الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المضاربة وشروط صحتها > البيع بغبن فاحش
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةومنها: لو رجَع العامِلُ ومعه فَضلُ زادٍ أو آلاتٌ أعَدَّها لِلسَّفَرِ كالمَطهَرةِ ونَحوِها لَزِمَه رَدُّها إلى مالِ القِراضِ على الصَّحيحِ.
ومنها: لو استَردَّ المالِكُ منه المالَ في الطَّريقِ أو في البَلدِ الذي سافَر إليه لَم يَستحِقَّ نَفقةَ الرُّجوعِ على الأصَحِّ كما لو خالَع زَوجتَه في السَّفرِ.
ومنها: أنَّه يُشترطُ ألَّا يُسرِفَ، بل يأخُذُ بالمَعروفِ، وما يأخُذُه يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ؛ فإنْ لَم يَكُنْ هناك رِبحٌ فهو خُسرانٌ لِحَقِّ المالِ، ومهما أقامَ في طَريقِه فَوقَ مُدةِ المُسافِرينَ في بَلدٍ لَم يأخُذْ لِتلك المُدةِ.
ومنها: لو شرَط نَفقةَ السَّفرِ في ابتِداءِ القِراضِ فهو تَأكيدٌ إذا أثبَتْناها، وإلا فسَد القِراضُ على الأصَحِّ، كما لو شرَط نَفقةَ الحَضرِ.
والرَّأيُ الآخَرُ: لا؛ لأنَّه مِنْ مَصالِحِ العَقدِ، وعلى هذا في اشتِراطِ تَقديرِها وَجهانِ.
وعن رِوايةِ المُزَنيِّ في الجامِعِ أنَّه لا بُدَّ مِنْ شَرطِ النَّفقةِ في العَقدِ مُقدَّرةً، لكنْ لَم يُثبِتْها الأصحابُ (١).
٦ - البَيعُ بغَبنٍ فاحِشٍ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ أو يَبيعَ بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، واختلَفوا فيما لو فعَل هل يَفسُدُ البَيعُ أو لا؟
(١) «البيان» (٧/ ٢١٢، ٢١٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٥، ٧٥٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٧)، و «الديباج» (٢/ ٤٣٦)
قال الحَنفيَّةُ: ليس لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه وإنْ قال له: اعمَلْ برأيِكَ، ولو اشتَرى يَصيرُ مُخالِفًا؛ لأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ بالشِّراءِ، والتَّوكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا يَنصرِفُ إلى المُتعارَفِ، وهو أنْ يَكونَ بمِثلِ القيمةِ، أو بما يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، ولأنَّ الشِّراءَ بما لا يُتغابَنُ في مِثلِه مُحاباةٌ، ولأنَّ المُحاباةَ تَبرُّعٌ، ولأنَّ التَّبرُّعَ لا يَدخُلُ في عَقدِ المُضاربةِ.
فلو دفَع إليه ألفًا مُضارَبةً وأمَرَه أنْ يَعملَ في ذلك برأيِه فاشتَرى بها عَبدًا يُساوي خَمسَمِئةٍ فهو مُخالِفٌ مُشتَرٍ لِنَفْسِه ضامِنٌ لِلمالِ إنْ دَفَعه؛ لأنَّه اشتَرى بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، ولأنَّ المُضارِبَ في الشِّراءِ كالوَكيلِ، ولأنَّ الوَكيلَ لا يَملِكُ أنْ يَشتريَ بما لا يَتغابَنُ الناسُ فيه، ولو اشتَرى العَبدُ بألفِ دِرهَمٍ وهو يُساوي تِسعَمِئةٍ وخَمسينَ جازَ على المُضاربةِ؛ لأنَّ قَدْرَ الخَمسينَ في الألفِ مما يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه، وذلك عَفوٌ في حَقِّ الوَكيلِ بالشِّراءِ، ولو اشتَرى بها عَبدًا يُساوي ألفًا ثم باعَه بمِئةِ دِرهَمٍ جازَ في قياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه؛ لأنَّه فيما يَبيعُ بمَنزِلةِ الوَكيلِ بالبَيعِ، ومِن أصلِه أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ يَملِكُ البَيعَ بغَبنٍ فاحِشٍ (١).
وقالوا: لِلمُضارِبِ الحَطُّ اليَسيرُ مِنْ ثَمنِ المَبيعِ مِنْ أجلِ العَيبِ، ولو كان ذلك أزيَدَ مِنْ حِصَّتِه، أمَّا إذا كان الحَطُّ الواقِعُ غَيرَ يَسيرٍ، بل كان فاحِشًا يَصحُّ هذا الحَطُّ أيضًا، ولكنْ يَضمَنُه المُضارِبُ لِرَبِّ المالِ (٢).
(١) «المبسوط» (٢٢/ ٥٤)، و «بدائع الصانع» (٦/ ٩٢)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٢٦)، و «درر الحكام» (٣/ ٤٦٧).
(٢) «درر الحكام» (٣/ ٤٦٨، ٤٦٩).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَبيعَ أو يَشتريَ بغَبنٍ فاحِشٍ لا يُحتمَلُ، كالوَكيلِ بلا إذنٍ مِنْ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَضُرُّ بالمالِكِ؛ فإنْ أذِنَ جازَ؛ لأنَّ المَنعَ لِحَقِّه، وقد زال بإذنِه، ومع جَوازِه يَنبَغي ألَّا يُبالِغَ في الغَبنِ لِيَبيعَ ما يُساوي مِئةً بعَشَرةٍ، بل يَبيعُ بما تَدلُّ القَرينةُ على ارتِكابِه عادةً في مِثلِ ذلك؛ فإنْ بالَغَ في الغَبنِ لَم يَصحَّ تَصرُّفُه (١).
وقال الحَنابِلةُ: حُكمُ المُضارِبِ حُكمُ الوَكيلِ، في أنَّه ليس له أنْ يَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، وألَّا يَشتريَ بأكثَرَ منه مما لا يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِه؛ فإنْ فعَل فقد رُوِي عن أحمدَ أنَّ البَيعَ يَصحُّ، ويَضمَنُ النَّقصَ؛ لأنَّ الضَّررَ يَنجَبِرُ بضَمانِ النَّقصِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والقياسُ أنَّ البَيعَ باطِلٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ لَم يُؤذَنْ له فيه، فأشبَهَ بَيعَ الأجنَبيِّ، فعَلى هذا، إنْ تَعذَّرَ رَدُّ المَبيعِ، ضَمِن النَّقصَ أيضًا، وإنْ أمكَنَ رَدُّه، وَجَب رَدُّه إنْ كان باقِيًا، أو قيمَتِه إنْ كان تالِفًا، ولِرَبِّ المالِ مُطالَبةُ مَنْ شاءَ مِنَ العامِلِ أو المُشتَري؛ فإنْ أخَذَ مِنَ المُشتَري قيمَتَه رجَع المُشتَري على العامِلِ بالثَّمنِ، وإنْ رجَع على العامِلِ بقيمَتِه رجَع العامِلُ على المُشتَري بها ورَدَّ عليه الثَّمنَ؛ لأنَّ التَّلفَ حَصَل في يَدِه.
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٠)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٥/ ٢٦٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٤)، و «الديباج» (٢/ ٤٣٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أركان المضاربة وشروط صحتها للاطلاع على جميع المسائل.