُ الصَّدرِ الشَّهيدِ، وكَذا ذُكِرَ في اختِلافِ أبي حَنيفَةَ، فيُحمَلُ كَلامُ المُصَنِّفِ على ما إذا لَم يُعِدَّها لِلإنباتِ، ومِنه لَو حَدَّقَ حَولَ أرضِه وهَيَّأَها لِلإنباتِ حتى نَبَتَ القَصَبُ، صارَ مِلْكًا لَهُ (١).
والحِيلةُ في جَوازِها: أنْ يَستَأجِرَ مَوضِعًا مِنْ الأرضِ لِيَضرِبَ فُسطاطًا، أو لِيَجعَلَ حَظيرةً لِغَنَمِه، فحينئذٍ تَصحُّ الإجارةُ، ويُبيحُ صاحِبُ المَرعَى الِانتِفاعَ بالمَرعَى.
ثم تَفسيرُ الكَلَأِ: كلُّ ما يَنجُمُ على وَجْهِ الأرضِ، أي: يَنبَسِطُ ويَنتَشِرُ، ولا يَكونُ له ساقٌ، فهو كَلَأٌ، وما كانَ له ساقٌ فهو شَجرٌ، فعلى هذا
(١) «البحر الرائق» (٦/ ٨٤).
قالوا: الشَّوكُ الأحمَرُ، والشَّوكُ الأبيَضُ، يُقالُ لَهُ: الغَرقَدُ مِنْ الشَّجرِ، لا مِنْ الكَلَأِ، حتى لَو نَبَتَ في أرضِ إنسانٍ وأخَذَهُ غَيرُه كانَ لِصاحِبِ الأرضِ أنْ يَستَرِدَّ مِنه.
فَحاصِلُهُ: أنَّ ما يَقومُ على ساقٍ إذا نَبَتَ في أرضِ إنسانٍ فهو مِلكُه، ولا يَكونُ مُشترَكًا بينَ النَّاسِ، والشَّوكُ والشَّرَكُ كالكَلَأِ، والقِيرُ والزَّرنيخُ والفَيروزَجُ كالشَّجرِ، ومَن أخَذَ مِنْ هذه الأشياءِ ضَمِنَ (١).
وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ عن الشافِعيِّ مثلَ قَولِ الحَنفيَّةِ، قالَ: قالَ الكُوفيُّونَ: لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي ولا بَيعُها، ولا يَملِكُ الكَلَأَ صَاحِبُ الأرضِ حتى يأخُذَه فيَحُوزَه. وهو قولُ الشَّافعِيِّ (٢).
وَهو أيضًا مُعتَمَدُ مَذهبِ الحَنابِلةِ، قالوا: لا يَجوزُ بَيعُ ما يَنبُتُ في أرضِه مِنْ الكَلَأِ والشَّوْكِ؛ لأنَّ الكَلَأَ والشَّوكَ لا يُملَكُ قبلَ حِيازَتِه بما تُرادُ لَه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ: أنَّها تُملَكُ بمِلْكِ الأرضِ.
فعلى المَذهبِ لا يَجوزُ لِمالِكِ الأرضِ بَيعُ ذلك، ولا يُملَكُ بعَقدِ البَيعِ، لَكِنْ يَكونُ مُشتَريه أحَقَّ به مِنْ غَيرِه.
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٥)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٣٥٧)، و «المحيط الرباني» (٨/ ٩٧)، و «الهداية» (٩/ ١٢٢)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٨٣)، و «الدر المختار مع ابن عابدين» (٥/ ٦٧)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٣٩٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٥)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٣٥٧)، و «المحيط الرباني» (٨/ ٩٧)، و «الهداية» (٩/ ١٢٢)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٨٣)، و «الدر المختار مع ابن عابدين» (٥/ ٦٧)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٣٩٢).
وعلى المَذهبِ أيضًا مَنْ أخَذَ منه شَيئًا ملكَه؛ لأنَّه مِنْ المُباحِ فيَملِكُه آخِذُه، كَما لَو أخَذَه مِنْ أرضٍ مُباحةٍ، لَكِنْ لا يَجوزُ له دُخولُ مِلكِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِ رَبِّه، ولَوِ استَأذَنَه حَرُمَ مَنْعُه إنْ لَم يَحصُلْ ضَرَرٌ.
واختارَ ابنُ عَقيلٍ أنَّه لا يَملِكُه بأخْذِه، وخَرجَه رِوايةً مِنْ أنَّ النَّهيَ يَمنَعُ التَّمليكَ.
وَجَوابُه: أنَّ تَعَدِّيَه لا يَمنَعُ تَملُّكَه، كَما لَو عَشَّشَ في أرضِه طائِرٌ، أو دخلَ فيها صَيدٌ، أو نَضَبَ الماءُ عن سَمَكٍ، فدخلَ إليه وأخَذَه.
وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ: يَجوزُ لِمالِكِ الأرضِ التَصرُّفُ فيه بسائِرِ ما يُنقَلُ المِلْكُ؛ لأنَّه مُتوَلَّدٌ مِنْ أرضِه، وهي مَملوكةٌ لَه، وجَوَّزَ ذلك الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
قالَ في «الاختِيارات»: ويَجوزُ بَيعُ الكَلَأِ ونَحوِه، والمَوجودِ في أرضِه، إذا قَصَدَ استِنْباتَه.
وَلَه الدُّخولُ لِرَعْيِ كَلَأٍ، وأخْذِه، ونَحوِه، إذا لَم يُحَوِّطْ عليه، بلا ضَرَرٍ، نقلَه ابنُ مَنصورٍ، وقالَ: لأنَّه لَيسَ لِأحَدٍ أنْ يَمنَعَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا ما يَحوزُه مِنْ الماءِ في إنائِه أو يَأخُذُه مِنْ الكَلَأِ في حَبَلِه، أو يَحوزُه في رَحْلِه أو يَأخُذُه مِنْ المَعادِنِ؛ فإنَّه يَملِكُه بذلك، ولَه بَيعُه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَأنْ يَأخُذَ أحَدُكم حَبلًا فيَأخُذَ حُزمةً مِنْ حَطَبٍ فيَبيعَ فيَكُفَّ اللَّهُ به وَجْهَهُ خَيرٌ له مِنْ أنْ يَسألَ النَّاسَ، أُعطِيَ أو مُنِعَ». رَواه البُخاريُّ، ورَوَى أبو عُبَيدٍ في الأموالِ عن
المَشيَخةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الماءِ إلَّا ما حُمِلَ منه.
وعَلَى ذلك مَضَتِ العادةُ في الأمصارِ ببَيعِ الماءِ في الرَّوايا والحَطَبِ والكَلَأِ، مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وليسَ لِأحَدٍ أنْ يَشرَبَ منه ولا أنْ يَتوضَّأَ، ولا يَأخُذَ إلَّا بإذْنِ مالِكِه.
وَكذلك لَو وَقَفَ على بِئرٍ مُباحةٍ فاستَقى بدَلْوِه، أو بدُولابٍ، أو نَحوِه، فما يُرَقِّيه مِنْ الماءِ فهو مِلْكُه، ولَه بَيعُهُ؛ لأنَّه مِلْكُه، يَأخُذُه في إنائِه.
قالَ أحمَدُ رحمة الله عليه: إنَّما نَهَى عن بَيعِ فَضْلِ ماءِ البِئرِ، والعُيونِ، في قَرارِه.
وَيَجوزُ بَيعُ البِئرِ نَفْسِها والعَينِ، ومُشتَريها أحَقُّ بمائِها، وقَد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: مَنْ يَشتَري بِئرَ رُومةَ يُوسِّعُ بها على المُسلِمينَ، ولَه الجَنَّةُ. أو كَما قالَ، فاشتَراها عُثمانُ بنُ عَفَّانَ مِنْ يَهوديٍّ بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ، وسَبَّلَها لِلمُسلِمينَ، وكانَ اليَهوديُّ يَبيعُ ماءَها، ورُوِيَ أنَّ عُثمانَ اشترَى منه نِصْفَها باثنَيْ عَشَرَ الفًا، ثم قالَ اليَهوديُّ: اختَرْ إمَّا أنْ تَأخُذَها يَومًا وآخُذَها أنا يَومًا، وإمَّا أنْ نَنصِبَ لَكَ عليها دَلْوًا وأنْصِبَ عليها دَلْوًا. فاختارَ يَومًا ويَومًا؛ فكانَ النَّاسُ يَستَقونَ مِنها في يَومِ عُثمانَ لِيَومَيْنِ، فقالَ اليَهوديُّ: أفسَدْتَ عَلَيَّ بِئري؛ فاشتَرِ باقيَها. فاشتَراه بثَمانيةِ آلافٍ، وفي هذا دَليلٌ على صِحَّةِ بَيعِها وتَسبيلِها، وصِحَّةِ بَيعِ ما يَستَقيه مِنها، وجَوازِ قِسمةِ مائِها بالمُهايَأةِ، وكَونِ مالِكِها أحَقَّ بمِثلِها، وجَوازِ قِسمةِ ما فيه حَقٌّ وليسَ بمَملوكٍ (١).
(١) «المغني» (٤/ ٧١)، و «المبدع» (٤/ ٢٢)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٩١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٤).
وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه إلى جَوازِ أنْ يُكرِيَ الرجُلُ مَراعيَ أرضِه سَنةً واحِدةً لا أكثَرَ، جاءَ في «المُدوَّنةُ»: في الرجُلِ يُكري مَراعيَ أرضِه. قُلتُ: أرأيتَ الرجُلَ يُكرِي مَراعيَ أرضِه؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يَبيعَ الرجُلُ مَراعيَ أرْضِه سَنةً واحِدةً، ولا يَبيعُها سَنتَيْنِ، ولا ثَلاثةً، ولا يَبيعُ مَراعيَ أرضِه حتى تَطيبَ مَراعيها ويَبلُغَ الخِصبُ أنْ يُرعَى، ولا يَبيعُه قبلَ أنْ يَنبُتَ خِصبُها. أشهَبُ خالَفَه في هذا الأصْلِ (١).
وَجاءَ في البَيانِ والتَّحصيلِ لِأبي الوَليدِ بنِ رُشدٍ القُرطُبيِّ رحمة الله عليه قالَ: وسُئِلَ عن الرجُلِ تَكونُ له الأرضُ فيها العُشبُ، فيُريدُ أنْ يَحميَها، أتُرَى ذلك لَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كانَ له بها حاجةٌ، وإنْ لَم تكُنْ له بها حاجةٌ فلا أرَى ذلك لَه.
قالَ مُحمَّدُ بن رُشدٍ: الحُكمُ في الكَلَأِ يَختَلِفُ باختِلافِ مَواضِعِه، ومَواضِعُه تَنقَسِمُ إلى قِسمَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ في أرضٍ غيرِ مُتملكَةٍ.
والآخَرُ: أنْ يَكونَ في أرضٍ مُتملكَةٍ.
فَأمَّا إذا كانَ في أرضٍ غيرِ مُتملكَةٍ مثلَ الصَّحارَى والبَرارِي والفَيافِي، فلا اختِلافَ في أنَّ النَّاسَ كلَّهم فيه سَواءٌ، لَيسَ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَمنَعَه، ولا أنْ يَبيعَه وهو قائِمٌ في مَوضِعِه، لِقَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ: «لا تَمنَعوا الكَلَأَ»، وقَولِه ﷺ: «لا يُمنَعُ فَضلُ الماءِ لِيُمنَعَ به الكَلَأُ»، فنَهَى
(١) «شرح ابن بطال» (٦/ ٤٩٦).
عن مَنعِه وعَما هو ذَريعةٌ إلى مَنعِه؛ لأنَّ صاحِبَ الماشيةِ إذا مُنِعَ مِنْ الماءِ لَم يَقدِرْ على القِيامِ على الرَّعْيِ، فإنْ جاءَ رَجُلانِ لِرَعْيِ كَلَأِ هذا المَوضِعِ معًا كانا فيه أُسوةً، واختُلِفَ إنْ سَبَقَ أحَدُهما إليه فنَزَلَه وجعلَ يَرعَى ما حَولَه، أو حَفَرَ فيه بِئرًا، هَلْ يَكونُ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ دونَ الفَضلِ أو لا، على ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّه لا يَكونُ أحَقَّ بشَيءٍ مِنْ كَلَئِه، والنَّاسُ معه فيه أُسوةٌ، وهو نَصُّ قَولِ ابنِ القاسِمِ، ورِوايَتُه عن مالِكٍ في كِتَابِ حَريمِ البِئرِ مِنْ المُدوَّنةِ.
والثَّاني: أنَّه يَكونُ أحَقَّ مِنْ النَّاسِ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ الذي نَزَلَه، وجعلَ يَرعَى ما حَولَه، وإنْ لَم يَحتَفِرْ فيه بِئرًا، وهو قولُ أشهَبَ، فرَآه أحَقَّ بالسَّبقِ إلى ذلك المَوضِعِ والنُّزولِ فيه، ومَعناه: إذا انتَجَعَ إليه وقَصَدَه مِنْ بَعدِه، وأمَّا إذا مَرَّ به فنَزَلَه فلا يَكونُ لِمُجرَّدِ سَبْقِه إليه أحَقَّ بمِقدارِ حاجَتِه مِنْ كَلَئِه، واللَّهُ أعلمُ، وقَد تُؤُوِّلَ أنَّ قَولَ أشهَبَ لَيسَ مَعناهُ أنَّه جُعِلَ بمُجرَّدِ السَّبقِ إلى النُّزولِ في ذلك المَوضِعِ أحَقَّ مِنْ النَّاسِ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَئِه، وإنَّما مَعناه أنَّه جُعِلَ رَعيُه لِكَلَأِ ذلك المَوضِعِ إحياءً لَهُ؛ لأنَّه لَمَّا رَعاه صارَ له عليه يَدٌ، فيَكونُ أحَقَّ بما يَحدُثُ فيه مِنْ الكَلَأِ مَرَّةً أُخرَى، إلَّا أنْ يَفضُلَ عن حاجَتِه منه فَضلٌ، فيَكونَ النَّاسُ في الفَضلِ أُسوةً، ولا اختِلافَ في الفَضلِ على حالٍ.
والقولُ الثَّالث: أنَّه لا يَكونُ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ الذي سَبَقَ إليه بالنُّزولِ، وإنْ رَعاهُ، إلَّا أنْ يَحفِرَ فيه بِئرًا، فيَكونَ أحَقَّ بقَدْرِ
حاجَتِه مِنْ الكَلَأِ، كَما يَكونُ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ الماءِ، وهو ظاهِرُ قَولِ المُغيرةِ، وأعدَلُ الأقوالِ وأَوْلَاها بالصَّوابِ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على المُقامِ على الماءِ إذا لَم يكُنْ له في ذلك المَوضِعِ مَرعًى؛ فتَذهَبُ نَفَقَتُه في البِئرِ باطِلًا، وكذلك لَو سَبَقَ بالنُّزولِ في ذلك المَوضِعِ فبَنَى فيه بُنيانًا، أو أنفَقَ فيه نَفَقةً لَوجبَ على قياسِ هذا أنْ يَكونَ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ مِنْ غَيرِه؛ لِئَلَّا تَذهَبَ نَفَقَتُه باطِلًا، وقَد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»؛ فمِنَ الضَّررِ البيِّنِ أنْ يُدخِلَ عليه غيرَه في قَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ المَوضِعِ الذي أنفَقَ فيه نَفَقَتَه.
وأمَّا إذا كانَ الكَلَأُ في أرضٍ مُتملكَةٍ؛ فإنَّ الأرضَ المُتملكَةَ تَنقَسِمُ في ذلك إلى أربَعةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ تَكونَ مُحَظَّرةً قد حُظِرَ عليها بحِيطانٍ؛ كالجَنَّاتِ والحَوائِطِ.
والثَّاني: أنْ تَكونَ غيرَ مُحَظَّرَةٍ، إلَّا أنَّها حِماه ومُروجُه التي قد بَوَرها لِلمَرعَى وتَركَ زِراعَتَها مِنْ أجلِ ذلك.
والثَّالث: فَدادينُه وفُحوصُ أرضِه التي لَم يُبَوِّرْها لِلمَرعَى؛ وإنَّما تَركَ زِراعَتَها لِاستِغنائِه عن زِراعَتِها ولِيَجِمَّها لِلحَرْثِ، فنَبَتَ فيها الكَلَأُ.
والرَّابِعُ: العَفَا والمُسرَّحُ مِنْ أرضٍ قَريبةٍ.
فَأمَّا الأرضُ المُحَظَّرةُ التي قد حُظِّرَ عليها، كالحَوائِطِ والجَنَّاتِ فلا اختِلافَ فيما كانَ فيها مِنْ الكَلَأِ أنَّ صاحِبَه أحَقُّ به، له أنْ يَبيعَه ويَمنَعَه،
احتاجَ إليه أو لَم يَحتَجْ إلَيه، وليسَ لِأحَدٍ الدُّخولُ عليه في حائِطِه لِرَعْيٍ ولا احتِشاشٍ إلَّا بإذْنِه.
وأمَّا العَفا والمُسرَّحُ مِنْ أرضٍ قَريبةٍ، فلا اختِلافَ في أنَّه لا يَبيعُه ولا يَمنَعُ النَّاسَ عَما فَضَلَ مِنْ حاجَتِه مِنه، إلَّا أنْ يَكونَ عليه في تَخَلُّصِ النَّاسِ إليه بدَوابِّهم ومَواشِيهم ضَرَرٌ مِنْ زَرْعٍ يَكونُ له حَقٌّ إليه فيَفسُدَ عليه بالإقبالِ عليه والإدبارِ.
وأمَّا الأرضُ التي بَوَرها لِلمَرعَى وتَركَ الِانتِفاعَ بزِراعَتِها مِنْ أجلِ ذلك فقيلَ: له أنْ يَمنَعَ إنِ احتاجَ إليه لِيَرعاه، ويَبيعَ، إنْ لَم يَحتَجْ إليه مِمَّنْ يَرعاه أو يَحتَشُّه، وهو مَذهَبُ القاسِمِ، وابنِ الماجِشونِ، فإنْ لَم يَحتَجْ إليه ولا وَجَدَ مَنْ يَبيعُه منه أُجبِرَ على أنْ يُخَلِّيَ بينَ النَّاسِ وبَينَه، ولا يُباحُ له أنْ يَمنَعَ النَّاسَ مِنه، ويُترَكَ حتى يَيبَسَ ويَفسُدَ.
قيلَ: إنَّ له أنْ يَمنَعَ إنِ احتاجَ إلَيه، وليسَ له أنْ يَبيعَ، وهو قولُ أشهَبَ.
وأمَّا فُحوصُ أرْضِه وفَدادينِه التي لَم يُبَوِّرْها لِلمَرعَى؛ فقالَ ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ: له أنْ يَمنَعَ إنِ احتاجَ، وليسَ له أنْ يَبيعَ إنْ لَم يَحتَجْ إلَيه، وقالَ ابنُ الماجِشونِ: له أنْ يَمنَعَ إنْ احتاجَ، وأنْ يَبيعَ إنْ لَم يَحتَجْ إلَيه، فأشهَبُ يَرَى أنَّه لَيسَ له أنْ يَبيعَ مَراعيَ أرضِه، سواءٌ كانَ قد بَوَرها لِلكَلَأِ أو لَم يُبَوِّرْها لِذلك، وابنُ الماجِشونِ يَرَى أنَّ له أنْ يَبيعَ مَراعيَ أرضِه، سواءٌ كانَ قد بَوَرها لِلكَلَأِ أو لَم يُبَوِّرْها لِذلك، وابنُ القاسِمِ يُفرِّقُ في إجازةِ البَيعِ له إذا استَغنَى عنه بينَ الأرضِ التي بَوَرها لِلمَرعَى، وبَينَ التي لَم يُبَوِّرْها لِلمَرعَى، فتَحصُلُ في مَجموعِ الطَّرفَيْنِ ثَلاثةُ أقوالٍ، وفي كلِّ طَرَفٍ مِنها على انفِرادِه قولانِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في ركن الإجارة ومعناها
نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ عَمَّنْ يَسْتَرْضِعُ وَلَدَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِرْضَاعُ بِالْأُجْرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ قِيلَ أَيْ الْأَجْرَ الَّذِي قَبِلْتُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦ وَهَذَا نَصٌّ وَهُوَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْلِيمُ شَرْطِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَجْرِ فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]
فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ
ــ
منح الجليل
فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.
وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.