من دفع إلى غيره شيئا ليعمله من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجرة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > من دفع إلى غيره شيئا ليعمله من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

من دفع إلى غيره شيئا ليعمله من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجرة - الأقوال والأدلة

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: التَّحقيقُ أنَّ المُتعاقدَيْنِ إنْ عَرفَا المَقصودَ انعَقدَتْ بأيِّ لَفظٍ كانَ مِنْ الألفاظِ التي عَرفَ بها المُتعاقدانِ مَقصودَهما، وهذا عامٌّ في جَميعِ العُقودِ؛ فإنَّ الشَّارِعَ لَم يَحُدَّ حَدًّا لِألفاظِ العُقودِ، بَلْ ذكرَها مُطلَقةً، فكَما تَنعقِدُ العُقودُ بما يَدلُّ عليها مِنْ الألفاظِ الفارِسيةِ والرُّوميَّةِ وغَيرِهما مِنْ الألسُنِ العَجَميَّةِ، فهي تَنعقِدُ بما يَدلُّ عليها مِنْ الألفاظِ العَربيَّةِ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وهذا قولُ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وهو أحَدُ القوليْنِ في مَذهبِ أحمدَ، قالَ شَيخُنا: بل نُصوصُ أحمدَ لا تَدُلُّ إلا على هذا القَولِ (٢).

مَنْ دفعَ إلى غَيرِه شَيئًا لِيَعمَلَه مِنْ غيرِ عَقدٍ ولا شَرطٍ ولا تَعريضٍ بأُجرةٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا مِنْ غيرِ عَقدٍ ولا شَرطٍ ولا تَعريضٍ بأجْرٍ، ولَم يَكُنْ مُتبرِّعًا، هَلْ يَستَحقُّ أُجرةً لِما عَمِلَه أو لا؟

فذهبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ كلَّ مَنْ عَمِلَ لِغَيرِه مِنْ مالٍ أو غَيرِه، بأمرِه أو بغَيرِ أمرِه، نَفَذَ ذلك؛ فإنْ كانَ مُتبرِّعًا لَم يَرجِعْ به، أو غيرَ مُتبرِّعٍ، وهو مَنفَعةٌ، فلَه أُجرةُ مِثلِه، أو مالٌ، فلَه أخذُه مِمَّنْ دفعَه عنه، بشَرطِ أنْ يَكونَ المَعمولُ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٣٣).
(٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٣).

له لا بدَّ له مِنْ عَملِ ذلك بالِاستِئجارِ، أو إنفاقِ ذلك المالِ؛ أمَّا إنْ كانَ شَأنُه فِعلَه إيَّاه بغَيرِ استِئجارٍ لِنَفْسِه، أو لِغُلامِه، وتَحصُلُ تلك المَصلَحةُ بغَيرِ مالٍ، فلا غُرمَ عليه، والقولُ قولُ العامِلِ في عَدَمِ التَّبرُّعِ.

قالَ القَرافيُّ رحمة الله عليه: وهذه قاعِدةُ مَذهبِ مالِكٍ، نَصَّ عليها ابنُ أبي زَيدٍ في «النَّوادِرِ»، وصاحِبُ «الجَواهرِ»، في كِتابِ الإجاراتِ، ولا تَختَصُّ هذه القاعِدةُ بما يَجِبُ على المَدفوعِ عَنهُ؛ كالدَّيْنِ، بَلْ يَندَرِجُ فيها غَسلُ الثَّوبِ وخِياطَتُه ورَمْيُ التُّرابِ مِنْ الدَّارِ، ونَحوُ ذلك، على الشُّروطِ المُتقدِّمةِ، ويُجعَلُ مالِكُ لِسانِ الحالِ قائِمًا مَقامَ لِسانِ المَقالِ، فكَأنَّه أذِنَ له في ذلك بلِسانِ مَقالِه، وخالَفَنَا الشافِعيُّ في هذه القاعِدةِ وجعلَ الأصْلَ في فِعلِ الآخرينَ التَّبرُّعَ.

وَإذا لَم يَأذَنْ له المَدفوعُ عنه بلِسانِ المَقالِ، لا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ (١).

وقالَ في «الذَّخيرة»: قاعِدةٌ مَذهَبيَّةٌ: مَنْ أدَّى عن غَيرِه مالًا شَأنُه أنْ يُعطيَه، أو عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا شَأنُه أنْ يُستَأجَرَ عليه، رَجعَ بذلك المالِ وبِأُجرةِ ذلك العَملِ، كانَ دَفْعُ ذلك المالِ واجِبًا عليه؛ كالدَّيْنِ، أو غيرَ واجِبٍ؛ كَخِياطةِ الثَّوبِ، وحَلْقِ الرَّأْسِ، نقلَها صاحِبُ «النَّوادرُ»، وصاحِبُ «الجَواهرِ» في الإجارةِ؛ تَنزيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزِلةَ لِسانِ المَقالِ؛ فإذا كانَ شَأنُكَ مُباشَرةَ ذلك العَملِ بنَفْسِكَ أو بنائِبِكَ، وتَستَأجِرُ عليه، لَم يَرجِعْ عَلَيكَ بأُجرةٍ؛ لأنَّ حالَكَ لَم يَقتَضِ إذْنًا في دَفعِ أُجرةٍ في

(١) «الفروق» (٣/ ٣٤٠).

ذلك، والأئِمَّةُ جَعَلوا الدَّافِعَ مُتبرِّعًا، حتى يُوجَدَ إذْنٌ بلِسانِ المَقالِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ دفعَ إنسانٌ ثَوبَه إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ ونَحوِهِما؛ كَصَبَّاغٍ؛ لِيَعمَلَه -أي: لِيُقصِّرَه، أو يَخِيطَه، أو يَصبُغَه، ونَحوِ ذلك- ولَو لَم تكُنْ لِلقَصَّارِ ونَحوِه عادةٌ بأخْذِ أُجرةٍ، ولَم يَعقِدْ عَقدَ إجارةٍ، صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ حَيثُ كانا مُنتَصبيْنِ لِذلك؛ وإلَّا لَم يَستَحقَّا أجْرًا إلَّا بشَرطٍ، أو عَقدٍ، أو تَعريضٍ بأجْرٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ عُرْفٌ يَقومُ مَقامَ العَقدِ، فهو كَما لَو عَمِلَ بغَيرِ إذْنِ مالِكِه.

أو استَعمَلَ إنسانٌ حَمَّالًا ونَحوَه، أو استَعمَلَ شاهِدًا -إنْ جازَ له أخْذُ أُجرةٍ، بأنْ عَجَزَ عن المَشيِ، أو تَأذَّى به؛ فلَه أخْذُ أُجرةِ مَركوبٍ- صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّ العُرفَ الجاريَ بذلك يَقومُ مَقامَ القَولِ، كَتَعريضِ الدَّافِعِ بالأُجرةِ، أي: نَحوَ: خُذْه وأنا أعلَمُ أنَّكَ مُتعَيِّشٌ، أو خُذْه وأنا أُرضيكَ، ونَحوِه، ممَّا يَدلُّ على إعطاءِ الأُجرةِ.

وَكَذا دُخولُ حَمَّامٍ، ورُكوبُ سَفينةِ مَلَّاحٍ، وحَلْقُ رَأْسِه، وتَغسيلُه، وغَسْلُ ثَوْبِه، وشُرْبُه منه ماءً أو قَهوةً ونَحوَهما، مِنْ المُباحاتِ؛ فلَه أُجرةُ مِثلِه، ولَو لَم يكُنْ له عادةٌ بأخْذِ الأُجرةِ.

وَكَذا لَو دفعَ ثَوبًا إلى رَجُلٍ لِيَبيعَه؛ فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في القَصَّارِ، والخيَّاطِ، إنْ كانَ مُنتَصبًا يَبيعُ لِلنَّاسِ بأجْرٍ؛ فلَه أجْرُ مِثلِه، نَصَّ عليه أحمَدُ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك فلا شَيءَ.

(١) «الذخيرة» (٩/ ٩٣، ٩٤).

ومتى دفعَ ثَوبَه إلى أحَدِ هَؤُلاءِ ولَم يُقاطِعْه على أجْرٍ، فلَه أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَختَلِفُ أُجرَتُها، ولَم يُعَيَّنْ؛ فجَرَى مَجرَى الإجارةِ الفاسِدةِ؛ فإنْ تَلِفَ الثَّوبُ مِنْ حِرزِه، أو بغَيرِ فِعلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضمَنُ في العَقدِ الصَّحيحِ لا يُضمَنُ في فاسِدِه، وإنْ تَلِفَ مِنْ فِعلِه، بتَخريقِه، أو دَقِّه، ضَمِنَه؛ لأنَّه إذا ضَمِنَه بذلك في العَقدِ الصَّحيحِ ففي الفاسِدِ أوْلَى.

وقالَ أحمَدُ رحمة الله عليه فيمَن دفعَ ثَوبًا إلى قَصَّارٍ لِيُقصِّرَه ولَم يَقطَعْ له أجْرًا، بَلْ قالَ: أنا أُعطيكَ كَما تُعطَى، وهَلَكَ الثَّوبُ؛ فإنْ كانَ بخَرقٍ أو نَحوِه ممَّا لا تَجنيه يَده فلا ضَمانَ عليه، بيَّنَ الكِراءَ أو لَم يُبيِّنْ؛ والعِلَّةُ في ذلك ما ذَكَرْناه.

وَإذا استَأجَرَ رَجُلًا لِيَحمِلَ له كِتابًا إلى مَكَّةَ أو غَيرِها إلى صاحِبٍ له فحَمَلَه فوَجَدَ صاحِبَه غائِبًا فرَدَّه، استَحقَّ الأجْرَ بحَمْلِه في الذَّهابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَه في الذَّهابِ بإذْنِ صاحِبِه صَريحًا، وفي الرَّدِّ تَضمينًا؛ لأنَّ تَقديرَ كَلامِه: وإنْ لَم تَجِدْ صاحِبَه، فرُدَّه؛ إذ لَيسَ سِوَى رَدِّه إلَّا تَضييعُه؛ فقَد عُلِمَ أنَّه لا يَرضَى تَضييعَه؛ فتَعيَّنَ رَدُّه.

وقالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: قالَ في «الإنصاف»: قولُهُ: وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بغَيرِ جُعلٍ: فلا شَيءَ لَه، ولَو كانَ العَملُ تَخليصَ مَتاعِ غَيرِه مِنْ فَلاةٍ، ولَو كانَ هَلاكًا فيهم مُحقَّقًا، أو قَريبًا مِنه، كالبَحرِ، وفَمِ السَّبُعِ، وهو قولُ القاضي في المُجرَّدِ، ولَه احتِمالٌ بذلك في غيرِ المُجرَّدِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ جَماعةٍ مِنْ الأصحابِ.

والصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ المَنصوصِ عن الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه: أنَّه يَستَحقُّ أُجرةَ مِثلِه في ذلك؛ بخِلافِ اللُّقَطةِ، وعليه الأصحابُ.

وَكذلك لَوِ انكَسَرَتِ السَّفينةُ؛ فخَلَّصَ قَومٌ الأموالَ مِنْ البَحرِ، فإنَّه يَجِبُ لَهمُ الأُجرةُ على المُلَّاكِ. ذكرَه في المُغني، والشَّرحِ، وشَرحِ ابنِ رَزينٍ، وغَيرِ ذلك.

وَألحَقُ القاضي وابنُ عَقيلٍ والمُصَنِّفُ وجَماعةٌ بذلك: العبدَ إذا خَلَّصَه مِنْ فَلاةٍ مُهلِكةٍ. وقدَّمَه في الفُروعِ، وغَيرِه. ذكرَه في باب إحياءِ المَواتِ. وتَقدَّمَتِ الإشارةُ إلى ذلك هُناكَ. وحَكَى القاضي احتِمالًا في العَبدِ: بعدَ الوُجوبِ، كاللُّقَطةِ. وأورَدَ في المُجرَّدِ على نَصِّ الإمامِ أحمدَ فيمَن خَلَّصَ مِنْ سَبُعٍ شاةً، أو خَروفًا، أو غَيرَهما، أنَّه لِمالِكِه الأولِ. ولا شَيءَ لِلمُخَلِّصِ، وقالَ المَجدُ في مُسوَّدتِه: وعِندي أنَّ كَلامَ الإمامِ أحمدَ على ظاهِرِه في وُجوبِ الأُجرةِ على تَخليصِ المَتاعِ مِنْ المَهالِكِ، دونَ الآدَميِّ؛ لأنَّ الآدَميَّ أهلٌ في الجُملةِ لِحِفظِ نَفْسِه.

قالَ في القاعِدةِ الرَّابِعةِ والثَّمانينَ: وفيه نَظَرٌ؛ فقَد يَكونُ صَغيرًا أو عاجِزًا، ويَكونُ تَخليصُه أهَمَّ وأوْلَى مِنْ المَتاعِ، وليسَ في كَلامِ الإمامِ أحمدَ تَفرِقةٌ. انتَهَى (١).

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه في «المُبدع»: ومَن عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بغَيرِ جُعلٍ

(١) «الإنصاف» (٦/ ٣٩٢، ٣٩٣)، و «المغني» (٥/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و «الكافي» (٢/ ٣٣٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٧)، و «المبدع» (٥/ ٦٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٥٢، ٦٥٣)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٤).

فلا شَيءَ له بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُهُ؛ لأنَّه بذلَ مَنفعَتَه مِنْ غيرِ عِوَضٍ؛ فلَم يَستَحقَّه، ولِئَلَّا يَلزَم الإنسانَ ما لَم يَلزَمْه، ولَم تَطِبْ نَفْسُه به، وهذا إذا لَم يكُنْ مَعَدًّا لِأخْذِ الأُجرةِ، فإنْ كانَ مَعَدًّا لَها وأذِنَ لَه، فلَه الأُجرةُ، لَكِنْ نَصَّ أحمَدُ على أنَّ مَنْ خَلَّصَ مَتاعًا لِغَيرِه يَستَحقُّ أجْرَ مِثلِه، بخِلافِ اللُّقَطةِ إلَّا في رَدِّ الآبِقِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ الجُعلَ بلا شَرطٍ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: مَذهَبُ مالِكٍ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ المَشهورُ عنه، وغَيرِهما: أنَّ كلَّ مَنْ أدَّى عن غَيرِه واجِبًا فلَه أنْ يَرجِعَ به عليه، إذا لَم يكُنْ مُتبرِّعًا بذلك، وإنْ أدَّاه بغَيرِ إذْنِه، مثلَ مَنْ قَضَى دَينَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، سَواءٌ كانَ قد ضَمِنَه بغَيرِ إذْنِه، وأدَّاه بغَيرِ إذْنِه، أو أدَّاه عنه بلا ضَمانٍ.

وَكذلك مَنِ افتكَ أسيرًا مِنْ الأسْرِ بغَيرِ إذْنِه، يَرجِعُ عليه بما افتكَه به، وكذلك مَنْ أدَّى عن غَيرِه نَفَقةً واجِبةً عليه، مثلَ أنْ يُنفِقَ على ابنِه أو زَوجَتِه أو بَهائِمِه، لا سيَّما إذا كانَ لِلمُنفِقِ فيها حَقٌّ، مثلَ أنْ يَكونَ مُرتَهَنًا أو مُستَأجَرًا، أو كانَ مُؤتَمَنًا عليها، مثلَ المُودِعِ، ومِثلَ رَدِّ العَبدِ الآبِقِ، ومِثلَ إنفاقِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ على البَهائِمِ المُشترَكةِ. وقَد دَلَّ على هذا الأصلِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فَأمَرَ بإيتاءِ الأجْرِ بمُجرَّدِ إرضاعِهِنَّ، ولَم يُشترَطْ عَقدُ استِئجارٍ، ولا إذْنُ الأبِ لَها في أنْ تُرضِعَ بالأجْرِ، بَلْ لَمَّا كانَ إرضاعُ الطِّفلِ واجِبًا على أبيه، فإنْ أرضَعَتْه المَرأةُ استَحقَّتِ الأجْرَ بمُجرَّدِ إرضاعِها، ثم قالَ: فهَكَذا

(١) «المبدع» (٥/ ٢٧٠).

جَميعُ الواجِباتِ عليه أنْ يُؤدِّيَها إلى مَنْ أدَّى عنه وأحسَنَ إليه بالأداءِ عَنهُ (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: ولَو عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بإذْنِه، كَأنْ دفعَ ثَوبًا إلى قَصَّارٍ لِيُقصِّرَه، أو إلى خيَّاطٍ لِيَخِيطَه، أو إلى غسَّالٍ لِيَغسِلَه، أو جَلَسَ بينَ يَدَيْ حَلَّاقٍ لِيَحلِقَ رَأْسَه، أو دَلَّاكٍ لِيَدْلُكَه، ففعلَ ذلك ولَم يَذْكُرْ أحَدُهما أُجرةً، ولا ما يُفهِمُها بحَضرةِ الآخَرِ، فيَسمَعَه ويُجيبَ أو يَسكُتَ، ففيه أربَعةُ أوْجُهٍ:

أصَحُّها -وهو المَنصوصُ عليه-: لا أُجرةَ لَه؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ؛ لأنَّه لَم يَلتَزِمْ له عِوَضًا؛ فصارَ كَقَولِهِ: أطعِمْني، فأطعَمه، ولأنَّه لَو قالَ: أسْكِنِّي دارَكَ شَهرًا، فأسكَنَه، لَم يَستَحقَّ عليه أُجرةً بالإجماعِ.

والثَّاني: له أُجرةُ مِثلِه، وهو قولُ المُزَنيِّ لِاستِهلاكِه مَنفعَتَه.

والثَّالث: إنْ بَدَأ المَعمولُ له فقالَ: افعَلْ كَذا، لَزِمَه الأجرَةُ، وإنْ بَدَأ العامِلُ فقالَ: أعطِني ثَوبَكَ لِأُقَصِّرَه؛ فلا أُجرةَ.

والرَّابِعُ: إنْ كانَ العامِلُ مَعروفًا بذلك العَملِ، وأخَذَ الأُجرةَ عليه، فلَه الأُجرةُ المُعتادةُ لِمِثلِ ذلك العَملِ، وقالَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ: تَجِبُ له الأُجرةُ التي جَرَتْ بها العادةُ، وإنْ زادَتْ على أُجرةِ المِثلِ.

وإنْ لَم يكُنْ مَعروفًا بذلك العَملِ فلا أُجرةَ لَه.

وقد يُستَحسَنُ تَرجيحُ هذا الوَجهِ لِوُضوحِ مُدرَكِه، ولِدِلالةِ العُرفِ على ذلك، وقيامِه مَقامَ اللَّفظِ، كَما في نَظائِرِه، فيَكونُ فيه أُجرةُ المِثلِ، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وعَلَى هذا عَملُ النَّاسِ، وقالَ الغَزاليُّ: إنَّه الأظهَرُ، وقالَ الشَّيخُ

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٤٨، ٣٤٩).

عِزُّ الدِّينِ: إنَّه الأصَحُّ، وحَكاه الرُّويانيُّ في «الحِليةُ» عن الأكثَرِينَ، وقالَ: إنَّه الِاختيارُ، وقالَ في البَحر: وبِه أُفتي، وأفتَى به خَلائِقُ مِنْ المُتأخِّرينَ.

وَإذا قُلْنا: لا أُجرةَ له على الأصَحِّ، فمَحَلُّه -كَما قالَ الأذرَعيُّ-: إذا كانَ حُرًّا مُطلَقَ التَصرُّفِ، أمَّا لَو كانَ عَبدًا أو مَحجورًا عليه بسَفَهٍ ونَحوِهِ، فلا؛ إذْ لَيسوا مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ بمَنافِعِهمُ المُقابَلةِ بالأعواضِ.

واحتَرزَ بقَولِه: ولَم يَذكُرْ أُجرةً عَما إذا قالَ: مَجَّانًا؛ فلا يَستَحقُّ شَيئًا قَطعًا، وما لَو ذكرَ أُجرةً، يَستَحقُّها جَزْمًا، وإنْ كانَتْ صَحيحةً فالمُسمَّى، وإلَّا فأُجرةُ المِثلِ.

وَلَو عَرضَ بذِكرِ أُجرةٍ ك: اعمَلْ وأنا أُرضيكَ، أو: اعمَلْ وما تَرى مِنِّي إلَّا ما يَسُرُّكَ، أو نَحوِ ذلك؛ كَقَولِكَ: حتى أُحاسِبَكَ، استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، كَما في البَيانِ وغَيرِه.

وَيُستَثنَى مِنْ الخِلافِ المَذكورِ مَسائِلُ:

الأُولى: عامِلُ المُساقاةِ إذا عَمِلَ ما لَيسَ مِنْ أعمالِها بإذْنِ المالِكِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ الأُجرةَ.

ثانيتُها: عامِلُ الزَّكاةِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ العِوَضَ، ولَو لَم يُسَمَّ، قالَ الزَّركَشيُّ: ولا تُستَثنَى؛ لأنَّ الأُجرةَ ثابِتةٌ له بنَصِّ القُرآنِ؛ فهي مُسمَّاةٌ شَرعًا، وإنْ لَم يُسَمِّها الإمامُ.

ثالِثَتُها: عامِلُ القِسمةِ بأمرِ الحاكِمِ فلِلقاسِمِ الأُجرةُ مِنْ غيرِ تَسميةِ كَذا، استَثناها بَعضُهم، ونازَعَ في التَّوشيحِ في استِثنائِها، وقالَ: إنَّه كَغَيرِه، وهو الظَّاهِرُ.

وأمَّا في داخِلِ الحَمَّامِ بلا إذْنٍ مِنْ الحَمَّاميِّ، فإنَّه يَلزَمُه الأُجرةُ، وإنْ لَم يَجْرِ لَها ذِكْرٌ.

والفَرقُ بَينَه وبَينَ القَصَّارِ ونَحوِه أنَّ هَؤُلاءِ صَرَفوا مَنافِعَهم لِغَيرِهم، وأنَّ الدَّاخِلَ لِلحَمَّامِ استَوفَى مَنفَعةَ الحَمَّامِ بسُكونِهِ، فإنْ أذِنَ له في الدُّخولِ فالحَمَّامُ فيهِ كالأجيرِ، كَما قالوا به فيمَن دخلَ سَفينةً بإذْنِ صاحِبِها، حتى أتَى السَّاحِلَ، ولَم يَجْرِ ذِكْرُ الأُجرةِ؛ فإنَّه كالأجيرِ فيما ذُكِرَ على الأوْجُهِ السَّابِقةِ، أصَحُّها: لا أُجرةَ لَه، فإنْ دخلَها بغَيرِ إذْنٍ استَحقَّ عليه الأُجرةَ.

قالَ في المَطلَب: ولَعَلَّه فيما إذا لَم يَعلَمْ به مالِكُها حتى سَيَّرَها، وإلَّا فيُشبِهُ أنْ يَكونَ كَما لَو وَضَعَ مَتاعَه على دَابَّةِ غَيرِه، فسَيَّرَها مالِكُها؛ فإنَّه لا أُجرةَ على مالِكِه، ولا ضَمانَ (١).

وقالَ العِمرانيُّ رحمة الله عليه في «البَيان»: إذا دفعَ إلى رَجُلٍ ثَوبًا لِيَخيطَه لَه، أو مَتاعًا لِيَحمِلَه له إلى مَكانٍ، فإنْ سَمَّى له أُجرةً صَحيحةً … استَحقَّ المُسمَّى، ولا كَلامَ، وإنْ سَمَّى له أُجرةً فاسِدةً، أو عَرضَ له بالأُجرةِ، بأنْ قالَ: اعمَلْ وأنا أُحاسِبُكَ على أُجرَتِكَ، أو لا تَرى مِنِّي إلَّا ما يَسُرُّكَ، استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّه قد عَرضَ له بالأُجرةِ، وهي مَجهولةٌ، فاستَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، كَما لَو سَمَّى له عِوَضًا فاسِدًا.

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٤١١، ٤١٢)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨)، و «الديباج» (٢/ ٤٨٢)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٩٨)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٢٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في بيان ما ينتهي به عقد الإجارة

وَالصَّبَّاغِ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ: عَمِلْتَهُ لِي بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ: لَا؛ بَلْ عَمِلْتُهُ بِأُجْرَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّارِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: أَجَرْتُهَا مِنْك بِدِرْهَمٍ، وَقَالَ السَّاكِنُ بَلْ سَكَنْتهَا عَارِيَّةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَالْخُفِّ، وَسَاكِنِ الدَّارِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ حُرًّا ثِقَةً فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الرَّجُل انْتَصَبَ لِلْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَصَبَ لِلْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَرِطَا الْأَجْرَ لَكِنَّ الصَّانِعَ قَالَ: إنِّي إنَّمَا عَمِلْت بِالْأَجْرِ، وَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: مَا شَرَطْت لَك شَيْئًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.

(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِنَّ انْتِصَابَهُ لِلْعَمَلِ، وَفَتْحَهُ الدُّكَّانَ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا بِالْأُجْرَةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ حَرِيفَهُ فَكَانَ الْعَقْدُ مَوْجُودًا دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ دَلَالَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 222 - 230

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله