الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الرابعة: استئجار الفحل للضراب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةالمَسألةُ الرابِعةُ: استِئجارُ الفَحلِ لِلضِّرابِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ على قوليْنِ، على ما تَقدَّمَ بَيانُه في البَيعِ مُفصَّلًا:
القولُ الأولُ: قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحَنابِلةِ أنه لا يَصحُّ استِئجارُ الفَحلِ لذلك، وهو باطِلٌ وحَرامٌ، ولا يُستحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المُستَأْجِرُ لا يَلزَمُه المُسمَّى مِنْ أجْرِه، ولا أُجرةُ مِثلٍ، ولا شَيءٌ مِنْ الأموالِ؛ لأنَّه غَرَرٌ مَجهولٌ، وغَيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، ولِمَا رَوَى مُسلِمٌ عن أبي الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدَ اللَّهِ يَقولُ: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ ضِرابِ الجَمَلِ» (١).
وعنِ ابْنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن عَسْبِ الفَحْلِ» (٢). ولأنَّه لا يَتحقَّقُ تَسليمُ ذلك؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ باختِيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه،
(١) رواه مسلم (١٥٦٥).
(٢) رواه البخاري (٢٢٨٤).
ولأنَّ المَقصودَ مِنْ طَرقِ الفَحلِ إنزالُ مائِه وإنزالُ الماءِ غيرُ مُتحَقَّقٍ والعُلوقُ منه غيرُ مُتيَقَّنٍ.
والعَسْبُ: هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ في ضِرابِ الفَحلِ. وقيلَ: عَسْبُ الفَحلِ هو ماؤُه الذي يَطرُقُ به الإناثَ ويَنزو عليها (١).
والفَحلُ لُغةً: الذَّكَرُ مِنْ كلِّ حَيَوانٍ (٢).
ثم قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ -إلَّا أحمدَ في رِوايةٍ عنه- الذين مَنَعوا أخْذَ الأُجرةِ على ضِرابِ الفَحلِ: إذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَدِيَّةً، أو ساقَ إليه كَرامةً جازَ له أخْذُها؛ لأنَّه سَبَبٌ مُباحٌ، فجازَ أخْذُ الهَديَّةِ عليه، كالحِجامةِ.
وأمَّا إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه.
وَإنِ احتاجَ إنسانٌ إلى ذلك، ولَم يَجِدْ مَنْ يَطرُقُ له دَابَّتَه مَجَّانًا؛ جازَ لربِّ الدَّابَّةِ أنْ يَبذُلَ الكِراءَ؛ لأنَّه بَذْلٌ لِتَحصيلِ مَنفَعةٍ مُباحةٍ لِحاجةٍ؛ فجازَ بَذْلُ عِوَضٍ؛ دَفْعًا لِلحاجةِ، وحَرُمَ على ربِّ الفَحلِ أخْذُه العِوَضَ؛ لِلنَّهيِ السَّابِقِ (٣).
(١) «تهذيب اللغة» (٢/ ٦٨).
(٢) «لسان العرب» (١١/ ٥١٦).
(٣) «العناية شرح الهداية» (١٢/ ٣٩٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٤/ ١٠٢)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٥، ٣٩٦)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و «شرح السنة» (٨/ ١٣٨)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٤/ ١٠١)، و «شرح مسلم» (١٠/ ٢٣٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٠)، و «المغني» (٤/ ١٤٨)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٢)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٢٠)، و «المبدع» (٤/ ٢٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٦٢)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٠٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٨٦)، و «زاد المعاد» (٥/ ٧٩٤)، و «نيل الأوطار» (٦/ ٢٣).
القولُ الثَّاني: هو قولُ المالِكيَّةِ وابنِ عَقيلٍ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، إذا كانَ على دُفُعاتٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنافِعِ الفَحلِ، ونَزْوِه على الأُنثَى، وهي مَنفَعةٌ مَقصودةٌ، وماءُ الفَحلِ يَدخُلُ تَبَعًا، والأغلَبُ حُصولُه عُقَيْبَ نَزْوِه، فيَكونُ كالعِقدِ على الظِّئرِ لِيَحصُلَ اللَّبنُ في بَطنِ الصَّبيِّ، وكَما لَوِ استَأجَرَ أرضًا وفيها بِئرُ ماءٍ؛ فإنَّ الماءَ يَدخُلُ تَبَعًا، وقَد يُغتَفَرُ في الأتباعِ ما لا يُغتَفَرُ في المَتبوعاتِ.
والنُّهيُ الوارِدُ مَحمولٌ على التَّنزيهِ، والحَثِّ على مَكارِمِ الأخلاقِ. وليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ أنْ يُؤخَذَ على ذلك أجْرٌ، فإنْ فعلَ لَم تُفسَخِ الإجارةُ، وإنْ أخَذَها لَم تُرَدَّ مِنه (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا مالِكٌ فحُكيَ عنه جَوازُه، والذي ذكرَه أصحابُه التَّفصيلَ، فقالَ صاحِبُ الجَواهِرِ، في بابِ فَسادِ العَقدِ مِنْ جِهةِ نَهيِ الشَّارِعِ، ومِنها بَيعُ عُسْبِ الفَحلِ، ويُحمَلُ النَّهيُ فيه على استِئجارِ الفَحلِ على لَقاحِ الأُنثَى، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، فأمَّا أنْ يَستَأجِرَه على أنْ يَنزُوَ عليها دُفُعاتٍ مَعلومةً فذلك جائِزٌ؛ إذ هو أمَدٌ مَعلومٌ في نَفْسِه، ومَقدورٌ على تَسليمِه.
(١) «الذخيرة» (٥/ ٤١٣، ٤١٤)، و «التبصرة» (١٠/ ٤٩٧١)، و «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٦٧٢)، و «شرح ابن بطال» (٦/ ٤١٢).
والصَّحيحُ: تَحريمُه مُطلَقًا، وفَسَادُ العَقدِ به على كلِّ حالٍ، ويَحرُمُ على الآخَرِ أخْذُ أُجرةِ ضِرابِه، ولا يَحرُمُ على المُعطي؛ لأنَّه بذلَ مالَه في تَحصيلِ مُباحٍ يَحتاجُ إلَيه، ولا يَمنَعُ مِنْ هَذا، كَما في كَسْبِ الحَجَّامِ، وأُجرةِ الكَسَّاحِ، والنَّبيُّ ﷺ نَهَى عَما يَعتادونَه مِنْ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ، وسَمَّى ذلك بَيعَ عُسْبِه، فلا يَجوزُ حَملُ كَلامِه على غيرِ الواقِعِ والمُعتادِ، وإخلاءِ الواقِعِ مِنْ البَيانِ، مع أنَّه الذي قُصِدَ بالنَّهيِ، ومِنَ المَعلومِ أنَّه لَيسَ لِلمُستَأجِرِ غَرَضٌ صَحيحٌ في نَزْوِ الفَحلِ على الأُنثَى، الذي له دُفُعاتٌ مَعلومةٌ؛ وإنَّما غَرَضُه نَتيجةُ ذلك وثَمرَتُه، ولِأجلِه بذلَ مالَه، وقَد عُلِّلَ التَّحريمُ بعِدَّةِ عِلَلٍ:
إحداها: أنَّه لا يُقدَرُ على تَسليمِ المَعقودِ عليه، فأشبَهَ إجارةَ الآبِقِ، فإنَّ ذلك مُتعلِّقٌ باختيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه.
الثَّانيةُ: أنَّ المَقصودَ هو الماءُ، وهو ممَّا لا يَجوزُ إفرادُه بالعَقدِ؛ فإنَّه مَجهولُ القَدْرِ والعَينِ، وهذا بخِلافِ إجارةِ الظِّئرِ؛ فإنَّها احتُمِلَتْ بمَصلَحةِ الآدَميِّ؛ فلا يُقاسُ عليها غَيرُها.
وقد يُقالُ -واللَّهُ أعلمُ- إنَّ النَّهيَ عن ذلك مِنْ مَحاسِنِ الشَّريعةِ وكَمالِها؛ فإنَّ مُقابَلةَ ماءِ الفَحلِ بالأثمانِ وجَعلَه مَحَلًّا لِعُقودِ المُعاوَضاتِ ممَّا هو مُستَقبَحٌ ومُستَهجَنٌ عندَ العُقَلاءِ، وفاعِلُ ذلك عِندَهم ساقِطٌ مِنْ أعيُنِهم في أنْفُسِهم، وقَد جعلَ اللَّهُ سُبحانَه فِطَرَ عِبادِه -لاسيَّما المُسلِمينَ- ميزانًا لِلحَسَنِ والقَبيحِ، فما رَآه المُسلِمونَ حَسَنًا فهو عندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وما رَآه المُسلِمونَ قَبيحًا فهو عندَ اللَّهِ قَبيحٌ.
وَيَزيدُ هذا بَيانًا أنَّ ماءَ الفَحلِ لا قِيمةَ لَه، ولا هو ممَّا يُعاوَضُ عليه، ولِهَذا لَو نَزَا فَحلُ الرجُلِ على رَمَكةِ غَيرِه فأوْلَدَها، فالوَلَدُ لِصاحِبِ الرَّمَكةِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لَم يَنفَصِلْ عن الفَحلِ إلَّا مُجرَّدُ الماءِ، وهو لا قِيمةَ لَه.
فَحرَّمَتْ هذه الشَّريعةُ الكامِلةُ المُعاوَضةَ على ضِرابِه لِيَتَناوَلَه النَّاسُ بَينَهم مَجَّانًا؛ لِمَا فيه مِنْ تَكثيرِ النَّسلِ المُحتاجِ إليه مِنْ غيرِ إضرارٍ بصاحِبِ الفَحلِ، ولا نُقصانٍ مِنْ مالِه، فمِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ إيجابُ بَذْلِ هذا مَجَّانًا، كَما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ مِنْ حَقِّها إطراقُ فَحلِها وإعارَةُ دَلْوِها» (١). فهذه حُقوقٌ يَضُرُّ بالنَّاسِ مَنعُها إلا بالمُعاوَضةِ، فأوجَبَتِ الشَّريعةُ بَذْلَها مَجَّانًا.
فَإنْ قيلَ: فإذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَدِيَّةً أو ساقَ إليه كَرامةً فهَل له أخْذُها؟ قيلَ: إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه، وإنْ لَم يكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به، قالَ أصحابُ أحمدَ، والشافِعيُّ، وإنْ أعطَى صاحِبَ الفَحلِ هَدِيَّةً أو كَرامةً مِنْ غيرِ إجارةٍ جازَ، واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثٍ رُوِيَ عن أنَسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: إذا كانَ إكرامًا فلا بَأْسَ، ذكرَه صاحِبُ المُغني، ولا أعرِفُ حالَ هذا الحَديثِ ولا مَنْ أخرَجَه، وقَد نَصَّ أحمَدُ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ على خِلافِه، فقيلَ لَهُ: ألَا يَكونُ مثلَ الحَجَّامِ يُعطَى، وإنْ كانَ مَنهيًّا عَنهُ؛ فقالَ: لَم يَبلُغْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى في مِثلِ هذا شَيئًا، كَما بَلَغَنا في الحَجَّامِ.
(١) رواه مسلم (٩٨٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في ركن الإجارة ومعناها
نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ عَمَّنْ يَسْتَرْضِعُ وَلَدَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِرْضَاعُ بِالْأُجْرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ قِيلَ أَيْ الْأَجْرَ الَّذِي قَبِلْتُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦ وَهَذَا نَصٌّ وَهُوَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْلِيمُ شَرْطِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَجْرِ فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.