الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المضاربة وشروط صحتها > ثالثا: المال
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءة«لا يَصلُحُ أنْ يُقارِضَ الرَّجلُ اليَهوديَ والنَّصرانيَّ»، قال اللَّيثُ، وقال رَبيعةُ: «لا يَنبَغي له أنْ يُقارِضَ رَجلًا يَستِحلُّ في دِينِه أكلَ الحَرامِ» (١).
وقال الشافِعيَّةُ: تُكرَهُ مُشارَكةُ الذِّمِّيِّ مُطلَقًا، ومَن لا يَحترِزُ مِنَ الرِّبا ونَحوِه، سَواءٌ كان هو المُتصرِّفَ بالبَيعِ والشِّراءِ، أو المُسلِمُ؛ لِما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشارِكَ المُسلِمُ اليَهوديَّ والنَّصرانيَّ»، ولا مُخالِفَ له.
ولأنَّهم لا يَمتَنِعون مِنَ الرِّبا، ومِن بَيعِ الخُمورِ، ولا يُؤمَنُ أنْ يَكونَ مالُه الذي عَقدَ عليه الشَّركةَ مِنْ ذلك، فكُرِه؛ فإنْ عَقدَ الشَّركةَ معه صحَّ؛ لأنَّ الظاهِرَ مما هو بأيديهم أنَّه مِلكُهم، وقد «اقتَرضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ يَهوديٍّ شَعيرًا، ورَهنَه دِرعَه» (٢).
ثالثًا: المالُ:
يُشترطُ في مالِ القِراضِ ما يَلي:
١ - أنْ يَكونَ مِنَ النَّقدَيْن، فلا تَصحُّ بالعُروضِ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ القِراضَ بالدَّنانيرِ والدَّراهمِ جائِزٌ (٣) لأنَّهما ثَمنُ المَبيعاتِ، وقيمُ المُتلفاتِ، والناسُ يَشترِكونَ بهما مِنْ زَمنِ النَّبيِّ ﷺ إلى زَمنِنا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ.
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ١٠٧).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٣)، و «البيان» (٦/ ٣٦٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٢).
(٣) «الإجماع» (٥٢٧)
واتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -وكذا الظاهِريَّةُ- على أنَّ المُضاربةَ لا تَصحُّ بالعُروضِ، ولو كان العَرضُ مِثليًّا مِثلَ بُرٍّ وحَريرٍ؛ لأنَّ قيمَتَه ربَّما زادت قبلَ بَيعِه، فيُشارِكُه الآخَرُ في نَماءِ العَينِ التي هي مِلكُه، ولأنَّ القِراضَ في الأصلِ غَررٌ؛ لأنَّه إجارةٌ مَجهولةٌ، إذْ لا يَدري العامِلُ كم يَربَحُ في المالِ، ولا إنْ كان يَربَحُ أو لا، إلا أنَّ الشَّرعَ جَوَّزه لِلاضطِرارِ إليه، وحاجةِ الناسِ إلى التَّعاملِ عليه، فيَجِبُ ألَّا يَجوزَ منه إلا مِقدارُ ما جَوَّزه الشَّرعُ، وأنْ يَكونَ ما عَداه مَمنوعًا بالأصلِ.
وأيضًا فإنَّ القِراضَ بالعُروضِ لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أوْجُهٍ:
إمَّا أنْ يَجعَلا رأسَ مالِ القِراضِ العَرضَ بعَينِه، أو ثَمنَه الذي يَبيعُه به، أو قيمَتَه يَومَ العَقدِ، أو قيمَتَه يَومَ التَّفاضُلِ؛ لأنَّ مَعرِفةَ رأسِ المالِ ومِقدارِه لا بُدَّ منها في القِراضِ؛ لِيَعرِفَ العامِلُ علامَ يَعمَلُ؛ فإنْ كان العَرضُ نَفْسُه هو رأسَ المالِ فذلك غَررٌ؛ لأنَّه قد يأخُذُ السِّلعةَ وقيمَتُها ألفُ دِينارٍ ويَردُّها وقيمَتُها مِئةُ دينارٍ، فيَذهَبُ العامِلُ ببَعضِ رأسِ المالِ، أو يأخُذُها وقيمَتُها مِئةُ دِينارٍ فيَرُدُّها وهي تُساوي ألفَ دِينارٍ فيَذهَبُ رَبُّ المالِ بأُجرةِ العامِلِ.
وإنْ كان الثَّمنُ الذي يَبيعُه به هو رأسَ المالِ فقد اشتَرطَ رَبُّ المالِ مَنفعةً لِنَفْسِه على العامِلِ فيما تَحمَّل عنه مِنْ مُؤنةِ بَيعِها وما يَكفيه مِنْ ذلك.
إنْ كانت قيمَتُها يَومَ يَدفَعُها إليه هي رأسَ المالِ كان رَبُّ المالِ قد باعَ منه العَرضَ بما قَوَّماه به على أنَّه إنْ باعَه بأقَلَّ مِنْ ذلك جبَره مِنْ رِبحِه، وإنْ كان باعَه بأكثَرَ مِنْ ذلك كان له نِصفُ الفَضلِ، فذلك مِنَ الغَررِ البَيِّنِ
والمُزابَنةِ، كمَن دفَع إلى رَجلٍ ثَوبًا لِيَبيعَه بعَشَرةِ دَنانيرَ على أنَّ عليه ما نقَص وله بعضَ ما زاد.
وإنْ كان رأسُ المالِ قيمتَها يَومَ التَّفاضُلِ فذلك أيضًا غَررٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّ قيمَتَه يَومَ التَّفاضُلِ مَجهولةٌ، فيَكونُ العامِلُ يَعملُ على رأسِ مالٍ مَجهولٍ، قد يَكثُرُ فيَغترِقُ رِبحَه أو يَقلُّ فيَذهَبُ ببَعضِ رأسِ مالِ رَبِّ المالِ، فصارت جَميعُ وُجوهِ هذه المَسألةِ إلى غَررٍ وفَسادٍ (١).
ولأنَّ مَوضوعَ القِراضِ أنْ يَنفرِدَ رَبُّ المالِ برأسِ مالِه، ويَكونَ حَقُّ العامِلِ في الرِّبحِ مُشترَكًا هو ورَبُّ المالِ فيه على شَرطِهما، وتَجويزُ القِراضِ بالعُروضِ يُؤدِّي إلى مُشاركةِ العامِلِ لِرَبِّ المالِ في رأسِ مالِه، وأنْ يَنفردَ المالِكُ بالرِّبحِ ويَذهبَ عَملُ العامِلِ باطِلًا؛ لأنَّ رأسَ المالِ إذا كان عَرضًا لَم يَخلُ أنْ يَكونَ مما له مِثلٌ، أو لا مِثلَ له؛ فإنْ كان مما له مِثلٌ، كالطَّعامِ وغَيرِه، فإنَّ العامِلَ يَحتاجُ عندَ المُفاضلةِ إلى رَدِّ مِثلِه، وقد يَعقِدانِ القِراضَ على كُرِّ حِنطةٍ يُساوي وَقتَ العَقدِ عَشرةَ دَنانيرَ، فيَعملُ العامِلُ ويَربحُ عَشَرةً أُخرى، فإذا أرادَ المُفاضَلةَ جازَ أنْ يَغلوَ ثَمنُه، فيُساويَ الآنَ عِشرينَ، فيَنفردَ رَبُّ المالِ برأسِ المالِ وبالرِّبحِ، وجازَ أنْ يَرخُصَ فيُساويَ خَمسةَ دَنانيرَ، فيُشاركَ العامِلُ رَبَّ المالِ في قَطعِه مِنْ رأسِ مالِه، وإنْ كان مما لا مِثلَ له فالاعتِبارُ بقيمَتِه، فلا يَخلو أنْ تَكونَ مُعتبرةً وَقتَ العَقدِ أو وَقتَ المُفاضَلةِ، ولا يَجوزُ اعتبارُها وَقتَ العَقدِ؛
(١) «المقدمات الممهدات» (٣/ ١٦، ١٧)، و «المعونة» (٢/ ١٢٣، ١٢٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشركة
٨٣٠ - مسألة؛ قال: (والوضيعة على قدر المال)
بالمالِ والعَمَلِ ، لكَوْنِ أحَدِهما من غيرِ جِنْسِ الآخَرِ، فلا يُعْلَمُ قَدْرُهْ منه. وأما شَرِكَةُ الأَبْدانِ، فلا مالَ فيها يُقَدّرُ الرِّبْحُ به، فيَحْتَمِلُ أن يَتَقَدَّرَ بالعَمَلِ؛ لأنَّ عَمَلَ أحَدِهِما من جِنْسِ عَمَلِ الآخَرِ، فقد تَسَاوَيا في أصْلِ العَمَلِ، فيكونُ ذلك أصْلًا يُرْجَعُ إليه. ويَحْتَمِلُ ألَّا يَتَقَدَّرَ به؛ لأنَّ العَمَلَ يَقِلُّ ويَكْثُرُ ويَتَفَاضَلُ، ولا يُوقَفُ على مِقْدارِه، بِخِلَافِ المالِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ الرِّبحِ والمَعْرِفَةُ به, كما في المُضَارَبةِ.
٨٣٠ - مسألة؛ قال: (والْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ)
يَعْنِى الخُسْرَانَ في الشَّرِكَةِ على كلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ مَالِه، فإن كان مالُهما مُتَسَاوِيًا في القَدْرِ، فالخُسْرَانُ بينهما نِصْفَيْنِ، وإن كان أثْلَاثًا، فالوَضِيعَةُ أثْلاثًا. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ. وبه يقول أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ وغيرُهما. وفى شَرِكَةِ الوُجُوهِ تكونُ الوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيْهِما في المُشْتَرَى، سواءٌ كان الرِّبْحُ بينهما كذلك أو لم يَكُنْ، وسواءٌ كانت الوَضِيعَةُ لِتَلَفٍ، أو نُقْصانٍ في الثَّمَنِ عما اشْتَرَيا به، أو غيرِ ذلك. والوَضِيعَةُ في المُضَارَبةِ على المالِ خاصَّةً، ليس على العامِلِ منها شَىءٌ؛ لأنَّ الوَضِيعَةَ عِبَارَةٌ عن نُقْصَانِ رَأْسِ المالِ، وهو مُخْتَصٌّ بمِلْكِ رَبِّه، لا شَىْءَ لِلْعَامِلِ فيه، فيكونُ نَقْصُه من مَالِه دونَ غيرِه؛ وإنَّما يَشْتَرِكانِ فيما يَحْصُلُ من النَّماءِ، فأشْبَه المُسَاقَاةَ والمُزَارَعَةَ، فإنَّ رَبَّ الأَرْضِ والشَّجَرِ يُشَارِكُ العَامِلَ فيما يَحْدُثُ من الزَّرْعِ والثَّمَرِ. وإن تَلِفَ الشَّجَرُ، أو هَلَكَ شيءٌ من الأَرْضِ بِغَرَقٍ أو غيرِه، لَم يكُنْ على العامِلِ شيءٌ.
ارجع إلى أركان المضاربة وشروط صحتها للاطلاع على جميع المسائل.