المسألة السادسة: أخذ الأجرة على الأذان والإقامة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة السادسة: أخذ الأجرة على الأذان والإقامة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

المسألة السادسة: أخذ الأجرة على الأذان والإقامة - الأقوال والأدلة

أحَدٍ، ولا أذِنَ فيه، والشَّاذُّ جَوازُه. وكَأنَّه رَأى أنَّ ذلك مِنْ التَّعاوُنِ على الطَّاعةِ، وعَلَى كِلَا القوليْنِ تَلزَمُه إنْ وَقَعَتْ؛ مُراعاةً لِلخِلافِ، وأفهَمُ جَوازَه لِلعاجِزِ، وهو كذلك (١).

المَسألةُ السادِسةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامةِ:

اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامةِ، هل يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليها أو لا؟ على قوليْنِ:

فذَهَبَ مُتقدِّمو الحَنفيَّةِ -أبو حَنيفَةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ- والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ (والظَّاهِرِيَّةُ) إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الأذانِ؛ لِحَديثِ عُثمانَ بْنِ أَبِي العَاصِ رضي الله عنه: قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجعَلْنِي إمَامَ قَوْمي. فقالَ: «أنتَ إمَامُهُم، واقْتَدِ بأَضْعَفِهِمْ، واتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أَذَانهِ أجْرًا» (٢). فَلَو كانَ أخْذُ الأجْرِ على الأذانِ جائِزًا لَمَا مَنَعَه أنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَأخُذُ عليه أجْرًا، ولأنَّه قُربةٌ لِفاعِلِه لا يَصحُّ إلَّا مِنْ مُسلِمٍ، فلَم يَستَأجِرْه عليه، كالإمامةِ.

قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا. فكلُّ طاعةٍ يَختَصُّ بها المُسلِمُ فالِاستِئجارُ عليها باطِلٌ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٩٦)، و «منح الجليل» (٢/ ٢١٤).
(٢) رواه أبو داود (٦٣١)، والترمذي (٢٠٩)، والنسائي (٦٧٢)، وابن ماجه (٧١٤)، وأحمد (٤/ ٢١).

وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ -في الأصَحِّ- وأحمَدُ -في رِوايةٍ- ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتوَى- إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الأذانِ؛ لأنَّه عَملٌ مَعلومٌ، يَجوزُ أخْذُ الرِّزقِ عليه، فجازَ أخْذُ الأُجرةِ عليه، كَسائِرِ الأعمالِ، وسَواءٌ كانَتِ الأُجرةُ مِنْ بَيتِ المالِ، كَما فعلَ عُمرُ رضي الله عنه، أو مِنْ آحادِ النَّاسِ على المَشهورِ عندَ المالِكيَّةِ، ومَنَعَها ابنُ حَبيبٍ مِنْ آحادِ النَّاسِ على الأذانِ.

قالَ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: وقَدِ استَدَلَّ عُلماؤُنا على أخْذِ الأُجرةِ بحَديثِ أبي مَحذورةَ، وفيه نَظَرٌ، أخرَجَه النَّسائيُّ وابنُ ماجَه وغَيرُهُما، قالَ: خَرَجْتُ في نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسولِ اللَّهِ بِالصَّلَاةِ عندَ رَسولِ اللَّهِ ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ المُؤَذِّنِ وَنَحْنُ عنه مُتنَكِّبُونَ، فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ، نَهْزَأُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسولُ اللَّهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا قَوْمًا فَأَقْعَدُونَا بينَ يَدَيْهِ، فقالَ: أَيُّكُمُ الذي سَمِعتُ صَوْتَهُ قدِ ارْتَفَعَ؟ فَأَشَارَ إلَيَّ القَوْمُ كلُّهم، وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَ كلَّهُم وَحَبَسَنِي، وقالَ لي: قُمْ فَأَذِّنْ. فَقُمْتُ ولا شَيْءَ أَكْرَهُ إلَيَّ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ، ولا ممَّا يَأْمُرُنِي بِهِ، فَقُمْتُ بينَ يَدَيْ رَسولِ اللَّهِ ، فَالقَى عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ التَّأْذِينَ هو بِنَفْسِهِ، فقالَ: قُلِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ. ثم قالَ لي: ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ

اللَّهِ، حَيَّ على الصَّلَاةِ، حَيَّ على الصَّلَاةِ، حَيَّ على الفَلَاحِ، حَيَّ على الفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ.

ثم دَعَانِي حينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّةً فيها شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثم وَضَعَ يَدَهُ على نَاصِيَةِ أبي مَحْذُورَةَ، ثم أَمَرَّهَا على وَجْهِهِ، ثم على ثَدْيَيْهِ، ثم على كَبِدِهِ، ثم بَلَغَتْ يَد رَسولِ اللَّهِ سُرَّةَ أبي مَحْذُورَةَ، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ : بَارَكَ اللهُ لكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ. فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرْتَنِي بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ. قالَ: نَعَمْ، قد أَمَرْتُكَ. فذهبَ كلُّ شَيْءٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ كَرَاهِيَةٍ، وَعَادَ ذلك كلُّهُ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَدِمْتُ على عَتَّابِ بنِ أُسَيدٍ عَامِلِ رَسولِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنْتُ معه بِالصَّلَاةِ عن أَمْرِ رَسولِ اللَّهِ » (١) لَفظُ ابنِ ماجَه (٢).

ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ على جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه؛ لأنَّ بالمُسلِمينَ حاجةً إليه، وقد لا يُوجَدُ مُتطوِّعٌ به، وإنْ لَم يُدفَعِ الرِّزقُ فيه يُعَطَّلْ، والإمامُ يَرزُقُه مِنْ الفَيْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ لِلمَصالِحِ، فهو كأرزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ وإنْ وُجِدَ مُتطوِّعٌ به لَم يُرزَقْ غَيرُه؛ لِعَدَمِ الحاجةِ إليه (٣).

(١) رواه ابن ماجه (٧٠٨)، والنسائي (٦٣٢)، وأحمد (١٥٤١٧).
(٢) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٣١، ٢٣٢).
(٣) «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٤، ١٢٥)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٠٠)، و «شرح مشكل الآثار» (١٥/ ٢٦٣، ٢٦٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١١٩)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٥، ٥٦)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٣٦)، و (٢/ ٢٩٦)، و «منح الجليل» (٢/ ٢١٤)، و «بداية المجتهد» (١/ ٧٩)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٥٩، ٦٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨)، والمجموع (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، و «البيان» (٢/ ٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٣٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» للبيهقي (٤/ ١٦٨)، والإفصاح (٢/ ٣٢)، و «المغني» (١/ ٢٤٩)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)

يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 431 - 433

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله