المسألة الثانية: من رده دون أن يأذن مالكه بالرد، هل يستحق الجعل أو لا؟

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > المسألة الثانية: من رده دون أن يأذن مالكه بالرد، هل يستحق الجعل أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: من رده دون أن يأذن مالكه بالرد، هل يستحق الجعل أو لا؟ - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الثَّانيةُ: مَنْ رَدَّه دونَ أنْ يَأذَنَ مالِكُه بالرَّدِّ، هَلْ يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ رَدَّ الضَّالَّةَ دونَ أنْ يَأذَنَ المالِكُ في رَدِّها، ولَم يَجعَلْ لمَن رَدَّها جُعلًا، هَلْ يَستحقُّ جُعلَ المِثْلِ بذلك أو لا يَستحقُّ، ويَكونُ مُتَبَرِّعًا بذلك.

فَقالَ الشَّافِعيَّةُ: مَنْ رَدَّ آبِقًا أو ضالَّةً بغيرِ إذْنِ مالِكِها كَأنْ عمِل قبلَ النِّداءِ، فلا شَيءَ له، سَواءٌ أكانَ الرَّادُّ مَعروفًا برَدِّ الضَّوالِّ بعِوَضٍ أم لا؛ لأنَّه عَمَلٌ بلا صِيغةٍ، فلا شَيءَ له؛ لِعَدمِ الِالتِزامِ له بشَيءٍ، فوقَع عَملُه تَبرُّعًا، ودخَل العَبدُ مثلًا في ضَمانِه، وكذا مَنْ عمِل بإذْنٍ مِنْ غيرِ ذِكْرِ عِوضٍ (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إنْ لَم يَقُلْ رَبُّه شَيئًا، فجاءَ به شَخصٌ، وكانَ مِنْ عادَتِه طَلَبُ الضَّوالِّ والآبِقِينَ، فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، فإنْ لَم تَكُنْ عادَتُه طَلبَ ما ذُكِرَ فلا جُعلَ له، وله النَّفَقةُ فَقط، أي: نَفَقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأْكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه -مثلًا- في زَمَنِ تَحصيلِه.

ولرَبِّه تَرْكُه إذا أتَى العُمَّالُ بالعَبدِ الآبِقِ قبلَ أنْ يَلتزِمَ رَبُّه بالجُعلِ، فإنَّ له أنْ يَترُكَه لمَن جاءَ به، ولا مَقالَ لِلعامِلِ حينَئذٍ، وسَواءٌ أكانَ الجُعْلُ يُساوي قِيمةَ رَقَبةِ العَبدِ أم لا (٢).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٢)، و «نهاية المحتاج مع حاشِيَة الشَّبراملسي» (٥/ ٥٣٥)، و «أسنى المَطالِب» (٢/ ٤٣٩)، و «النَّجم الوهَّاج» (٦/ ٩١)، و «الدِّيباج» (٢/ ٥٨٢)، و «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٣٢٤).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٥)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٧، ١٠٨).

قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: مَنْ جاءَ بآبِقٍ أو شارِدٍ، ابتِداءً، ثم طَلبَ الأجْرَ، فإنْ كانَ ذلك شَأنَه وعادَتَه، ويُعلَمُ أنَّه يَتكَسَّبُ به، فله أُجرةُ مِثْلِه بقَدْرِ تَعَبِه وسَفَرِه، وتَكلُّفِ طَلَبِه -خِلافًا لِأبي حَنِيفَةَ والشَّافِعيِّ في قَولهما إنَّه مُتَطوِّعٌ، لا شَيءَ له-؛ لأنَّ مَنافِعَه فيما لو أضاعَه رَبُّه لَعُدَّ سَفَهًا مِنه يُوجِبُ له الأجْرَ عليها، أصْلُه لو سقَط مِنْ مَوضِعٍ عالٍ، أو وقَع في بِئرٍ، فأخرَجَه، فأثبَتَ ذلك، فله أجْرُ مِثلِه؛ لأنَّه ليسَ هُناكَ مُسَمًّى، فإنْ أبَى صاحِبُ العَبدِ أنْ يَدفعَ إليه، خَلَّى بينَه وبينَ العَبدِ؛ لأنَّ امتِناعَه مِنْ ذلك رِضًا بإسلامِ العَبدِ، وإنْ عُلِمَ أنَّ ذلك ليسَ مِنْ شَأنِه، فعادَتُه أنَّه يَترفَّعَ عن مِثلِه، وإنَّما فَعلَه على وَجْهِ الحِسبةِ واكتِسابِ المَوَدَّةِ، فليسَ له أُجرةٌ إنْ طَلبَها؛ لأنَّ دَعواه لِذلك تُنافي ظاهِرَ حالِه، فكَأنَّه نَدِمَ فاستَدرَكَ ندَمه، ولا يَستحقُّ شَيئًا (١).

إلَّا أنِّي وَجَدتُ ابنَ رُشدٍ رحمة الله عليه قالَ: لا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعْلِ لمَن وجَد العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ؛ إذْ قَدْ وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ، واختُلِفَ فيمَن وجَده بعدَ أنْ جُعِلَ فيه الجُعْلُ على قولَيْنِ، أحَدُهما: أنَّه لا شَيءَ له فيه، إلَّا أنْ يَسمَع الجُعْلَ ويَطلُبَ العَبدَ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ. والآخَرُ: أنَّ الجُعْلَ يَكونُ له، وإنْ لَم

(١) «المعونة» (٢/ ١٢٠).

يَسمَعِ الجُعْلَ، ولَم يَطلُبِ العَبدَ، وهو القَولُ الذي حَكَى ابنُ حَبيبٍ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١). ولَم يُذكَرْ هذا التَّفصيلُ المَعروفُ عندَ المالِكيَّةِ.

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: مَنْ رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عمِل لِغيرِه عَملًا بغيرِ جُعلٍ ولا إذْنٍ، لَم يَستحقَّ عِوَضًا؛ لأنَّه بذَل مَنفعةً مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فلَم يَستحقَّهُ؛ ولِئَلَّا يُلزَمَ الإنسانُ ما لَم يَلتزِمْه، ولَم تَطِبْ به نَفْسُه، إلَّا في مَسألَتَيْنِ:

الأُولَى: أنْ يُخَلِّصَ مَتاعَ غيرِه مِنْ مَهلَكةٍ، كَغَرَقٍ وفَمِ سَبُعٍ وفَلاةٍ يُظَنُّ هَلاكُه في تَرْكِه فيها، فله أُجرةُ مِثلِه؛ تَرغيبًا، وإنْ لَم يَأذَنْ له رَبُّه؛ لأنَّه يُخشَى هَلاكُه وتَلَفُه على مالِكِه، وفيه حَثٌّ وتَرغيبٌ في إنقاذِ الأموالِ مِنْ التَّهلُكةِ.

والأُخرى: أنْ يَرُدَّ رَقيقًا آبِقًا لِسيِّدِه؛ فله ما قدَّره الشَّارِعُ، وهو دِينارٌ، أو اثنا عَشَرَ دِرهَمًا، رُوِيَ عن عُمرَ وعَلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ؛ لقولِ ابنِ أبي مُلَيكةَ وعَمرِو بنِ دِينارٍ: «إنَّ النَّبيَّ جعَل في رَدِّ الآبِقِ إذا جاءَ به خارِجًا مِنْ الحَرَمِ دِينارًا» (٢).

وَيَرجِعُ رادُّ الآبِقِ بنَفقَتِه أيضًا؛ لأنَّه مَأذونٌ في الإنفاقِ شَرعًا؛ لِحُرمةِ النَّفْسِ، ومَحَلُّه إنْ لَم يَنْوِ التَّبرُّعَ، ولو هرَب مِنه في الطَّريقِ، وإنْ ماتَ السَّيِّدُ رجَع في تَرِكَتِه، وعُلِمَ مِنه جَوازُ أَخْذِ الآبِقِ لمَن وجَده، وهو أمانةٌ بيَدِه، ومَنِ ادَّعاه فصدَّقه العَبدُ أخَذَه، فإنْ لَم يَجِدْ سَيِّدَه دفَعه إلى الإمامِ أو نائِبِه؛

(١) «البيان والتحصيل» (٨/ ٤٦٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي (٦/ ٢٠٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)

يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 21 - 23

ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله