الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > سادسا: الجعل على مداوة المريض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوقالَ الآبِيُّ رحمة الله عليه: لا يَحِلُّ ما يَأخُذُه الذي يَكتُبُ البَراءةَ لِرَدِّ الضَّائِعِ؛ لأنَّه مِنْ السِّحرِ، ثم قالَ: وما يُؤخَذُ على المَعقودِ؛ فإنْ كانَ يَرقِيهِ بالرُّقَى العَرَبيةِ جازَ، وإنْ كانَ بالرُّقَى العجَميَّةِ امتُنِعَ، وفيه خِلافٌ، وكانَ الشَّيخُ -يَعني ابنَ عَرفةَ- يَقولُ: إنْ تَكرَّر مِنه النَّفعُ فذلك جائِزٌ (١).
وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ منهم ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ رحمة الله عليه: وعَنِ ابنِ أبي زَيدٍ أيضًا: لا يَجوزُ الجُعلُ على إخراجِ الجانِّ مِنْ الإنسانِ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ حَقيقَتُه، ولا يُوقَفُ عليه، ولا يَنبَغي لِأهلِ الوَرَعِ فِعلُه، ولا لِغيرِهم، وكذا الجُعلُ على حَلِّ المَربوطِ والمَسحورِ (٢).
سادِسًا: الجُعلُ على مُداوةِ المَريضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مُشارَطةِ الطَّبيبِ على البُرءِ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟
فَذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ -والظَّاهِريَّةُ- إلى أنَّه لا يَصحُّ مُشارَطةُ الطَّبيبِ على البُرءِ أصْلًا؛ لأنَّه بيَدِ اللَّهِ تَعالى، لا بيَدِ أحَدٍ، وإنَّما الطَّبيبُ مُعالِجٌ ومُقَوٍّ لِلطَّبيعةِ بما يُقابِلُ الدَّاءَ، ولا يَعرِفُ كَمِّيَّةَ قُوَّةِ الدَّواءِ مِنْ كَمِّيَّةِ قُوةِ الدَّاءِ، فالبُرءُ لا يَقدِرُ عليه إلَّا اللَّهُ تَعالى، فإنْ أُعطِيَ شَيئًا عندَ البُرءِ بغيرِ شَرطٍ فحَلَالٌ؛ لِأمْرِ النَّبيِّ ﷺ بأخْذِ ما أُعطِيَ المَرءُ مِنْ غيرِ مَسألةٍ.
وقالَ الحَنابِلةُ: ما يَتعَدَّى نَفْعُه، كالأذانِ ونحوِه، كَتَعليمِ فِقهٍ وقُرآنٍ وقَضاءٍ وإفتاءٍ ورُقيَةٍ، يَجوزُ؛ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ في الرُّقيَةِ، وقَد تَقدَّم.
(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٧٢).
(٢) «الفتاوى الحديثية» (١/ ٨٨).
وإنْ قالَ: مَنْ داوَى لي هذا الجَريحَ حتى يَبرَأَ مِنْ جُرحِه، أو دَاوَى هذا المَريضَ حتى يَبرَأَ مِنْ مَرَضِه، أو دَاوَى هذا الأرمَدَ حتى يَبرَأَ مِنْ رَمَدِه، فله كذا، لَم يَصحَّ العَقدُ فيها مُطلَقًا، لا إجارةً، ولا جَعالةً، صَحَّحَه في الإنصافِ وغيرِه (١).
قالَ المِرداوِيُّ رحمة الله عليه: فائِدةٌ: لو قالَ: «مَنْ داوَى لي هذا حتى يَبرَأَ مِنْ جُرحِه أو مَرَضِه أو رَمَدِه فله كذا» لَم يَصحَّ مُطلَقًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، قدَّمه في الرِّعايتَيْنِ والحاوي الصَّغيرِ والفائِقِ وغيرِها، واختارَه القاضي.
وقيلَ: تَصحُّ جَعالةً، اختارَه ابنُ أبي مُوسَى والمُصنِّفُ، نقَله الزَّركَشيُّ في الإجارةِ.
وقيلَ: تَصحُّ إجارةً (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقالَ ابنُ أبي مُوسَى: لا بَأْسَ بمُشارَطةِ الطَّبيبِ على البُرءِ؛ لأنَّ أبا سَعيدٍ حينَ رَقَى الرَّجلَ شارَطَه على البُرءِ، والصَّحيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ أنَّ هذا يَجوزُ، لكنْ يَكونُ جَعالةً، لا إجارةً، فإنَّ الإجارةَ لا بدَّ فيها مِنْ مُدَّةٍ أو عَمَلٍ مَعلومٍ.
فأمَّا الجَعالةُ فتَجوزُ على عَمَلٍ مَجهولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطةِ والآبِقِ، وحَديثُ
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٢٥١)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢١٠)، و «المحلى» (٨/ ١٩٦).
(٢) «الإنصاف» (٦/ ٣٩١، ٣٩٢).
أبي سَعيدٍ في الرُّقيَةِ إنَّما كانَ جَعالةً، فيَجوزُ ههُنا مِثلُه (١).
وقالَ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ: يَجوزُ أنْ يُجعَلَ لِلطَّبيبِ جُعلٌ على الشِّفاءِ، كما جعَل أهلُ الحَيِّ لِأصحابِ النَّبيِّ ﷺ جُعلًا على الشِّفاءِ بالرُّقيةِ لِسَيِّدِ الحَيِّ الذين استَضافوهم فأبَوْا، ولا يَجوزُ أنْ يُستأجَرَ الطَّبيبُ على الشِّفاءِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ له، والعَملُ غيرُ مَضبوطٍ له، فبابُ الجَعالةِ أوسَعُ مِنْ بابِ الإجارةِ (٢).
واختَلفَ المالِكيَّةُ في مُشارَطةِ الطَّبيبِ على الشِّفاءِ مِنْ المَرَضِ، والمُعلِّمِ على تَحفِيظِ القُرآنِ مثلًا، وفي كِراءِ السُّفُنِ، هَلْ هي إجارةٌ أو جَعالةٌ؟ وهل هي جائِزةٌ أو لا؟
فَقالَ ابنُ الحاجِبِ رحمة الله عليه: إنَّها تَصحُّ إجارةً وتَصحُّ جَعالةً.
وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ رحمة الله عليه: إنَّ هذه الفُروعَ كلَّها مِنْ الإجارةِ فَقط، على الرَّاجِحِ في المَذهبِ، ونَصَّ سَحنونٌ على أنَّ الأصلَ في مُداواةِ المَريضِ الجَعالةُ.
قالَ المُتَيطِيُّ رحمة الله عليه: إنَّما المُجاعَلةُ على أنَّه إنْ بَرِئَ فله كذا، وإنْ لَم يَبرَأْ فلا شَيءَ له، ولِلعُبَيديِّ عن ابنِ القابِسيِّ: أنَّ الدَّواءَ إنَّما يَكونُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، ولو كانَ مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ كانَ غَرَرًا (٣).
(١) «المغني» (٥/ ٣١٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٧٠).
(٢) «مختصر الفتاوى المصرية» ص (٥٢٧)، و «الفروسية» (٣٢٥).
(٣) «المختصر الفقهي» (١٢/ ٤٠١، ٤٠٢)، و «المنتقى» (٥/ ١١٧)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٢)، و «عقد الجواهر» (٣/ ٩٤٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٧٧)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦١).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ قَولُ مالِكٍ في جَوازِ مُعامَلةِ الطَّبيبِ على البُرءِ، فمَرَّةً أجازَ ذلك، ومَرَّةً قالَ: لا يَجوزُ إلَّا إلى مُدَّةٍ مَعلومةٍ (١).
وقالَ ابنُ أبي زَيدٍ القَيرَوانيُّ رحمة الله عليه: ولمَّا كانَتْ مُشارَطةُ الطَّبيبِ على البُرءِ شَبيهةً بمَسألةِ الإجارةِ على التَّعليمِ لِلقُرآنِ على الحُذَّاقِ، باعتِبارِ أنَّه لا شَيءَ لِلعامِلِ إلَّا بالتَّمامِ، ذكَرها عَقِبَها بقَوله: ومُشارَطةُ الطَّبيبِ على البُرءِ جائِزةٌ، والمعنَى أنَّه يَجوزُ مُعاقَدةُ الطَّبيبِ على البُرءِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ لِلمتَعاقدَيْنِ؛ فإذا بَرِئَ المَريضُ أخَذَها الطَّبيبُ، وإلَّا لَم يَأخُذْ شَيئًا، واتَّفَقا على أنَّ جَميعَ الدَّواءِ مِنْ عِنْدِ العَليلِ؛ لأنَّه يَجوزُ كَونُه مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ، على أنَّه إنْ بَرِئَ العَليلُ يَدفَعُ الأُجرةَ وثَمَنَ الدَّواءِ، وإنْ لَم يَبرَأْ يَدفَعْ له قِيمةَ الدَّواءِ فَقط، وإنَّما لَم تَجُزْ تلك الصُّورةُ لِأدائِها إلى اجتِماعِ جُعلٍ وبَيعٍ، وهو لا يَجوزُ.
والحاصِلُ أنَّ المُعاقَدةَ على حِفظِ القُرآنِ، وعلى البُرءِ، وعلى استِخراجِ الماءِ، وكِراءِ السَّفينةِ، والمُغارَسةِ، وهي إعطاءُ الرَّجلِ أرضَه لمَن يَغرِسُ فيها شَيئًا مِنْ الأشجارِ، وإذا بلَغتْ حَدًّا مَعروفًا تَصيرُ الأرضُ والأشجارُ بينَهما مُشابِهةً لِلإجارةِ والجَعالةِ، وبَيانُ ذلك أنَّه لمَّا كانَ العامِلُ
(١) «الكافي» (١/ ٣٧٥).
لا يَستحقُّ شَيئًا إلَّا بتَمامِ العَملِ، شابَهَتِ الجَعالةَ، ولمَّا كانَ إذا ترَك الأوَّلُ، وأكمَلَ غيرُه العَملَ، يَكونُ لِلأوَل بحِسابِه، لا بنِسبةِ الثَّاني، شابَهَتِ الإجارةَ، ولا يَجوزُ اشتِراطُ النَّقدِ في تلك الحالةِ؛ لِتَردُّدِ المَنقودِ بينَ السَّلَفيَّةِ والثَّمَنيَّةِ.
تَنبيهٌ: عُلِمَ ممَّا قَرَّرْنا أنَّ مَوضوعَ كَلامِ المُصنِّفِ فيما إذا تَعاقَدَ على شَرطِ حُصولِ البُرءِ، وأمَّا الاستِئجارُ على المُداواةِ في زَمَنِ المَرَضِ فعلى ثَلاثةِ أقسامٍ هي:
قِسمٌ يَجوزُ باتِّفاقٍ، وهو استِئجارُه على مُداواتِه مُدَّةً مَعلومةً بأُجرةٍ مَعلومةٍ، فإنْ تَمَّتِ المُدَّةُ وبَرِئَ، أو لَم يَبرَأْ فله الأُجرةُ كلُّها، وإنْ بَرِئَ في نِصفِ الأجَلِ فله نِصفُ الأُجرةِ، والدَّواءُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، ولا يَجوزُ اشتِراطُ النَّقدِ في تلك الحالةِ؛ لِاحتِمالِ البُرءِ في أثناءِ المُدَّةِ، فتَكونُ سَلَفًا.
وَقِسَمانِ فيهِما خِلافٌ:
أحَدُهما: أنْ يُعاقِدَه على أنْ يُداويَه مُدَّةً مَعلومةً، والمَسألةُ بحالِها، إلَّا أنَّ الدَّواءَ مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ، فقيلَ: يَجوزُ، وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لِمَا فيها مِنْ اجتِماعِ الجُعلِ والبَيعِ.
وَالآخَرُ: أنْ يَقولَ له: أُعاقِدُكَ بكذا على عِلاجِ هذا المَريضِ حتى يَبرَأَ، فإنْ بَرِئَ كانَ له الجُعلُ، وإنْ لَم يَبرَأْ فلا شَيءَ له، ويَكونُ الدَّواءُ مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ، فقيلَ: يَجوزُ، وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لِمَا فيه مِنْ الغَرَرِ (١).
(١) «الفواكه الدواني» (٢/ ١١٥)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٢٥٦)، و «الثمر الداني» (٥٢٥).
وقالَ التُّسُوليُّ رحمة الله عليه في «البَهجةِ في شَرحِ التُّحفةِ»: قالَ في «المُتَيْطِيَّةِ»: ويَجوزُ في أحَدِ قولَيْ مالِكٍ أنْ يُجاعَلَ الطَّبيبُ على البُرءِ، والخَصمُ على إدراكِ الحَقِّ، وهو المَعمولُ به عندَ المُوَثَّقِينَ. اه.
وَنَحوُه في المَجالِسِ المكناسيةِ، وما تَقدَّم في الطَّبيبِ مَحَلُّه إذا كانَ الدَّواءُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، وإلَّا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ: إنْ بَرِئَ أخَذَ حَقَّهُ، وإلَّا ذهَب دَواؤُه باطِلًا. قالَ ابنُ ناجي: وبِه حَكَمتُ، ونَظمُه في العَملِ المُطلَقِ (١).
وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ قَليوبيٌّ رحمة الله عليه في «حاشيَتِه»: يُعتبَرُ في العَملِ مُطلَقًا أنْ يَكونَ فيه كُلفةٌ، كما في الإجارةِ، وألَّا يَكونَ مُتعيَّنًا على العامِلِ، فدخَل نَحوُ مُداواةٍ ورُقيَةٍ وتَخليصٍ مِنْ نحوِ حَبسٍ، وقَضاءِ حاجةٍ، ودَفعِ ظالِمٍ، وإنْ تَعيَّن؛ لأنَّه عارِضٌ، وخرَج نَحوُ رِوايةِ خَبَرٍ ودِلالةٍ على شَخصٍ أو طَريقٍ أو رَدِّ مَغصوبٍ ومُعارِضٍ مِنْ الغاصِبِ والمُعِيرِ، وإنْ كانَ فيهِما كُلفةٌ (٢).
وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: وقالَ الحَسَنُ بنُ حَيٍّ: لا بَأْسَ أنْ يُشارَطَ الطَّبيبُ على البُرءِ، ويُشارَطَ في العَبدِ على تَعليمِه عَملًا؛ فإنْ كانَ ذلك فله الأجرُ المُسمَّى، وإنْ لَم يَكُنْ ذلك فله أجْرُ مِثلِه، وهو قَولُ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ.
قالَ أبو جَعفَرٍ رحمة الله عليه: الدَّواءُ في العِلاجِ بمَنزِلةِ الخُيوطِ والخَيَّاطِ (٣).
(١) «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٢، ٣١٣).
(٢) «حاشية قليوبي على كنز الراغبين» (٣/ ٣٢٥).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٠٧).
ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.