الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > المسألة الثامنة: كانت بيد إنسان فجعل له مالكها جعلا ليردها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوقالَ الحَنابِلةُ: إذا قالَ جائِزُ التَصرُّفِ لِزَيدٍ مثلًا: «إنْ رَدَدتَ لُقَطَتِي فلكَ كذا» يَستحقُّه إنْ رَدَّها، ولا يَستحقُّ مَنْ رَدَّها سِواه، أي: سِوى المُخاطَبِ بذلك؛ لأنَّ رَبَّها لَم يُجاعِلْه على رَدِّها (١).
المَسألةُ السَّابِعةُ: إذا عيَّن رَجُلاً فقالَ: إنْ رَدَّه زَيدٌ فله كذا، فرَدَّه زَيدٌ غيرَ عالِمٍ بإذْنِه، هل يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو عيَّن رَجُلًا بأنْ قالَ: «إنْ رَدَّه زَيدٌ فله كذا» فرَدَّه زَيدٌ غيرَ عالِمٍ بإذْنِه، أو أذِنَ له في الرَّدِّ ولَم يَشترِطْ عِوَضًا، أو شرَط عِوَضًا غيرَ مَقصودٍ، كالدَّمِ، فلا شَيءَ لِلرَّادِّ (٢).
وهو ما يَقتَضيه كَلامُ الحَنابِلةِ أنه لا يَستحقُّ شَيئًا.
المَسألةُ الثَّامِنةُ: كانَتْ بِيَدِ إنسانٍ فجعَل له مالِكُها جُعلا لِيَرُدَّها:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشَّافعيَّةُ على التَّفصيلِ الآتي عندَهم إلى أنَّ الإنسانَ إذا وجَد ضالَّةَ آخَرَ ثم جعَل صاحِبُها لمَن وجَدها جُعلًا أنَّه لا يَستحقُّه؛ لأنَّه يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّه إليه.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: لا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعْلِ لمَن وجَد
(١) «المغني» (٦/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٤٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٩).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٨٩)، و «مغني المُحتاج» (٣/ ٥٤٢)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشَّبراملسي» (٥/ ٥٣٥).
العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ؛ إذْ قد وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعلُ (١).
وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: قالَ في النَّوادِرِ في كِتابِ الجُعْلِ والإجارةِ: وإنَّما يَجوزُ الجُعْلُ على طَلَبِ عَبدٍ يُجهَلُ مَكانُه.
فأمَّا مَنْ وجَد آبِقًا أو ضَالًّا أو ثِيابًا فلا يَجوزُ له أخْذُ الجُعْلِ على رَدِّه، ولا عَلى أنْ يَدُلَّ على مَكانِه، بل ذلك واجِبٌ عليه (٢).
وقالَ التُّسُوليُّ رحمة الله عليه في «البَهجةُ في شَرحِ التُّحفةِ»: مَنْ سُرِقَ له شَيءٌ، أو ضاعَ له -مثلًا- فالتَزَمَ رَبُّه الجُعْلَ المُسمَّى بالبِشارةِ اليَومَ، فإنَّه يَجوزُ ذلك الِالتِزامُ، ويُقضَى لِلمُبَشِّرِ بأخْذِه بشَرطَيْنِ:
أنْ يَلتزِمَ له ذلك قبلَ وُجودِ المَسروقِ ونحوِه، وأنْ يَكونَ مَكانُه مَجهولًا، فمَن وجَد الآبِقَ أو المَسروقَ أو علِم مَكأنَّهما ثم جاءَ إلى رَبِّه فطَلبَ أنْ يَلتزِمَ له بالبِشارةِ على رَدِّه أو على الدِّلالةِ على مَكانِه فلا جُعلَ له، وإنْ قَبَضَه رَدَّه، قالَ في العَمَلياتِ:
وَخُذْ بِشارةً بجُعلٍ جُعِلا قبلَ الوُجودِ والمَكانِ جُهِلَا
انظُرِ الأنقالَ على ذلك في شَرحِه، لكنْ ذكَر أبو العَبَّاسِ المَلَّويُّ في بعضِ تَقاييدِه -ونَحوُه في شَرحِ العَملِ المَذكورِ- أنَّ بعضَ قُضاةِ فاسَ أفتَى
(١) «البيان والتحصيل» (٨/ ٤٦٧)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٦٧).
(٢) «مواهب الجليل» (٧/ ٤٥٣، ٤٥٤).
بوُجوبِ الحُكمِ بالبِشارةِ مُطلَقًا؛ مُراعاةً لِلمَصالِحِ العامَّةِ، وخَوفًا مِنْ ضَياعِ أموالِ المُسلِمينَ بكِتمانِ الضَّوالِّ والمَسروقِ. قالَ: وقَد نَصَّ العُلماءُ على أنَّ الفَتوَى دائِرةٌ على مُقتَضَى الحالِ، وحيثُ أُخِذَتِ البِشارةُ مِنْ المَسروقِ له، فإنَّه يَرجِعُ بها على السَّارِقِ؛ لأنَّه ظالِمٌ تَسَبَّبَ في إغرامِ رَبِّ البِشارةِ. قُلتُ: وهذه الفَتوَى جاريةٌ على ما تَقدَّم عن ابنِ سِراجٍ وغيرِه مِنْ رَعْيِ المَصالِحِ، وعلى مُقتَضاها عامَّةُ المُسلِمينَ اليَومَ؛ فلا يَستَطيعُ أنْ يَرُدَّهم عن كِتمانِ الضَّوالِّ رَادٌّ إنْ لَم يَأخُذوا البِشارةَ، واللَّهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ كانَتِ الضَّالَّةُ بيَدِ إنسانٍ فجعَل له مالِكُها جُعلًا لِيَرُدَّها، لَم يُبَحْ له أخْذُه؛ لأنَّه يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّها عليه (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ: «مَنْ رَدِّ مالي فله كذا» فرَدَّه مَنْ كانَ في يَدِه نُظر: إنْ كانَ في رَدِّه كُلْفةٌ كالآبِقِ استَحقَّ الجُعْلَ، وإنْ لَم يَكُنْ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ فلا؛ لأنَّ ما لا كُلْفةَ فيه لا يُقابَلُ بالعِوَضِ.
ولو قالَ: «مَنْ دَلَّني على مالي فله كذا» فدَلَّه مَنِ المالُ في يَدِه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ عليه شَرعًا؛ فلا يَأخُذُ عليه عِوَضًا.
وإنْ كانَ في يَدِ غيرِه فدَلَّه عليه استَحقَّ؛ لأنَّ الأغلَبَ أنَّه يَلحَقُه مَشقَّةٌ بالبَحثِ عَنهُ (٣).
(١) «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٢، ٣١٣).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٢٤٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٩).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ٩٠، ٩١).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب الجعالة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* (باب الجعالة)
* يجوز عقد الجعالة وهو أن يبذل الجعل لمن عمل له عملا من رد ضالة ورد آبق وبناء حائط وخياطة ثوب وكل ما يستأجر عليه من الاعمال، والدليل عيله قوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وروى أبو سعيد الخدرى (أن ناسا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتو احيا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شاء فجعل رجل يقرأ بام القرآن ويجمع بزاقة ويتفل فبرا الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذلك فضحك وقال: ما أدراك إنها رقية؟ خذوها واضربوا إلى فيها بسهم ولان الحاجة تدعو إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالاجارة والمضاربة.
(فصل)
ويجوز ان يعقد لعامل غير معين للآية، ولانه قد يكون له عمل
ولا يعرف من يعمله، فجاز من غير تعيين، وروى المزني في المختصر عن الشافعي رحمه الله في المنثور انه قال إذا قال أول من يحج عنى فله مائة فحج عنه رجل أنه يستحق المائة.
وقال المزني: ينبغى أن يستحق أجرة المثل لانه اجازة فلم تصح من غير تعيين، وهذا خطا، لان ذلك جعالة، وقد بينا ان الجعالة تجوز من غير تعيين العامل.
(فصل)
وتجوز على عمل مجهول للآية، ولان الحاجة تدعو إلى ذلك فجاز مع الجهالة كالمضاربة، ولا تجوز الا بعوض معلوم، لانه عقد معاوضة فلا تجوز بعوض مجهول كالنكاح، فان شرط له جعلا مجهولا فعمل استحق أجرة المثل، لان كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب المثل في فاسده، كالبيع والنكاح.
(فصل)
ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.