الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > وصول ثواب القراءة للميت
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةواعلَمْ: أنَّ عَودَ المَنفَعةِ إلى المُستَأجِرِ شَرطٌ، فيَجِبُ عَودُها في هذه الإجارةِ إلى المُستَأجِرِ أو مَيِّتِه؛ فالمُستَأجِرُ لا يَنتفِعُ بقِراءةِ غَيرِه، ومَعلومٌ أنَّ المَيِّتَ لا يَلحَقُه ثَوابُ القِراءةِ المُجرَّدةِ، فالوَجْهُ تَنزيلُ الِاستِئجارِ على صُورةِ انتِفاعِ المَيِّتِ بالقِراءةِ. وذَكَروا له طَريقَتَيْنِ:
إحداهُما: أنْ يُعقِبَ القِراءةَ الدُّعاءَ لِلمَيِّتِ، لأنَّ الدُّعاءَ يَلحَقُه، والدُّعاءُ بعدَ القِراءةِ أقرَبُ إجابةً، وأكثَرُ بَرَكةً.
والأُخرى: ذكرَ الشَّيخُ عَبدُ الكَريمِ السَّالوسيُّ أنَّه إنْ نَوَى القارِئُ بقِراءَتِه أنْ يَكونَ ثَوابُها لِلمَيِّتِ لَم يَلحَقْه، وإنْ قَرَأَ ثم جعلَ ما حَصَلَ مِنْ الأجْرِ له فهذا دُعاءٌ بحُصولِ ذلك الأجْرِ لِلمَيِّتِ، ويَنفَعُ المَيِّتَ.
قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ القاضي حُسَينٍ صِحَّةُ الإجارةِ مُطلَقًا، وهو المُختارُ؛ فإنَّ مَوضِعَ القِراءةِ مَوضِعُ بَرَكةٍ، وبِه تَنزِلُ الرَّحمةُ، وهذا مَقصودٌ يَنْفَعُ المَيِّتَ، واللَّهُ أعلمُ (١).
وُصولُ ثَوابِ القِراءةِ لِلمَيِّتِ:
وقالَ الإمامُ القَرافيُّ: الفَرقُ الثَّاني والسَّبعونَ بعدَ المِئةِ بينَ قاعِدةِ ما يَصِلُ ثَوابُه إلى المَيِّتِ، وبَينَ قاعِدةِ ما لا يَصِلُ ثَوابُه إلَيهِ:
القُرُباتُ ثَلاثةُ أقسامٍ:
قِسْمٌ حَجَرَ اللَّهُ تَعالى على عِبادِه في ثَوابِه، ولَم يَجعَلْ لَهم نَقْلَه لِغَيرِهِم؛
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢١، ٢٢)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٦/ ١٠٧).
كالإيمانِ، فلَو أرادَ أحَدٌ أنْ يَهَبَ قَريبَه الكافِرَ إيمانَه لِيَدخُلَ الجَنَّةَ دُونَه لَم يكُنْ له ذلك، بَلْ إنْ كَفَرَ الحَيُّ هَلَكَا معًا، أمَّا هِبةُ الثَّوابِ مع بَقاءِ الأصْلِ فلا سَبيلَ إلَيها، وقيلَ: الإجماعُ في الصَّلاةِ أيضًا، وقيلَ: لا إجماعَ فيها.
وَقِسْمٌ اتَّفقَ النَّاسُ على أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ في نَقْلِ ثَوابِه لِلمَيِّتِ، وهو القُرُباتُ المالِيَّةُ؛ كالصَّدَقةِ والعِتقِ.
وَقِسْمٌ اختُلِفَ فيه، هَلْ فيه حَجَرٌ أو لا؟ وهو الصِّيامُ والحَجُّ وقِراءةُ القُرآنِ، فلا يَحصُلُ شَيءٌ مِنْ ذلك لِلمَيِّتِ عندَ مالِكٍ، والشافِعيِّ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: يَصِلُ ثَوابُ القِراءةِ لِلمَيِّتِ.
فَمالِكٌ والشافِعيُّ يَحتَجَّانِ بالقياسِ على الصَّلاةِ ونَحوِها ممَّا هو فِعلٌ بَدَنيٌّ، والأصْلُ في الأفعالِ البَدَنيَّةِ؛ ألَّا يَنوبَ أحَدٌ فيها عن الآخَرِ، ولِظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
ولِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا ماتَ الإنْسَانُ انقَطَعَ عنه عَملُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَاريَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له» (١).
واحتَجَّ أبو حَنيفَةَ، وابنُ حَنبَلٍ بالقِياسِ على الدُّعاءِ؛ فإنا أجمَعْنا على أنَّ الدُّعاءَ يَصِلُ لِلمَيِّتِ؛ فكذلك القِراءةُ، والكلُّ عَملٌ بَدَنِيٌّ، ولِظاهِرِ قَولِه ﷺ لِلسَّائِلِ: «صَلِّ لَهُما مع صَلاتِكَ، وصُمْ لَهُما مع صَومِكَ» (٢) يَعني أبَوَيْه.
(١) رواه مسلم (١٦٣١).
(٢) مُرسلٌ: ذكره الإمام مسلم في «مقدمة الصحيح» (١/ ١٦).
والجَوابُ عن الأولِ: أنَّ القِياسَ على الدُّعاءِ لا يَستَقيمُ؛ فإنَّ الدُّعاءَ فيه أمرانِ:
أحَدُهما: مُتعلِّقُه الذي هو مَدلولُه، نَحوَ المَغفِرةِ في قَولِهِم: اللَّهمْ اغفِرْ لَه، والآخَرُ ثَوابُه؛ فالأولُ هو الذي يُرجَى حُصولُه لِلمَيِّتِ، ولا يَحصُلُ إلَّا لَهُ؛ فإنَّه لَم يَدْعُ لِنَفْسِه، وإنَّما دَعا لِلمَيِّتِ بالمَغفِرةِ.
والآخَرُ: وهو الثَّوابُ على الدُّعاءِ، فهو الدَّاعي فقَطْ، وليسَ لِلمَيِّتِ مِنْ الثَّوابِ على الدُّعاءِ شَيءٌ؛ فالقِياسُ على الدُّعاءِ غَلَطٌ وخُروجٌ مِنْ بابٍ إلى بابٍ، وأمَّا الحَديثُ فإمَّا أنْ نَجعَلَه خاصًّا بذلك الشَّخصِ، أو أنْ نُعارِضَه بما تَقدَّمَ مِنْ الأدِلَّةِ، ونَعُدُّها أنَّها على وَفقِ الأصلِ؛ فإنَّ الأصلَ عَدَمُ الِانتِقالِ.
وَمِنَ الفُقهاءِ مَنْ يَقولُ: إذا قُرِئَ عندَ القَبرِ حَصَلَ لِلمَيِّتِ أجْرُ المُستَمِعِ، وهو لا يَصحُّ أيضًا؛ لِانعِقادِ الإجماعِ على أنَّ الثَّوابَ يَتبَعُ الأمْرَ والنَّهيَ، فما لا أمْرَ فيه ولا نَهْيَ لا ثَوابَ فيه، بدَليلِ المُباحاتِ وأربابِ الفَتَراتِ والمَوتَى، انقَطَعَ عَنهمُ الأوامِرُ والنَّواهي، وإذا لَم يَكونوا مَأْمورينَ لا يَكونُ لَهم ثَوابٌ، وإنْ كانوا مُستَمِعينَ، ألَا تَرى أنَّ البَهائِمَ تَسمَعُ أصواتَنا بالقِراءةِ ولا ثَوابَ لَها؛ لِعَدَمِ الأمْرِ لَها بالِاستِماعِ، فكذلك المَوتَى.
والَّذي يُتَّجَه أنْ يُقالَ ولا يَقَعُ فيه خِلافٌ أنَّه يَحصُلُ لَهُمْ بَرَكةُ القِراءةِ، لا ثَوابُها، كَما تَحصُلُ لَهُمْ بَرَكةُ الرجُلِ الصَّالِحِ، يُدفَنُ عِندَهم أو يُدفَنونَ عِندَهُ؛ فإنَّ البَرَكةَ لا تَتوقَّفُ على الأمْرِ؛ فإنَّ البَهيمةَ يَحصُلُ لَها بَرَكةُ راكِبِها أو مُجاوِرِها، وأمْرُ البَرَكاتِ لا يُنكَرُ؛ فقَد كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ تَحصُلُ
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.