الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > المسألة التاسعة: إذا اشترك جماعة في العمل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالمَسألةُ التَّاسعةُ: إذا اشترَكَ جَماعةٌ في العَملِ:
قالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو عمَّم المالِكُ النِّداءَ، كَأنْ قالَ: «مَنْ رَدَّ عَبدي فله كذا» واشترَكَ حينَئذٍ اثنانِ مثلًا غيرُ مُعيَّنَيْنِ في رَدِّه، اشترَكا في الجُعْلِ؛ لِحُصولِ الرَّدِّ مِنهُما، والِاشتِراكُ فيه على عَدَدِ الرُّؤوسِ، وإنْ تَفاوَتَا في العَملِ؛ لأنَّه لا يَنضَبِطُ، أي: في الأغلَبِ، حتى يَقَعَ التَّوزيعُ عليه.
وهذا إذا عمَّم النِّداءَ، كقولِه: مَنْ رَدَّه فله كذا، أو قالَ لِنَفَرٍ: إنْ رَدَدتُموه فلَكم كذا، وعُلِمَ مِنه أنَّه لا يُزادُ بزِيادةِ الرَّادِّ، بخِلافِ ما لو قالَ: مَنْ دخَل دَارِي أُعطِيه دِرهَمًا، فدخَل جَمْعٌ، استَحقَّ كلُّ واحِدٍ دِرهَمًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ دخَل، وليسَ كلُّ واحِدٍ رَادًّا لِلعَبدِ، بَلِ الجَميعُ رَدُّوه؛ فلِذلك اشترَكوا في الجُعْلِ على عَدَدِ الرُّؤوسِ؛ لأنَّ العَملَ في أصْلِه مَجهولٌ، لا يُوزَّعُ عليه.
وقالَ الإمامُ: لا يَبعُدُ التَّوزيعُ على أُجورِ أمثالِهم، فإنَّ الأُجرةَ إنَّما تُدفَعُ إليهم عندَ تَمامِ العَملِ؛ فإذا تَمَّ فقَد انضَبَطَ ما صَدَرَ مِنْ كُلٍّ مِنهم.
ولو قالَ: مَنْ رَدَّ العَبدَيْنِ مِنْ كذا، فله دِينارٌ، فرَدَّهُما سامِعٌ مِنْ نِصفِ المَسافةِ، أو رَدَّ أحَدَهما مِنْ جَميعِها، استَحقَّ النِّصفَ، عَملًا بالتَّوزيعِ على العَملِ.
أو قالَ لِاثنَيْنِ: إنْ رَددْتُما العَبدَيْنِ فلَكُما كذا، فرَدَّهُما واحِدٌ مِنهُما، فله النِّصفُ، أو رَدَّ أحَدُهما واحِدًا مِنْ العَبدَيْنِ، فله الرُّبُعُ لِذلك فيهِما.
قالَ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: ولو قالَ: أيُّ رَجُلٍ رَدَّ عَبدي فله دِرهَمٌ، فرَدَّه اثنانِ، اقتَسَما الدِّرهَمَ بينَهما، على الأقرَبِ عِنْدِي.
ولو كانَ عَبْدٌ بينَ اثنَيْنِ لِأحَدِهِما ثُلُثُه، فقالَا لِرَجُلٍ: إنْ رَدَدتَ عَبدَنا فلكَ دِينارٌ، فرَدَّه، فالدِّينارُ بينَهما أثلاثًا، على قَدْرِ المِلْكِ، في أصَحِّ الوجهَيْنِ، كما قالَه القاضي حُسَينٌ.
إنْ قالَ لِرَجُلٍ: إنْ رَدَدتَ عَبدي فلكَ دِينارٌ، فرَدَّه مَعه رَجُلانِ آخَرانِ، فإنْ قالَا: عاوَنَّاه في الرَّدِّ، استَحقَّ المَجعولَ له، الدِّينارَ، ولَم يَستحقَّا شَيئًا؛ لأنَّهما عمِلا له بغيرِ عِوَضٍ.
وإنْ قالَا: شارَكْناه في العَملِ لِنُشارِكَه في الجُعْلِ، استَحقَّ المَجعولُ له ثُلُثَ الدِّينارِ؛ لأنَّه عمِل ثُلُثَ العَملِ، ولا شَيءَ لِلآخَرينَ؛ لأنَّ مالِكَ العَبدِ لَم يَشرُطْ لهما شَيئًا، وإنَّما شرَط لِلثَّالثِ. فلا شَيءَ لِلمُشارِكِ بحالٍ في أيِّ حالٍ ممَّا قصَدهُ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَلتزِم له شَيئًا، نَعم، إنِ التَزَمَ له العامِلُ بشَيءٍ لَزِمَه.
ولو قالَ لِزَيدٍ: رُدَّ عَبدِي مثلًا، ولكَ دِينارٌ، فأعانَه آخَرُ، فالكُلُّ لِزَيدٍ، فقَد يَحتاجُ لِلمُعاوَنةِ، وغَرَضُ المُلتزِمِ العَملُ، بأيِّ وَجهٍ أمْكَنَ، فلا يُحمَلُ على قَصرِ العَملِ على المُخاطَبِ.
وَيَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَستَعينَ بغيرِه إذا لَم يَكُنْ مُعيَّنًا، وإنْ لَم يَعجِزْ؛ لأنَّ الجَعالةَ خُفِّفَ فيها، وإنْ كانَ مُعيَّنًا فهو كالوَكيلِ، يَجوزُ أنْ يَستَعينَ به فيما يَعجِزُ عنه أو لا يَليقُ به، كما يُوكَّلُ فيه، وتَوكيلُ غيرِ المُعيَّنِ بعدَ سَماعِه النِّداءَ غيرَه، كالتَّوكيلِ في الاحتِطابِ ونحوِه، يَجوزُ.
قالَ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: فائِدةٌ: استَنبَطَ السُّبكيُّ رحمة الله عليه مِنْ استِحقاقِ المَجعولِ له تَمامَ الجُعْلِ إذا قصَد المُشارِكُ إعانَتَه، ومِن استِحقاقِ العامِلِ
في المُساقاةِ نَصيبَه إذا تَبَرَّعَ عنه المالِكُ أو أجنَبيٌّ في العَملِ: جَوازُ الِاستِنابةِ في الإمامةِ.
وَكُلُّ وَظيفةٍ تَقبَلُ الاستِنابةَ، كالتَّدريسِ، بشَرطِ أنْ يَستَنيبَ مثلَه، أو خَيرًا مِنه، ويَستحقُّ كلَّ المَعلومِ، قالَ: وإنْ أفتَى ابنُ عَبدِ السَّلامِ والنَّوَويُّ بعَدمِ استِحقاقِ واحِدٍ مِنهُما، قالَا: أمَّا المُستَنيبُ فلِعدمِ مُباشَرَتِه، وأمَّا النَّائِبُ فلِعدمِ وِلايَتِه، إلَّا أنْ يَأذَنَ له النَّاظِرُ في المُباشَرةِ.
قالَ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: ومُدرِكُهُما في ذلك أنَّ الرِّيعَ ليسَ مِنْ بابِ الإجارةِ ولا الجَعالةِ؛ لأنَّ شَرطَهُما أنْ يَقَعَ العَملُ فيهِما لِلمُستأجِرِ والجاعِلِ، والعَملُ هُنا لا يُمكِنُ وُقوعُه لِلجاعِلِ، فلَمْ يَبْقَ إلَّا الإباحةُ بشَرطِ الحُضورِ، ولَم يُوجَدْ، فلا يَصحُّ إلحاقُه بهذه المَسألةِ.
وقالَ الأذرَعيُّ رحمة الله عليه: وما ذكَره رحمة الله عليه فَتَحَ بابًا لِأربابِ الجِهاتِ والجَهالاتِ في تَوَلي المَناصِبِ الدِّينيةِ، واستِنابةِ مَنْ لا يَصلُحُ أو يَصلُحُ بنَزرِ يَسيرٍ مِنْ المَعلومِ، ويَأخُذُ ذلك المُستَنيبُ مالَ الوَقفِ على مَرِّ الأعصارِ. اه.
وقالَ الغَزِّيُّ -بعدَ تَمثيلِ السُّبكيِّ بالإمامةِ-: وهذا بخِلافِ الفُقهاءِ.
قالَ ابنُ شُهبةَ رحمة الله عليه: وهو واضِحٌ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَتفقَّهُ عَنه. اه (١).
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٩٢، ٩٣)، و «البيان» (٧/ ٤١١، ٤١٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٥، ٥٤٧)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي» (٥/ ٥٤٣، ٥٤٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٤، ٥٨٥)، وقال الدميري في «النجم الوهاج» (٦/ ٩٨): فائِدةٌ: كَثيرًا ما يُسألُ عَنْ إمامِ مَسجدٍ يَستَنِيبُ فِيهِ: أفتَى ابنُ عَبدِ السَّلامِ والمُصنِّفُ بأنَّه لا يَستَحقُّ مَعلُومَ الإمامَةِ، لا المُستَنِيبُ؛ لِعَدَمِ مُباشرَتِه، وَلا النّائِبُ؛ لِعَدَمِ وِلايَتِه. واستَنبَطَ الشَّيخُ مِنَ استِعانةِ المَجعُولِ لَه أنَّ ذلك جائِزٌ، وَأنَّ المُستَنِيبَ يَستَحقُّ جَمِيعَ المَعلُومِ إذا قصَد النّائِبُ إعانَتَهُ، لكن يُشترَطُ أن يَكُونَ النّائِبُ مثلَ المُستَنِيبِ أو خَيرًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ إذا لَم يَكُنْ بِصِفَتِه لَم يَحصُلِ الغَرَضُ بِهِ، والِاستِنابةُ فِي الإمامةِ تُشبِهُ التَّوكِيلَ في المُباحاتِ، وَفِي مَعنَى الإمامَةِ: كلُّ وَظِيفَةٍ تَقبَلُ الِاستِنابَةَ، كالتَّدرِيسِ، وهذا في القَدرِ الَّذِي لا يَعجِزُ عن مُباشرَتِه بِنَفسِهِ، فَإن عَجَزَ عَنِ المُباشَرةِ، فلا شَكَّ فِي جَوازِ الِاستِنابَةِ. حادِثَةٌ: كانَ الشَّيخُ فَخرُ الدِّينِ ابنُ عَساكِرَ مُدرِّسًا بالعَذراويَّةِ، وهو أوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بها، والتَّقويَّةِ، والجارُوخيَّةِ، وَهذه الثَّلاثَةُ بِدِمَشقَ، وفي المَدرسَةِ الصَّلاحِيَّةِ بِالقُدسِ، يُقِيمُ بهذه أشهُرًا، وَبِهذه أشهُرًا فِي السَّنَةِ، هَذا مَعَ عِلمِهِ ووَرَعِه. وَقَدْ سُئِلَ فِي هذا الزَّمانِ عَنْ رَجُلٍ وَلِيَ تَدرِيسَ مَدرستَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ متَباعِدَيْنِ، كَحَلَبَ وَدِمَشقَ، فَأفتَى جَماعَةٌ بِجَوازِ ذلك، وَيَستَنِيبُ، مِنهُم: قاضِي القُضاةِ بَهاءُ الدِّينِ أبُو البَقاءِ السُّبكِيُّ، والشَّيخُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ البَعلَبَكِّيُّ، وَشَمسُ الدِّينِ الغَزِّيُّ، والشَّيخُ عِمادُ الدِّينِ الحُسبانِيُّ، ومِن الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابلَةِ آخَرُونَ، ومَنعَ ذلك طائِفةٌ، وغيرُهم، وهو الأشبَهُ؛ لأنَّ غَيبَتَهُ فِي إحداهُما لِأجلِ الحُضُورِ فِي الأُخرَى ليسَت بِعُذرٍ.
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا اشترَكَ جَماعةٌ في العَملِ ففَعلَتِ المُجاعَلَ عليه اشترَكوا في الجُعْلِ؛ لأنَّهم اشترَكوا في العَملِ الذي به استُحِقَّ الجُعْلُ؛ فلَو قالَ قائِلٌ: مَنْ نقَب السُّورَ فله دِينارٌ، فنَقَبوه، أي: نقَبه ثَلاثةٌ نَقْبًا واحِدًا، استحَقُّوا دِينارًا واحِدًا بينَهم أثلاثًا؛ لأنَّهم اشترَكوا في العَملِ الذي يُستحَقُّ به العِوَضُ، فاشترَكوا في العِوَضِ، كالأجْرِ في الإجارةِ، وإنْ نقَب كلُّ واحِدٍ نَقْبًا، فكلُّ واحِدٍ يَأخُذُ دِينارًا، كما لو قالَ: مَنْ دخَل هذا النَّقْبَ فله دِينارٌ، فدخَله جَماعةٌ، استَحقَّ كلُّ واحِدٍ مِنهم دِينارًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الدَّاخِلينَ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.