الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > الركن الثالث: المعقود عليه وهو العمل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثَّالثُ: المَعقودُ عليه، وهو العَملُ:
العِلمُ بالعَملِ:
لا يُشترَطُ في العَملِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنْ يَكونَ مَعلومًا إذا كانَ مُتعَسِّرًا؛ فيَصحُّ أنْ يَكونَ العَملُ فيها مَجهولًا غيرَ مَعلومٍ، كَرَدِّ الآبِقِ، والضَّالَّةِ، فإنَّ مَسافةَ الآبِقِ والضَّالَّةِ غيرُ مَعلومةٍ، بخِلافِ الإجارةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ العَملِ.
فَإنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي فله كذا، أو مَنْ رَدَّ عَبدِي مِنْ مَوضِعِ كذا فله كذا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك مَع جَهالةِ العَملِ، فلَأنْ يَصحَّ إذا كانَ العَملُ مَعلومًا أَوْلَى.
أمَّا إذا كانَ العَملُ مُتيسِّرًا يُمكِنُ ضَبطُه، كَحَفرِ بِئرٍ لِإخراجِ الماءِ، وبِناءِ حائِطٍ، فلا يَجوزُ عندَ المالِكيَّةِ في المَذهبِ، وبعضِ الشَّافِعيَّةِ، حتى يَعلَمَ به، ويَجوزُ عندَ الشَّافِعيَّةِ -على ما أطلَقَه الرَّافِعيُّ والنَّوَويُّ كما سَيَأْتي- والحَنابِلةِ، فلا فَرقَ عندَهم بينَ أنْ يَكونَ العَملُ مَجهولًا، أو مَعلومًا، مُتيسِّرًا أو مُتعسِّرًا.
قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: يَجوزُ الجُعلُ على استِخراجِ المياهِ في الآبارِ، والعُيونِ، على صِفةٍ مَعلومةٍ، وعلى مَعرِفةِ بُعدِ الأرضِ وقُربِها وشِدَّتِها ولِينِها، فإنْ لَم يَعْرِفْ ذلك لَم يَجُزْ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ على عَمَلٍ مَجهولٍ، لا تَدْعو ضَرورةٌ إليه، وإنْ لَم يَأتِ الماءُ فلا شَيءَ له، إلَّا أنْ يَكونَ رَبُّ الدَّارِ قَدِ انتَفَعَ بشَيءٍ مِنْ عَملِه، فتَكونَ له الأُجرةُ بقَدْرِه (١).
(١) «المعونة» (٢/ ١٢١).
وقالَ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: لا يُشترَطُ فيهِ -أي: الجُعلِ- عِلمُ مُتعسِّرِه، بخِلافِ مُتيسِّرِه؛ إذْ كلُّ المَذهبِ جَوازُه على الآبِقِ، مَع جَهلِهما ناحيتَيْه، بخِلافِه على استِخراجِ الماءِ مِنْ الأرضِ؛ ففي «المَعونةِ»: يَجوزُ بعدَ مَعرِفةِ بُعدِ ماءِ الأرضِ وقُربِه وشِدَّتِها ولِينِها، فإنْ لَم يَعرِفْ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه لا تَدْعُو ضَرورةٌ إليه، وهو نَصُّ نَقْلِ ابنِ فَتُّوحٍ عن المَذهبِ.
وَقَولُ «المُقدِماتِ»: ليسَ مِنْ شَرطِه كَونُ العَملِ مَعلومًا، بَلْ يَجوزُ فيه المَجهولُ، ظاهِرُه عَدمُ شَرطِ خِبرةِ الأرضِ، وهو ظاهِرٌ (١).
وقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: لا يُشترَطُ العِلمُ بالمَجعولِ عليه، بَلْ تارةً يَكونُ مَجهولًا، كالآبِقِ؛ فإنَّه لا بدَّ في صِحَّةِ الجُعلِ على الإتيانِ به ألَّا يُعلَمَ مَكانُه، فإنْ علِمه رَبُّه فَقط، لَزِمَه الأكثَرُ ممَّا سُمِّيَ، وجُعْلُ المِثلِ، وإنْ علِمه العامِلُ فَقط كانَ له بقَدْرِ تَعَبِه عندَ ابنِ القاسِمِ. وقِيلَ: لا شَيءَ له، وإنْ علِماه معًا يَنبَغي له جُعلُ مِثلِه؛ نَظَرًا لِسَبْقِ الجاعِلِ بالعَداءِ.
وَتارةً يَكونُ مَعلومًا كالمُجاعَلةِ على حَفرِ بِئرٍ؛ فإنَّه يُشترَطُ فيه الخِبرةُ بالأرضِ وبمائِها (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لا يُشترَطُ أنْ يَكونَ العَملُ مَعلومًا؛ لأنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ؛ فجازَ أنْ يَكونَ العَملُ فيها مَجهولًا، وَرَدُّ الآبِقِ لا يَنضَبِطُ العَملُ فيه.
(١) «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٩٢)، و «منح الجليل» (٨/ ٧١).
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٢٩، ٤٣٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٥).
قالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: كلُّ ما لا تَجوزُ الإجارةُ عليه مِنْ الأعمالِ لِكَونِه مَجهولًا، تَجوزُ الجَهالةُ عليه لِلحاجةِ، وما جازَتِ الإجارةُ عليه، جازَتِ الجَعالةُ أيضًا، على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا؛ لِلِاستِغناءِ بالإجارةِ (١).
وَقَدْ أطلَقَ الرَّافِعيُّ والنَّوَويُّ صِحَّتَها مَع جَهالةِ العَملِ، لكنْ قالَ ابنُ الرِّفعةِ -تَبَعًا لِلقاضي حُسَينٍ-: هذا مَخصوصٌ بما لا يُمكِنُ ضَبطُه، وعَسُرَ عَملُه، كقولِه: مَنْ رَدَّ عَبدِي فله كذا، فأمَّا ما يُمكِنُ ضَبطُه ويَسهُلُ، كما إذا قالَ: مَنْ بَنَى لي حائِطًا فله كذا، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ مَوضِعِ البِناءِ، وطُولِ الحائِطِ، وسُمْكِه وارتِفاعِه، وما يُبنَى به، وفي الخِياطةِ يُعتبَرُ وَصفُ الثَّوبِ والخِياطةِ؛ إذْ لا حاجةَ إلى احتِمالِ الجَهالةِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ أنْ يَكونَ العَملُ في الجَعالةِ مَجهولًا، كَخِياطةِ لَم يَصِفْها لِثَوبٍ، ورَدِّ لُقَطَةٍ لَم يُعيِّنْ مَوضِعَها؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعو إلى كَونِ العَملِ مَجهولًا بألَّا يُعلَمُ مَوضِعُ الضَّالَّةِ والآبِقِ، ولأنَّ العَملَ لا يَصيرُ لَازِمًا؛ فلَمْ يَجِبْ كَونُه مَعلومًا (٣).
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٩٠).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ٣١)، و «المهذب» (١/ ٤١١)، و «الوسيط» (٥/ ١٤٢، ١٤٣)، و «البيان» (٧/ ٤٠٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٩٣)، و «مغني المحتاج» (٥٤٣، ٥٤٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٥٣٩)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٣)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٣٢٥).
(٣) «المغني» (٦/ ٢٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٤٧، ٢٤٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٠، ٢٨١)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الشركة
الركن الثالث في معرفة قدر العمل في شركة العنان
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَشْبِيهُ الشَّرِكَةِ بِالْقِرَاضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَيْسَ يَجْعَلُ مُقَابِلَهُ إِلَّا عَمَلًا فَقَطْ; كَانَ فِي الشَّرِكَةِ أَحْرَى أَنْ يجْعَلَ لِلْعَمَلِ جُزْءا مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ مَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَمَلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الرِّبْحِ مُقَابِلًا لِفَضْلِ عَمَلِهِ عَلَى عَمَلِ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ في شركة العنان
ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.