ما يشترط في العمل

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > ما يشترط في العمل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

ما يشترط في العمل - الأقوال والأدلة

ما يُشترَطُ في العَملِ:

يُشترَطُ في العَملِ المَعقودِ عليه في الجَعالةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنْ يَكونَ مُباحًا، له فائِدةٌ، وأنْ يَكونَ ممَّا تَصحُّ فيه الإجارةُ، وأنْ يَكونَ فيه كُلفةٌ، عندَ بعضِهم، وإلَيكَ تَفصيلًا:

أوَّلًا: أنْ يَكونَ مُباحًا:

يُشترَطُ في العَملِ المُجاعَلِ عليه عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنْ يَكونَ مُباحًا، لا مَحرَمًا، كَمِزمارٍ وغِنَاءٍ، فما يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ مِنْ الأعمالِ يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الجَعالةِ، وما لا يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ، كالغِناءِ والزَّمرِ وسائِرِ المُحرَّماتِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليها، لقولِ الله تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (١).

ثانيًا: أنْ يَكونَ ممَّا تَصحُّ فيه الإجارةُ:

قالَ المالِكيَّةُ: كلُّ شَيءٍ جازَ فيه الجُعلُ، كَحَفرِ الآبارِ في المَواتِ، جازَتْ فيه الإجارةُ، وليسَ كلُّ ما جازَتْ فيه الإجارةُ يَجوزُ فيه الجُعلُ، كَخِياطةِ ثَوبٍ، وخِدمةِ شَهرٍ، وبَيعِ سِلَعٍ كَثيرةٍ، وحَفرِ الآبارِ في مِلْكِه، وإنَّما امتَنَعَ الجُعلُ في هذه الأُمورِ مثلًا؛ لأنَّه يَبقَى لِلجاعِلِ فيه مَنفعةٌ إنْ لَم يُتِمَّ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٣)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٢٩٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٣)، و «منح الجليل» (٨/ ٦٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٩٠) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٤٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٠).

المَجعولُ له العَملَ؛ فالإجارةُ أعَمُّ مِنه، والجُعلُ أخَصُّ مِنها؛ فكلُّ مَوضِعٍ جازَتْ فيه الإجارةُ لا يَلزَمُ أنْ يَجوزَ فيه الجُعلُ؛ إذ لا يَلزَمُ مِنْ وُجودِ الأعَمِّ وُجودُ الأخَصِّ؛ فلا يَلزَمُ مِنْ وُجودِ الحَيَوانيَّةِ وُجودُ الناطِقيَّةِ.

وَكُلُّ مَوضِعٍ جازَ فيه الجُعلُ تَجوزُ فيه الإجارةُ؛ إذْ يَلزَمُ مِنْ وُجودِ الأخَصِّ وُجودُ الأعَمِّ، فيَلزَمُ مِنْ وُجودِ الناطِقيَّةِ وُجودُ الحَيَوانيَّةِ.

وقالَ التُّسُوليُّ رحمة الله عليه في «البَهجةُ في شَرحِ التُّحفةِ»: في كلِّ ما جازَ فيه الإجارةُ بلا عَكسٍ … إلخ. وهذا واضِحٌ على المَشهورِ مِنْ أنَّ ما تَبْقَى فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ بعدَ التَّركِ لا تَصحُّ فيه الجَعالةُ، وأمَّا على مُقابِلِه، وهو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ مِنْ صِحَّةِ الجُعلِ فيما تَبْقَى فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ، فيَتَساوَى الجُعلُ والإجارةُ، ولا يَنفَرِدُ أحَدُهما عن الآخَرِ بشَيءٍ.

تَنبيهانِ: الأوَّلُ: قالَ في «المُتَيْطِيَّةِ»: وكَرِهَ مالِكٌ الجُعلَ على الخُصومةِ، على أنَّه لا يَأخُذُ شَيئًا إلَّا بإدراكِ الحَقِّ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ لِفَراغِها غايةٌ، فإنْ عمِل هذا فله أجْرُ مِثلِه. اه. وقالَ قبلَ ذلك: ويَجوزُ في أحَدِ قولَيْ مالِكٍ أنْ يُجاعَلَ الطَّبيبُ على البُرءِ، والخَصْمُ على إدراكِ الحَقِّ، وهو المَعمولُ به عندَ المُوثَّقِينِ. اه. ونَحوُه في المَجالِسِ المكناسيةِ، وما تَقدَّم في الطَّبيبِ مَحَلُّه إذا كانَ الدَّواءُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، وإلَّا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ: إنْ بَرِئَ أخَذَ حَقَّهُ وإلَّا ذهَب دَواؤُه باطِلًا. قالَ ابن ناجي: وبِه حَكَمتُ، ونَظمُه في العَملِ المُطلَقِ.

الآخَرُ: مَنْ سُرِقَ له شَيءٌ أو ضاعَ له مثلًا، فالتَزَمَ رَبُّه الجُعلَ المُسمَّى

بالبِشارةِ اليَومَ؛ فإنَّه يَجوزُ ذلك الِالتِزامُ ويُقضَى لِلمُبشِّرِ بأخْذِه بشَرطَيْنِ:

أنْ يَلتزِمَ له ذلك قبلَ وُجودِ المَسروقِ ونحوِه، وأنْ يَكونَ مَكانُه مَجهولًا، فمَن وجَد الآبِقَ أو المَسروقَ أو علِم مَكأنَّهما ثم جاءَ إلى رَبِّه، فطَلبَ أنْ يَلتزِمَ له بالبِشارةِ على رَدِّه، أو على الدِّلالةِ على مَكانِه، فلا جُعلَ له، وإنْ قَبَضَه رَدَّه، قالَ في العَمَلياتِ:

وَخُذ بِشارةً بجُعلٍ جعَلا قبلَ الوُجودِ والمَكانِ جُهِلَا

انظُرِ الأنقالَ على ذلك في شَرحِه، لكنْ ذكَر أبو العَبَّاسِ المَلَويُّ في بعضِ تَقاييدِه، وذُكِرَ نَحوُه في شَرحِ العَملِ المَذكورِ، أنَّ بعضَ قُضاةِ فاسَ أفتَى بوُجوبِ الحُكمِ بالبِشارةِ مُطلَقًا؛ مُراعاةً لِلمَصالِحِ العامَّةِ، وخَوفًا مِنْ ضَياعِ أموالِ المُسلِمينَ بكِتمانِ الضَّوالِّ والمَسروقِ. قالَ: وقَد نَصَّ العُلماءُ على أنَّ الفَتوَى دائِرةٌ على مُقتَضَى الحالِ، وحيثُ أُخِذَتِ البِشارةُ مِنْ المَسروقِ له، فإنَّه يَرجِعُ بها على السَّارِقِ؛ لأنَّه ظالِمٌ تَسبَّبَ في إغرامِ رَبِّ البِشارةِ. قُلتُ: وهذه الفَتوَى جاريةٌ على ما تَقدَّم عن ابنِ سِراجٍ وغيرِه مِنْ رَعْيِ المَصالِحِ، وعلى مُقتَضاها عامَّةُ المُسلِمينَ اليَومَ؛ فلا يَستَطيعُ أنْ يَرُدَّهم عن كِتمانِ الضَّوالِّ رادٌّ إنْ لَم يَأخُذوا البِشارةَ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

(١) «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٣)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٢٩٤)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٥٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦١٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٣)، و «منح الجليل» (٨/ ٦٣).

أمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ منهم الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: كلُّ ما لا تَجوزُ الإجارةُ عليه مِنْ الأعمالِ لِكَونِه مَجهولًا، تَجوزُ الجَهالةُ عليه لِلحاجةِ، وما جازَتِ الإجارةُ عليه، جازَتِ الجَعالةُ أيضًا، على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا؛ لِلِاستِغناءِ بالإجارةِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: كلُّ ما جازَ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ مِنْ الأعمالِ، جازَ أخْذُه -أي: العِوَضِ- عليه في الجَعالةِ، وما لا يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ، كالغِناءِ والزَّمْرِ وسائِرِ المُحرَّماتِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

وَما يَختَصُّ أنْ يَكونَ فاعِلُه مِنْ أهلِ القُربةِ بأنِ اشترَطَ إسلامَ فاعِلِه ممَّا لا يَتعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه، كما تَقدَّم في الإجارةِ، فأمَّا ما يَتعَدَّى نَفْعُه، كالأذانِ ونحوِه، كَتَعليمِ فِقهٍ وقُرآنٍ وقَضاءٍ وإفتاءٍ ورُقيةٍ، فيَجوزُ؛ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ في الرُّقيةِ، وقَد تَقدَّم.

وإنْ قالَ: مَنْ داوَى لي هذا الجَريحَ حتى يَبرَأَ مِنْ جُرحِه، أو دَاوَى هذا المَريضَ حتى يَبرَأَ مِنْ مَرَضِه، أو دَاوَى هذا الأرمَدَ حتى يَبرَأَ مِنْ رَمَدِه، فله كذا، لَم يَصحَّ العَقدُ فيها مُطلَقًا، لا إجارةً ولا جَعالةً، صَحَّحَه في الإنصافِ وغيرِه (٢).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٩٠).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٢٥١)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢١٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 57 - 60

ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله