والثالث: أن يعقدوا مطلقا دون شرط تأجيل ولا تعجيل

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > والثالث: أن يعقدوا مطلقا دون شرط تأجيل ولا تعجيل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

والثالث: أن يعقدوا مطلقا دون شرط تأجيل ولا تعجيل - الأقوال والأدلة

المَعنَى، فلا يَجوزُ فيها تَأخيرُ الأُجرةِ ولا الِاستِبدالُ عَنها ولا الحَوالةُ بها ولا عليها، ولا الإبراءُ مِنها (١).

وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ شرطَا تأجيلَها جازَ، إلَّا أنْ يَكونَ العَقدُ على مَنفَعةٍ في الذِّمةِ، ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: يَجوزُ؛ لأنَّه عِوضٌ في الإجارةِ؛ فجازَ تأجيلُه، كما لو كانَ على عَينٍ.

والآخَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه عَقدٌ على ما في الذِّمةِ؛ فلم يَجُزْ تأجيلُ عِوَضِه، كالسَّلمِ (٢).

والثالِثُ: أنْ يَعقِدوا مُطلَقًا دونَ شَرطِ تَأجيلٍ ولا تَعجيلٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ الإجارةِ إذا وَردَ مُطلَقًا عن شَرطِ التَّعجيلِ أو التَّأجيلِ، هَلْ تَلزَمُ الأُجرةُ في الحالِ ويَملِكُها المُؤجِّرُ بالعَقدِ نَفْسِه أو لا يَملِكُها ولا يَستَحقُّها إلَّا يَومًا بيَومٍ، أو شَيئًا فشَيئًا، أو لا يَستَحقُّ الأُجرةَ إلَّا بعدَ مُضيِّ جَميعِ المدَّةِ.

فذهبَ الشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها تَجِبُ بمُجرَّدِ العَقدِ إذا أُطلِقَ ولَم يَشتَرِطِ المُستَأجِرُ أجَلًا، كَما يَملِكُ البائِعُ الثَّمنَ بالبَيعِ، ولأنَّ ما لَزِمَ مِنْ عُقودِ المَنافِعِ استُحِقَّ العِوَضُ فيه حالًّا؛ كالنِّكاحِ، ولأنَّ كلَّ عِوَضٍ تَعَجَّلَ

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٦، ٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «حاشية القليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٣/ ١٦٥، ١٦٦)، و «جواهر العقود» (١/ ٢٣٤).
(٢) «الكافي» (٢/ ٣١١)، و «الإنصاف» (٦/ ٨١).

بالشَّرطِ فإطلاقُه يُوجِبُ حُلولَه، كالثَّمنِ، ولأنَّ الأُصولَ مَوضوعةٌ على أنَّ تَسليمَ المُعوَّضِ يُوجِبُ تَسليمَ العِوَضِ؛ لِيَستَويَ حُكمُ المُتعاقدَيْنِ فيما يَملِكانِه مِنْ عِوَضٍ ومُعوَّضٍ؛ فلا يَكونُ حَظُّ أحَدِهِما فيه أقوَى مِنْ حَظِّ الآخَرِ، كالبَيعِ إذا سُلِّمَ المَبيعُ فيه وجبَ تَسليمُ الثَّمنِ؛ وكالنِّكاحِ إذا حَصَلَ التَّمكينُ وجبَ تَسليمُ الصَّداقِ، كذلك الإجارةُ إذا حَصَلَ تَسليمُ المَنفَعةِ وجبَ تَسليمُ الأُجرةِ، والمَنافِعُ هَهُنا بالتَّمكينِ مَقبوضةٌ حُكمًا، وإنْ لَم يَكُنِ القَبضُ مستقِرًّا؛ لِأُمورٍ أربَعةٍ:

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: أحَدُها: ما ذكرَه الشافِعيُّ أنَّها لَو كانَتْ مُؤجَّلةً وبِالتَّمكينِ غيرَ مَقبوضةِ لَمَا جازَ تَأجيلُ الأُجرةِ؛ لأنَّه يَصيرُ دَيْنًا بدَيْنٍ، وقَد وَردَ النَّهيُ عنه، وفي إجماعِهم على جَوازِ تَأجيلِها دَليلٌ على حُصولِ قَبضِها.

والثَّاني: أنَّها لَو لَم تكُنْ مَقبوضةً لَمَا جازَ لِمُستَأجِرِ الدَّارِ أنْ يُؤجِّرَها؛ لأنَّ بَيعَ ما لَم يُقبَضْ باطِلٌ، وفي إجماعِهم على جَوازِ إجارَتِها دَليلٌ على حُصولِ قَبضِها.

والثَّالث: أنَّ الزَّوجةَ لا يَلزَمُها التَّمكينُ مِنْ نَفْسِها إلَّا بعدَ قَبضِ صَداقْها، ولَو كانَ صَداقُها سُكنَى دارٍ تَسَلَّمَتْها لَزِمَها تَسليمُ نَفْسِها، فلَولا حُصولُ قَبضِها لِصَداقِها ما أُلزِمَتْ تَسليمَ نَفْسِها.

والرَّابِعُ: أنَّ الأُجرةَ لَو لَم تُملَكْ بتَسليمِ الدَّارِ والتَّمكينِ مِنْ السُّكنَى لَمَا جازَتِ المُضارَبةُ عليها، وأنْ يَأخُذَ مِنْ الذَّهَبِ وَرِقًا وعَنِ الوَرِقِ ذَهَبًا، كَما لا يَجوزُ مِثلُ ذلك في الدُّيونِ المُؤجَّلةِ، وفي جَوازِ ذلك دَليلٌ على وُجوبِها،

وإذا ثبَتَ بما ذَكَرْنا مِنْ الشَّواهِدِ أنَّ المَنافِعَ في حُكمِ المَقبوضةِ بالتَّمكينِ لَزِمَ تَسليمُ ما في مُقابَلَتِها مِنْ الأُجرةِ.

فَإن قيلَ: فلِمَ جَعَلتُمُ المَنافِعَ مَقبوضةً حُكمًا، وإنْ لَم يَكُنِ القَبضُ مُستقِرًّا، وجَعَلتُمُ الأُجرةَ مَقبوضةً قَبضًا مستقِرًّا؟

قيلَ: لأنَّه لَيسَ يُمكِنُ أنْ تَكونَ الأُجرةُ مَقبوضةً حُكمًا، فجَعَلْنا القَبضَ فيها مُستقِرًّا، ولا يُمكِنُ في المَنافِعِ أنْ يَكونَ القَبضُ فيها مُستقِرًّا فجَعَلناه حُكمًا على أنَّهما سَواءٌ؛ لأنَّ مَعنَى قَولِنا: إنَّ المَنافِعَ مَقبوضةٌ حُكمًا، أنَّه قد يَتصرَّفُ في الدَّارِ، وإنْ جازَ أنْ يَزولَ مِلْكُه عن مَنافِعِها بالهَدمِ، كذلك الأُجرةُ قد يَتصرَّفُ فيها المُؤجِّرُ، وإنْ جازَ أنْ يَزولَ مِلْكُه عَنها بالهَدمِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أطلَقَ العَقدَ وَجَبتْ به حالَّةً، ويَجِبُ تَسليمُها بتَسليمِ العَينِ؛ لأنَّها عِوَضٌ في مُعاوَضةٍ، فتُستحَقُّ بمُطلَقِ العَقدِ؛ كالثَّمنِ.

وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ في الذِّمةِ استُحِقَّ استِيفاءُ الأُجرةِ عندَ انقِضاءِ العَملِ، ولا يَجِبُ تَسليمُ الأُجرةِ، وإنْ وجبَتْ بالعَقدِ، وعلى هذا وَردتِ النُّصوصُ؛ كقولِ النَّبِيِّ : «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرقُهُ» (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦، ٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٣/ ١٦٥، ١٦٦)، و «المغني» (٥/ ٢٥٦، ٢٥٧).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: أخرَجه ابن ماجه (٢٤٤٣)، والقُضاعي (١/ ٤٣٣).

وَلأنَّ الأجيرَ إنَّما يُوَفَّى أجْرَه إذا قَضَى عَملَه؛ لأنَّه عِوَضٌ فلا يُستحَقُّ تَسليمُه إلَّا مع تَسليمِ المُعوَّضِ، كالصَّداقِ والثَّمنِ، وفارَقَ الإجارةَ على الأعيانِ؛ لأنَّ تَسليمَها أُجريَ مَجرَى تَسليمِ نَفْعِها، ومتى كانتْ على عَملٍ في الذِّمةِ لَم يَحصُلْ تَسليمُ المَنفَعةِ، ولا يَقومُ مَقامَها، فيَتَوَقَّفُ استِحقاقُ تَسليمِ الأجْرِ على تَسليمِ العَملِ؛ فإنْ عَمِلَ بَعضَه فلَه أُجرةُ المِثلِ لِمَا عَمِلَ، وقيلَ: إنْ كانَ مَعذورًا في تَركِ العَملِ وإلَّا احتَمَلَ وجهيْنِ، وقالَ ابنُ أبي موسَى: مَنِ استُؤجِرَ لِعَملٍ مَعلومٍ استَحقَّ الأجرَ عندَ إيفاءِ العَملِ، وإنِ استُؤجِرَ: كلُّ يَومٍ بأُجرةٍ مَعلومةٍ فلَه أجْرُ كلِّ يَومٍ عندَ تَمامِهِ (١).

وذَهَبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ -وسيَأْتي تَفصيلُ المالِكيَّةِ- إلى أنَّ الأُجرةَ لا تَجِبُ بالعَقدِ نَفْسِه، ولا بتَسليمِ العَينِ المُستَأْجَرةِ، وإنَّما تُستحَقُّ الأُجرةُ أوَّلًا بأوَّلٍ، شَيئًا فَشيَئًا.

لِقَولِ النَّبِيِّ : «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثم غَدَرَ، وَرجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمنَهُ، وَرجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى منه ولَم يُؤْتِه أُجْرَتَهُ» (٢).

ففيه دَليلٌ على أنَّ الأجْرَ لا يُملَكُ بالعَقدِ نَفْسِه؛ لأنَّه ألحَقَ الوَعيدَ به، بمَنعِ الأجْرِ بعدَ العَملِ، فلو كانَ الأجْرُ يَجِبُ تَسليمُه بالعَقدِ نَفْسِه لَمَا شرطَ استِيفاءَ العَملِ لِذِكْرِ الوَعيدِ على مَنْعِ الأجْرِ.

(١) «المغني» (٥/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و «الكافي» (٢/ ٣١١)، و «المبدع» (٥/ ١١٦)، و «الإنصاف» (٦/ ٨١).
(٢) رواه البخاري (٢٢٢٧).

ولِقَولِه : «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرقُهُ» (١). وذلك حَثٌّ على تَعجيلِها وَقتَ استِحقاقِها، ومَنْعِ تَأخيرِها عَنه، فلَو كانَتْ مُستَحقَّةً بمُجرَّدِ العَقدِ لَكانَ أمرًا بتَأخيرِها، وذلك يُنافي المَقصودَ بالخَبَرِ؛ لأنَّه جعلَ أوَّلَ أوقاتِ المُسارَعةِ بعدَ الفَراغِ مِنْ العَملِ قبلَ جُفوفِ العَرقِ، فدَلَّ على أنَّ أوَّلَ وَقتِ الوُجوبِ هَذا.

وَلأنَّه عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ مَحضةٍ، فلَم يَلزَمْ تَسليمُه بمُجرَّدِ العَقدِ دونَ تَسليمِ المَعقودِ عليه، كالأثمانِ بالبُيوعاتِ.

قالَ الحَنفيَّةُ: الأُجرةُ لا تُملَكُ بالعَقدِ نَفسِه، ولا يَجِبُ تَسليمُها به، عَينًا كانَ أو دَيْنًا؛ فإنْ عُقِدَ مُطلَقًا فالحُكمُ يثبُتُ في العِوَضَيْنِ في وَقتٍ واحِدٍ، فيثبُتُ المِلْكُ لِلمُؤاجِرِ في الأُجرةِ وَقتَ ثُبوتِ المِلْكِ لِلمُستَأجِرِ في المَنفَعةِ، ويثبُتُ شَيئًا فشَيئًا على حَسَبِ حُدوثِ مَحَلِّه، وهو المَنفَعةُ؛ لأنَّها تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا؛ لأنَّ المُعاوَضةَ المُطلَقةَ إذا لَم يَثبُتِ المِلْكُ فيها في أحَدِ العِوَضَيْنِ لا يثبُتُ في العِوَضِ الآخَرِ؛ إذْ لَو ثبَتَ لا يَكونُ مُعاوَضةً حَقيقةً؛ لأنَّه لا يُقابِلُه عِوَضٌ، ولأنَّ المُساواةَ في العُقودِ المُطلَقةِ مَطلوبُ العاقِدَيْنِ، ولا مُساواةَ إذا لَم يَثبُتِ المِلْكُ في أحَدِ العِوَضَيْنِ، والمِلْكُ لَم يَثبُتْ في أحَدِ العِوَضَيْنِ، وهو مَنافِعُ المدَّةِ؛ لأنَّها مَعدومةٌ حَقيقةً، فلا تَثبُتُ في الأُجرةِ في الحالِ تَحقيقًا لِلمُعاوَضةِ المُطلَقةِ.

وَإنَّما تُملَكُ بأحَدِ مَعانٍ ثَلاثةٍ؛ إمَّا بالتَّعجيلِ، أو بشَرطِ التَّعجيلِ، أو باستِيفاءِ ما يُقابِلُه.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: أخرَجه ابن ماجه (٢٤٤٣)، والقُضاعي (١/ ٤٣٣).

وقد كانَ أبو حَنيفَةَ أوَّلًا يَقولُ: إنَّ الأُجرةَ لا تَجِبُ إلَّا بعدَ مُضيِّ المدَّةِ مثلَ استِئجارِ الأرضِ سَنةً أو عَشرَ سِنينَ، وهو قولُ زُفَرَ، ثم رَجعَ هُنا، فقالَ: تَجِبُ يَومًا فيَومًا، وفي الإجارةِ على المَسافةِ، مثلَ أنِ استَأجَرَ بَعيرًا إلى مَكَّةَ ذاهِبًا وجائِيًا، كانَ قولُه الأولُ أنَّه لا يَلزَمُه تَسليمُ الأجْرِ حتى يَعودَ، وهو قولُ زُفَرَ، ثم رَجعَ، وقالَ: يُسَلَّمُ حالًّا فحالًّا.

وَذكرَ الكَرخِيُّ أنَّه يُسَلِّمُ أُجرةَ كلِّ مَرحَلةٍ إذا انتَهَى إلَيها، وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ.

وَجهُ قَولِ أبي حَنيفَةَ الأولِ أنَّ مَنافِعَ المدَّةِ أو المَسافةِ مِنْ حَيثُ إنَّها مَعقودٌ عليها شَيءٌ واحِدٌ، فما لَم يَستَوفِها كلَّها لا يَجِبُ شَيءٌ مِنْ بَدَلِها، كَمَنِ استَأجَرَ خيَّاطًا يَخيطُ ثَوبًا، فخاطَ بَعضَه، أنَّه لا يَستَحقُّ الأُجرةَ حتى يَفرُغَ مِنه، وكَذا القَصَّارُ والصَّباغُ.

وَجْهُ قَولِه الآخَرِ -وهو المَشهورُ- أنَّه مِلْكُ البَدَلِ، وهو المَنفَعةُ، وأنَّها تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، على حَسَبِ حُدوثِ الزَّمانِ، فيَملِكُها شَيئًا فشَيئًا على حَسَبِ حُدوثِها، فكَذا ما يُقابِلُها؛ فكانَ يَنبَغي أنْ يَجِبَ عليه تَسليمُ الأُجرةِ ساعةً فساعةً، إلَّا أنَّ ذلك مُتعَذِّرٌ، فاستَحسَنَ فقالَ يَومًا فيَومًا، ومَرحَلةً فمَرحَلةً؛ لأنَّه لا يُعذَرُ فيه، ورُوِيَ عن أبي يُوسفَ فيمَنِ استَأجَرَ بَعيرًا إلى مَكَّةَ أنَّه إذا بَلَغَ ثُلُثَ الطَّريقِ أو نِصفَه أُعطِيَ مِنْ الأجرِ بحِسابِه استِحسانًا، وذكرَ الكَرخيُّ أنَّ هذا قولُ أبي يُوسفَ الأخيرُ، ووَجْهُه أنَّ السَّيرَ إلى ثُلُثِ الطَّريقِ أو نِصْفِه مَنفَعةٌ مَقصودةٌ في الجُملةِ، فإذا وُجِدَ ذلك القَدْرُ يَلزَمُه تَسليمُ بَدَلِه.

هَذا إذا وقعَ العَقدُ مُطلَقًا عن شَرطِ تَعجيلِ الأُجرةِ، فأمَّا إذا شُرِطَ في تَعجيلِها مُلِّكَتْ بالشَّرطِ، وَوجبَ تَعجيلُها إجماعًا، كَما تَقدَّمَ.

فالحاصِلُ أنَّ الأُجرةَ لا تُملَكُ إلَّا بأحَدِ مَعانٍ ثَلاثةٍ:

أحَدُها: شَرطُ التَّعجيلِ في العَقدِ نَفسِه، كَما تَقدَّمَ.

والثَّاني: التَّعجيلُ مِنْ غيرِ شَرط؛ لأنَّه لَمَّا عَجَّلَ الأُجرةَ غيرَ مُقتَضَى مُطلَقِ العَقدِ، ولَه هذه الوِلايةُ؛ لأنَّ التَّأخيرَ ثبَتَ حَقًّا لَه؛ فيَملِكُ إبطالَه بالتَّعجيلِ، كَما لَو كانَ عليه دَيْنٌ مُؤجَّلٌ فعَجَّلَه، ولأنَّ العَقدَ سَبَبُ استِحقاقِ الأُجرةِ، فالِاستِحقاقُ -وإنْ لَم يَثبُتْ- انعَقدَ سَبَبُه، وتَعجيلُ الحُكمِ قبلَ الوُجوبِ بعدَ وُجودِ سَبَبِ الوُجوبِ جائِزٌ؛ كَتَعجيلِ الكَفَّارةِ بعدَ الجُرحِ قبلَ المَوتِ.

والثَّالث: استِيفاءُ المَعقودِ عليه؛ لأنَّه يَملِكُ المُعوَّضَ، فيَملِكُ المُؤاجِرُ العِوَضَ في مُقابَلَتِه؛ تَحقيقًا لِلمُعاوَضةِ المُطلَقةِ، وتَسويةً بينَ العاقِدَيْنِ في حُكمِ العَقدِ المُطلَقِ، وعَلَى هذا الأصلِ تُبنَى الإجارةُ المُضافةُ إلى زَمانٍ في المُستَقبَلِ، بأنْ قالَ: أجَّرتُكَ هذه الدَّارَ غَدًا أو رَأسَ شَهرِ كَذا، أو قالَ: أجَّرتُكَ هذه الدَّارَ سَنةً أوَّلُها غُرَّةُ شَهرِ رَمَضانَ أنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّ العَقدَ يَنعَقِدُ شَيئًا فشَيئًا على حَسَبِ حُدوثِ المَعقودِ عليه شَيئًا فشَيئًا، وهو المَنفَعةُ؛ فكانَ العَقدُ مُضافًا إلى حينِ وُجودِ المَنفَعةِ مِنْ طَريقِ الدِّلالةِ، فالتَّنصيصُ على الإضافةِ يَكونُ مُقَرِّرًا مُقتَضَى العَقدِ، إلَّا أنَّا جَوَّزْنا الإضافةَ في الإجارةِ دونَ البَيعِ؛ لِلضَّرورةِ؛ لأنَّ المَنفَعةَ حالَ وُجودِها لا يُمكِنُ إنشاءُ العَقدِ عليها، فدَعَتِ الضَّرورةُ إلى الإضافةِ، ولا ضَرورةَ في بَيعِ العَينِ؛ لِإمكانِ

إيقاعِ العَقدِ عليها بعدَ وُجودِها؛ لِكَونِها مُحتَمِلةً لِلبَقاءِ؛ فلا ضَرورةَ إلى الإضافةِ (١).

أما المالِكيَّةُ فلهم تَفصيلٌ في تعجيلِ الأُجرةِ وتأخيرِها:

قالوا: الأصْلُ في الأُجرةِ في الإجارةِ التَّأجيلُ؛ لأنَّ العَقدَ على المَنافِعِ بمَنزِلةِ العَقدِ على الأعيانِ، فإذا لَم يُستَحقَّ الثَّمنُ بمُجرَّدِ العَقدِ على الأعيانِ إلَّا بعدَ دَفعِ المَثمونِ، وجبَ أنْ تَكونَ الإجارةُ كذلك.

وَيَجِبُ تَعجيلُ الأُجرةِ فيما يَلي:

١ - يُعَجَّلُ الأجْرُ وُجوبًا؛ فلا يُؤَخَّرُ لِأكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وإلَّا فَسَدَ العَقدُ إنْ كانَ مُعيَّنًا، كَما إذا استَأْجَرَ بثَوبٍ مُعيَّنٍ، أو كانَتِ الأُجرةُ طَعامًا؛ لِئَلَّا يُؤدِّيَ إلى بَيعٍ مُعيَّنٍ يَتأخَّرُ قَبضُه.

ولَم يَجْرِ العُرفُ بعَدَمِ تَعجيلِ المُعيَّنِ، بأنْ يَكونَ العُرفُ فيه التَّأخيرَ، أو لا يُوجَدُ فيه عُرفٌ بتَعجيلٍ ولا تَأخيرٍ، فإنْ جَرَى بذلك فَسَدَ العَقدُ، ولَو عُجِّلَ بالفِعلِ، إلَّا أنْ يُشترَطَ التَّعجيلُ في العَقدِ، أو يُشترَطَ الخُلفُ في الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ.

٢ - وكذلك يَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ إذا شُرِطَ عندَ عَقدِ الإجارةِ تَعجيلُه.

٣ - وكذلك يَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ إذا جَرَتِ العادةُ بتَعجيلِه في الإجارةِ.

٤ - وكذلك يَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ إذا كانَ في مَنافِعَ مَضمونةٍ في ذِمَّةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٠١، ٢٠٣)، و «المبسوط» (١٥/ ١٠٧، ١١١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٤٩، ٣٥٣)، و «ابن عابدين» (٦/ ١٤، ١٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة

وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.

فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 254 - 261

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله