المسألة السادسة عشرة: تأقيت الجعالة بمدة محددة، والجمع بين تقدير المدة وبين العمل

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > المسألة السادسة عشرة: تأقيت الجعالة بمدة محددة، والجمع بين تقدير المدة وبين العمل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

المسألة السادسة عشرة: تأقيت الجعالة بمدة محددة، والجمع بين تقدير المدة وبين العمل - الأقوال والأدلة

المُنادِيَ إذا كانَ عَدْلًا وشُهِدَ عليه بذلك، حلَف مَنْ رَدَّ العَبدَ مَعه إذا صدَّقه، واستُحِقَّ على مالِكِ العَبدِ الدِّينارُ، وإنْ لَم يَكُنْ عَدْلًا، أو لَم يُشهِدْ عليه، لَم يَلزَمِ المُنادِيَ شَيءٌ؛ لأنَّه يَقولُ: أنا صادِقٌ، ومالِكُ العَبدِ كاذِبٌ، فلا يَلزَمُني الغُرْمُ بكَذِبِه، ولأنَّه لا يَلتزِمُ ضَمانَه، فلا يَلزَمُه بالحِكايةِ (١).

المَسألةُ السَّادِسةَ عَشْرةَ: تَأْقِيتُ الجَعالةِ بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ، والجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ وبينَ العَملِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَعالةِ هَلْ يَصحُّ اشتِراطُ التَّأقيتِ فيها بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ أو لا؟

فَذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الجَعالةِ بمُدَّةٍ، كَأنْ قالَ: إنْ وَجَدتَها في شَهرٍ، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ فله كذا، ويَصحُّ الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ وبينَ العَملِ، كَأنْ قالَ: مَنْ خاطَ قَميصي في هذا اليَومِ فله دِرهَمٌ، أو مَنْ بَنَى لي هذا الحائِطَ في هذا اليَومِ فله دِينارٌ، ونحوَ ذلك، صَحَّ؛ نَظَرًا لِإطلاقِ كَلامِه، لِاحتِمالِ الغَرَرِ فيها، بخِلافِ الإجارةِ، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجهولةً فمَع التَّقديرِ أَوْلَى، فإنْ أتَى به في المُدَّةِ استَحقَّ الجُعْلَ، ولَم يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا يَلزَمُه شَيءٌ له. وإذا أتَمَّ العَملَ قبلَ انقِضاءِ المُدَّةِ لَم يَلزَمْه العَملُ في بَقِيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبلَ مُدَّتِه، فلَمْ يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، كَقَضاءِ الدَّينِ قبلَ أجَلِه، وإنْ مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَملِ؛ فلِلمُستأجِرِ فَسخُ الإجارةِ؛ لأنَّ الأجيرَ لَم يَفِ له

(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٧/ ٤١٠).

بشَرطِه، فإنْ رَضيَ بالبَقاءِ عليه لَم يَملِكِ الأجيرُ الفَسْخَ؛ لأنَّ الإخلالَ بالشَّرطِ مِنه، فلا يَكونُ ذلك وَسيلةً إلى الفَسخِ، فإنِ اختارَ إمضاءَ العَقدِ طالَبَه بالعَملِ لا غيرُ؛ كالمُسلِمِ إذا صَبَرَ عندَ تَعَذُّرِ المُسلَّمِ فيه إلى حِينِ وُجودِهِ؛ لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ المُسلَّمِ فيه، وإنْ فُسِخَ العَقدُ قبلَ العَملِ؛ سقَط الأجْرُ والعَملُ، وإنْ كانَ بعدَ عَملِ بعضِهِ؛ فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ العَقدَ قَدِ انفسَخ، فسقَط المُسمَّى، ورجَع إلى أجْرِ المِثْلِ.

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يَجوزُ في الإجارةِ، فكَيفَ أجَزْتُموه في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرقُ بينَهما مِنْ وُجوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الجَعالةَ يُحتمَلُ فيها الغَرَرُ، وتَجوزُ جَهالةُ العَملِ والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارةِ.

الثَّاني: أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلا يَلزَمُه بالدُّخولِ فيها مَع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارةِ؛ فإنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فإذا دخَل فيها مَع الغَرَرِ لَزِمَه ذلك.

الثَّالثُ: أنَّ الإجارةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ لَزِمَه العَملُ في جَميعِها، ولا يَلزَمُه العَملُ بعدَها؛ فإذا جَمَع بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ، فرُبَّما عمِله قبلَ المُدَّةِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه العَملُ في بَقِيَّةِ المُدَّةِ فقَد لَزِمَه مِنْ العَملِ أكثَرُ مِنْ المَعقودِ عليه، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه فقَد خَلَا بعضُ المُدَّةِ مِنْ العَملِ، فإنِ انقَضَتِ المُدَّةُ قبلَ عَملِه فألزَمْناه إتمامَ العَملِ، فقَد لَزِمَه العَملُ في غيرِ المُدَّةِ المَعقودِ عليها، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه العَملُ، فما أتَى بالمَعقودِ عليه مِنْ العَملِ بخِلافِ

مَسألَتِنا فإنَّ العَملَ الذي يَستحقُّ به الجُعْلَ هو عَمَلٌ مُقيَّدٌ بمُدَّةٍ، إنْ أتَى به استَحقَّ الجُعْلَ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا شَيءَ له (١).

وذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ الصِّيغةِ: عَدمُ التَّأْقِيتِ، فلَو قالَ: مَنْ رَدَّه اليَومَ فله كذا، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ فله كذا، لَم يَصحَّ، وفَسَدَتِ الجَعالةُ؛ لأنَّه يَكثُرُ بذلك الغَرَرُ، حيثُ قدَّره بمُدَّةٍ مَعلومةٍ، وهذا يُخِلُّ بمَقصودِ العَقدِ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَظفَرْ به فيه، ويَضيعُ عَملُه، ولا يَحصُلُ غَرَضُ المالِكِ، ولِهذا امتَنَعَ تَأْقِيتُ القِراضِ، فلا يَصحُّ تَأْقِيتُها، ولا الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ويُؤخَذُ مِنْ التَّشبيهِ بالقِراضِ أنَّه لا يَصحُّ تَعليقًا، وهو ظَاهِرٌ، وإنْ لَم أرَ مَنْ تَعرَّض له (٢).

وقالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ عَدمُ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ؛ لأنَّ العَامِلَ لا يَستحقُّ الجُعلَ إلَّا بالعَملِ، فقَد يَنقَضي الزَّمَنُ قبلَ التَّمامِ، ويَذهبُ عَملُه باطِلًا، ففيه زيادةُ غَرَرٍ، مَع أنَّ الأصْلَ فيها الغَرَرُ؛ وإنَّما أُجيزَتْ لِإذْنِ الشَّارِعِ فيها، والدَّليلُ على عَدمِ صِحَّةِ التَّأقيتِ قَولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، ولَم يُقدِّرْ أجَلًا.

(١) «المغني» (٦/ ٢١)، ويُنظر: «مطالب أولي النُّهى» (٣/ ٦٣٧)، و «كشَّاف القناع» (٤/ ٢٥٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٤).
(٢) مغني المحتج (٣/ ٥٤٢)، ويُنظر: «البَيان» (٧/ ٤٠٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٩٤، ٩٥)، و «النَّجم الوهَّاج» (٦/ ٩١)، و «حاشية قليوبي» (٣/ ٣٢٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب الجعالة

قال المصنف رحمه الله تعالى:

* (باب الجعالة)

* يجوز عقد الجعالة وهو أن يبذل الجعل لمن عمل له عملا من رد ضالة ورد آبق وبناء حائط وخياطة ثوب وكل ما يستأجر عليه من الاعمال، والدليل عيله قوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وروى أبو سعيد الخدرى (أن ناسا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتو احيا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شاء فجعل رجل يقرأ بام القرآن ويجمع بزاقة ويتفل فبرا الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذلك فضحك وقال: ما أدراك إنها رقية؟ خذوها واضربوا إلى فيها بسهم ولان الحاجة تدعو إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالاجارة والمضاربة.

(فصل)

ويجوز ان يعقد لعامل غير معين للآية، ولانه قد يكون له عمل

ولا يعرف من يعمله، فجاز من غير تعيين، وروى المزني في المختصر عن الشافعي رحمه الله في المنثور انه قال إذا قال أول من يحج عنى فله مائة فحج عنه رجل أنه يستحق المائة.

وقال المزني: ينبغى أن يستحق أجرة المثل لانه اجازة فلم تصح من غير تعيين، وهذا خطا، لان ذلك جعالة، وقد بينا ان الجعالة تجوز من غير تعيين العامل.

(فصل)

وتجوز على عمل مجهول للآية، ولان الحاجة تدعو إلى ذلك فجاز مع الجهالة كالمضاربة، ولا تجوز الا بعوض معلوم، لانه عقد معاوضة فلا تجوز بعوض مجهول كالنكاح، فان شرط له جعلا مجهولا فعمل استحق أجرة المثل، لان كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب المثل في فاسده، كالبيع والنكاح.

(فصل)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 49 - 51

ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر