الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > الواجب في الإجارة الفاسدة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةالواجِبُ في الإجارةِ الفاسِدةِ:
ذَهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّه إذا اختَل رُكنٌ أو شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الإجارةِ فَسَدَتِ الإجارةُ، ويَجِبُ فَسخُها، ولا أُجرةَ فيها قبلَ العَملِ؛ فإذا تَمَّتِ الإجارةُ مع فَسادِها، فاختَلفَ الفُقهاءُ ما الذي يَجِبُ فيها، هَلْ يَجِبُ أُجرةُ المِثلِ بالِغةً ما بَلَغَتْ، أو يَجِبُ أُجرةُ المِثلِ لا تُجاوِزُ المُسمَّى؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإجارةَ إذا فَسَدَتْ وكانَتِ الأُجرةُ لَم تُسَمَّ، أو كانَتْ مَجهولةً، كَما إذا استَأجَرَ على دَابَّةٍ، أو ثَوبٍ، أوِ استَأجَرَ دارًا على أنْ يَعمُرَها؛ فإنَّه يَجِبُ أجْرُ المِثلِ بالِغًا ما بَلَغَ، إجماعًا، وكَذا إذا استَأجَرَ أجيرًا ولَم يُسَمِّ له أجْرًا، يَجِبُ له أجْرُ المِثلِ بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ فيه تَسميةُ الأجْرِ لا يَرضَى باستِيفاءِ المَنافِعِ بغَيرِ بَدَلٍ، كانَ ذلك تَمليكًا بالقِيمةِ التي هي المُوجِبُ الأصلِيُّ دِلالةً، فكانَ تَقويمًا لِلمَنافِعِ بأجْرِ المِثلِ؛ إذْ هو قِيمةُ المَنافِعِ في الحَقيقةِ.
وَلا يثبُتُ في هذه الإجارةِ شَيءٌ مِنْ الأحكامِ التي هي مِنْ التَّوابِعِ، إلَّا ما يَتعلَّقُ بصِفةِ المُستَأجِرِ له فيه، وهي كَونُه أمانةً في يَدِ المُستَأجِرِ، حتى لَو هَلَكَ لا يَضمَنُ؛ لِحُصولِ الهَلاكِ في قَبضٍ مَأذونٍ له فيه مِنْ قِبَلِ المُؤاجِرِ.
وأمَّا الإجارةُ الباطِلةُ، وهي التي فاتَها شَرطٌ مِنْ شَرائِطِ الِانعِقادِ، فلا حُكمَ لَها رَأْسًا؛ لأنَّ ما لا يَنعَقِدُ، وُجودُه في حَقِّ الحُكمِ، وعَدَمُه بمَنزِلةٍ واحِدةٍ، وهو تَفسيرُ الباطِلِ مِنْ التَصرُّفاتِ الشَّرعيةِ؛ كالبَيعِ ونَحوِه.
فَلا تَلزَمُ الأُجرةُ في الإجارةِ الباطِلةِ باستِعمالِ المَأجورِ واستِيفاءِ
المَنفَعةِ مِنه، ولَو كانَ المَأجورُ مُعَدًّا لِلِاستِغلالِ؛ لأنَّ الإجارةَ لَمَّا كانَتْ حينئذٍ باطِلةً وغَيرَ مُنعَقِدةٍ أصْلًا، كانَ ما في ضِمنِها باطِلًا أيضًا، ويَكونُ انتِفاعُ المُستَأجِرِ بالمَأجورِ بدُونِ عَقدٍ.
لَكِنْ تَلزَمُ أُجرةُ المِثلِ إذا كانَ المَأجورُ في الإجارةِ الباطِلةِ مالَ وَقْفٍ أو يَتيمٍ، بالِغةً ما بَلَغَتْ، وكَذا مالُ المَجنونِ.
حَتَّى إنَّه إذا اشترَى إنسانٌ دارًا فظَهرَ أنَّها مِلكٌ لِيَتيمٍ، أو وَقفٌ بعدَ أنْ سَكَنَها مدَّةً يَجِبُ عليه أداءُ أُجرةِ المِثلِ لِتلك المدَّةِ. وقَد أفتَى بذلك الفُقهاءُ المُتأخِّرونَ مِنْ الحَنفيَّةِ حِفظًا لِمالِ اليَتيمِ والوَقْفِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: الإجارةُ الباطِلةُ كما لو استَأجَرَ الصَّبيُّ بالِغًا على عَملٍ فعَمِلَه فإنَّه لا يَستَحقُّ شَيئًا؛ لأنَّه الذي فَوَّتَ على نَفْسِه عَملَه، وتَكونُ الإجارةُ باطِلةً لا فاسِدةً (٢).
واختَلفوا فيما لَو كانَتِ الأُجرةُ مَعلومةً، ولَكِنِ اختَل شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها، كَما لَو كانَ المُسمَّى خَمرًا أو خِنزيرًا، إلخ.
فذهبَ الحَنفيَّةُ -ما عَدا زُفَرَ- إلى أنَّ الواجِبَ في الإجارةِ الفاسِدةِ أُجرةُ المِثلِ، لا يَتجوَزُ بها المُسمَّى؛ لِرِضاهُما به، كَما لَو كانَ المُسمَّى تِسعَمِئةٍ، وكانَتْ أُجرةُ مِثلِه ألفًا، فلا يَأخُذُ إلَّا تِسعَمِئةٍ، ولا يُزادُ على المُسمَّى؛ لأنَّ المَنافِعَ لا قِيمةَ لَها إلَّا بعَقدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ ضَرورةً؛ لِحاجةِ
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢١٨)، و «درر الحكام» (١/ ٤٣٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٢١، ٤٢٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٩٥).
النَّاسِ، وقَد قَوَّمَها في العَقدِ بما سَمَّيَا، ويَكونُ ذلك إسقاطًا لِلزِّيادةِ؛ لأنَّها لَو وجبَتِ الزِّيادةُ على المُسمَّى، لَوجبَتْ بلا عَقدٍ، وإنَّها لا تُتَقوَّمُ إلَّا بعَقدٍ، بخِلافِ البَيعِ الفاسِدِ؛ فإنَّ الذي بِيعَ بَيعًا فاسِدًا مَضمونٌ بقِيمَتِه، بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّ الضَّمانَ هُناكَ بمُقابَلةِ العَينِ؛ والأعيانُ مُتقَوَّمةٌ بنَفْسِها، فوجبَ كلُّ قِيمَتِها، فإذا بَطَلَ المُسمَّى يَصيرُ كَأنَّها تَلِفَتْ بغَيرِ عَقدٍ؛ وتَجِبُ القِيمةُ (١).
وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يَجِبُ أُجرةُ المِثلِ في الإجارةِ الفاسِدةِ، بالِغةً ما بَلَغتْ، سَواءٌ زادَتْ على المُسمَّى أو نَقَصتْ، وسَواءٌ كانَتِ الأُجرةُ مَعلومةً أو مَجهولةً؛ لأنَّ المَنافِعَ أحَدُ نَوعَيِ المُعاوَضاتِ؛ كالأعيانِ، وقد ثبَتَ أنَّه لوِ ابتاعَ بَيعًا فاسِدًا فأتلَفَه، أنَّ عليه قِيمَتَه، كذلك الإجارةُ، ولأنَّها مَنفَعةٌ استُوفِيَتْ بعَقدٍ فاسِدٍ مَقصودٍ بالمُعاوَضةِ، فوجبَ أنْ يَلزَم أُجرةُ المِثلِ، كما لو كانَتْ أقَلَّ مِنْ المُسمَّى (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢١٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٧٣)، و «اللباب» (١/ ٤٩٥)، و «درر الحكام» (١/ ٤٣٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٤٩).
(٢) «الإشراف» (٣/ ٢١١) رقم (١٠٥٧)، و «المعونة» (٢/ ١٠٩)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٤٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٦٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٥٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و «البيان» (٧/ ٣٣٣، ٣٣٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٢١، ٤٢٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٧٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٩٥)، و «الديباج» (٢/ ٤٩١)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٣٣)، و «المغني» (٥/ ٢٥٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٤٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٥٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.
فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]
فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ
ــ
منح الجليل
فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.
وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.