الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الرابعة: استئجار المسلم لحمل الخمر أو الخنزير
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالمَسألةُ الرَّابِعةُ: استِئجارُ المُسلِمِ لِحَملِ الخَمرِ أو الخِنزيرِ:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُستأجَرَ لِحَملِ خَمرٍ، سواءٌ كانَ لِنَصرانيٍّ أو لِمُسلِمٍ؛ «لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ في الخَمرِ عَشَرةً، وعَدَّ منها حامِلَها»؛ ولأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ، لأنَّ الخَمرَ تُحمَلُ لِلشُّربِ، وهو مَعصيةٌ، والاستِئجارُ على المَعصيةِ لا يَجوزُ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]؛ ولأنَّه عَقدٌ على إجارةٍ على فِعلِ مَحظورٍ، فلَم يَجُزْ، أصْلُه إذا اكتَرى غُلامًا لِيَلوطَ به، أو أَمَةً لِيَزنيَ بها.
وَجاءَ في «المُدوَّنةِ»: ما جاءَ في إجارةِ الخَمرِ:
قُلتُ: أرَأيتَ مُسلِمًا آجَرَ نَفْسَه مِنْ نَصرانيٍّ يَحمِلُ له خَمرًا على دابَّتِه، أو على نَفْسِه، أيَكونُ له مِنْ الأجْرِ شَيءٌ، أم تَكونُ له إجارةُ مِثلِه؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا تَصلُحُ هذه الإجارةُ، ولا أرَى مِنْ الإجارةِ التي سَمَّى، ولا مِنْ إجارةِ مِثلِه، قَليلًا ولا كَثيرًا؛ لأنَّ مالِكًا قالَ لي في الرجُلِ المُسلِمِ يَبيعُ خَمرًا: لا أرَى أنْ يُعطَى مِنْ ثَمنِها قَليلًا ولا كَثيرًا؛ فالكِراءُ عِندي بهذه المَنزِلةِ، لا أرَى أنْ يُعطَى مِنْ الإجارةِ قَليلًا ولا كَثيرًا.
قُلتُ لَهُ: وكذلك إنْ آجَرَ حانُوتَه مِنْ نَصرانيٍّ يَبيعُ فيه خَمرًا؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا خَيرَ في ذلك، وأرَى الإجارةَ باطِلةً.
قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: فأرَى كلَّ مُسلِمٍ آجَرَ نَفْسَه أو غُلامَه أو دَابَّتَه أو دارَه أو بَيتَه أو شَيئًا ممَّا يَملِكُه في شَيءٍ مِنْ الخَمرِ، فلا أرَى له مِنْ الإجارةِ
قَليلًا ولا كَثيرًا، ولَكِنْ يُفعَلُ فيه إنْ كانَ قَبَضَ أو لَم يَقبِضْ ما وصَفتُ لَكَ في ثَمنِ الخَمرِ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: ولا تَجوزُ الإجارةُ على المَنافِعِ المُحرَّمةِ، مِثلَ: أنْ يَستأجِرَ رَجُلًا لِيَحمِلَ له خَمرًا لِغَيرِ الإراقةِ؛ لِقَولِه ﷺ: «لَعَنَ اللهُ الخَمر، وحامِلَها». وإذا كانَ حَملُها مُحرَّمًا قُلْنا: مَنفعَتُها مُحرَّمةٌ، فلَم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عليها، كالمَيْتَةِ، والدَّمِ.
وإنِ استَأجَرَه على حَملِ خَمرٍ لِإراقَتِها صَحَّتِ الإجارةُ؛ لأنَّ إراقَتَها واجِبةٌ، وكذا حَملُ الخَمرِ المُحرَّمةِ فجائِزٌ، كنَقلِ المَيْتةِ إلى المَزبَلةِ.
وكما يَحرُمُ أخْذُ الأُجرةِ على المُحرَّمِ يَحرُمُ إعطاؤُها، إلا لِضَرورةٍ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ الِاستِئجارُ على حَملِ الخَمرِ لِمَنْ يَشرَبُها، ولا على حَملِ خِنزيرٍ ولا مَيْتةٍ لِذلك، وبِهَذا قالَ أبو يُوسفَ، ومُحمَّدٌ، والشافِعيُّ، وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَجوزُ؛ لأنَّ العَملَ لا يَتعيَّنُ عليه، بدَليلِ أنَّه لَو حَمَلَه جازَ، ولأنَّه لَو قَصَدَ إراقَتَه أو طَرْحَ المَيْتةِ جازَ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ فيمَن حَمَلَ خِنزيرًا أو مَيْتةً أو خَمرًا لِنَصرانيٍّ: أكرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولَكِنْ يُقضَى لِلجَمَّالِ بالكِراءِ، فإذا كانَ لِمُسلِمٍ فهو أشَدُّ.
قالَ القاضي رحمة الله عليه: هذا مَحمولٌ على أنَّه استَأجَرَه لِيُرِيقَها، فأمَّا لِلشُّربِ فمَحذورٌ، ولا يَحِلُّ أخْذُ الأُجرةِ عليه، وهذا التَّأويلُ بَعيدٌ؛ لِقَولِهِ:
(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٢٤، ٤٢٥)، و «الإشراف» (٣/ ٢٢٢، ٢٢٣) رقم (١٠٧٢).
(٢) «البيان» (٧/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨).
أكرَهُ أكْلَ كِرائِه، وإذا كانَ لِمُسلِمٍ فهو أشَدُّ، ولَكنَّ المَذهَبَ خِلافُ هذه الرِّوايةِ؛ لأنَّه استِئجارٌ لِفِعلٍ مُحرَّمٍ؛ فلَم يَصحَّ، كالزِّنا، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ حامِلَها والمَحمولةَ إلَيهِ (١).
وَذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه إلى جَوازِ استِئجارِ المُسلِمِ لِحَملِ الخَمرِ لِلذِّميِّ؛ لأنَّ الإجارةَ على الحَملِ، وهو لَيسَ بمَعصيةٍ، بدَليلِ أنَّ حَمْلَها لِلإراقةِ والتَّخليلِ مُباحٌ، وكَذا لَيسَ بسَبَبٍ لِلمَعصيةِ، وهو الشُّربُ؛ لأنَّ ذلك يَحصُلُ بفِعلِ فاعِلٍ مُختارٍ، وليسَ الحَملُ مِنْ ضَروراتِ الشُّربِ، فكانَتْ سَبَبًا مَحضًا؛ فلا حُكمَ لَه، كَما إذا استَأجَرَه لِعَصرِ العِنَبِ أو قَطْعِه وقَطْفِه، والحَديثُ مَحمولٌ على الحَملِ بنِيَّةِ الشُّربِ، وبِه نَقولُ: إنَّ ذلك مَعصيةٌ، ويُكرَهُ أكْلُ أُجرَتِه.
وَلا يَجوزُ استِئجارُه على عَصرِ الخَمرِ؛ لِقيامِ المَعصيةِ بعَيْنِه.
وعلى هذا الخِلافِ لَو آجَرَ الذِّميُّ دَابَّةً مِنْ المُسلِمِ أو سَفينةً لِيَنقُلَ عليها الخَمرَ، أو آجَرَه نَفْسَه لِيَرعَى له الخَنازيرَ يَطيبُ له الأجْرُ عندَ أبي حَنيفَةَ، وعِندَهُما: لا.
وَإنِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا لِشَيءٍ مِنْ ذلك فهو جائِزٌ، وكذلك لَو استَأجَرَه يَرعَى له خَنازيرَ؛ لأنَّ الخَمرَ والخِنزيرَ مالٌ مُتقَوَّمٌ في حَقِّهم بمَنزِلةِ الشَّاةِ والبَعيرِ في حَقِّنا (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٣٢٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٩)، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢٤٤، ٢٤٦)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٨٥).
(٢) «المبسوط» (١٦/ ٣٨، ٣٩)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ١٩٠)، و «المحيط البرهاني» (٨/ ٨٤)، و «ابن عابدين» (٦/ ٣٩٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشركة
٨٢٧ - مسألة؛ قال: (وشركة الأبدان جائزة)
المُضَارَبةِ، فإنَّه يَقَعُ فاسِدًا، وعليه الضَّمانُ؛ لأنَّ عَقْدَ الوَكِيلِ يَقَعُ للمُوَكِّلِ، والمُسْلِمُ لا يَثْبُتُ مِلْكُه على الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى به مَيْتَةً، أو عَامَلَ بالرِّبا، وما خَفِىَ أمْرُه فلم يُعْلَمْ، فالأصْلُ إبَاحَتُه وحِلُّه. فأمَّا المَجُوسِىُّ، فإنَّ أحمدَ كَرِهَ مُشَارَكَتَه ومُعَامَلَتَهُ، قال: ما أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ ومُعَامَلَتَهُ؛ لأنَّه يَسْتَحِلُّ ما لا يَسْتَحِلُّ هذا. قال حَنْبَلٌ: قال عَمِّى: لا تُشَارِكْه ولا تُضَارِبْه. وهذا واللهُ أعْلَمُ على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، لِتَرْكِ مُعَامَلَتِه والكَراهَةِ لِمُشَارَكَتِه، وإنْ فَعَلَ صَحَّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ.
٨٢٧ - مسألة؛ قال: (وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ جَائِزَةٌ)
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.