التوكيل في الأيمان والنذور

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > التوكيل في الأيمان والنذور

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

التوكيل في الأيمان والنذور - الأقوال والأدلة

صَومُ شَهرٍ، أفَأصومُ عَنها؟ قالَ: «صُومِي عَنها … » الحَديثَ (١).

٣ - بحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: أنَّ امرَأةً رَكِبَتِ البَحرَ، فنَذَرَتْ إنْ نَجَّاها اللَّهُ أنْ تَصومَ شَهرًا، فنَجَّاها اللَّهُ، فلَمْ تَصُمْ حتى ماتَتْ، فجاءَتِ ابنَتُها، أو أُختُها، إلى رَسولِ اللَّهِ ، فأمَرَها أنْ تَصومَ عَنها (٢).

وَتَقدَّمتِ المَسألةُ في كِتابِ الصِّيامِ بالتَّفصيلِ.

التَّوكيلُ في الأيْمانِ والنُّذورِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الأيْمانِ والنُّذورِ، فلا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَحلِفُ يَمينًا عَنهُ؛ لأنَّ اليَمينَ لا تَقبَلُ النِّيابةَ، لأنَّها مِنْ الأعمالِ البَدنيَّةِ، وتَتعلَّقُ بعَينِ الحالِفِ، ولأنَّها تُشبِهُ العِبادةَ؛ لِتَعلُّقِها بتَعظيمِ اللَّهِ تَعالى، ولأنَّها تُفيدُ صِدقَ الحالِفِ بما يَعلَمُه مِنْ نَفْسِه، وصِدقُ الوَكيلِ بها لا يَدُلُّ على صِدقِ مُوكِّلِه.

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ الفِعلَ الذي طَلبَه الشَّارِعُ مِنْ الشَّخصِ ثَلاثةُ أقسامٍ:

الأوَّلُ: ما كانَ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ مَنظورٍ فيها لِخُصوصِ الفاعِلِ، فهذا لا تَحصُلُ له مَصلَحَتُه إلَّا بالمُباشَرةِ، وتُمنَعُ فيه النِّيابةُ قَطعًا، وذلك كاليَمينِ والإيمانِ والصَّلاةِ والصِّيامِ والنِّكاحِ، بمعنَى الوَطءِ، ونحوِها؛ فإنَّ مَصلَحةَ اليَمينِ الدَّلالةُ على صِدقِ المُدَّعِي، وذلك غيرُ حاصِلٍ بحَلِفِ

(١) رواه مسلم (١١٤٩).
(٢) رواه أبو داود (٣٣٠٨).

غيرِه، ولِذلك قيلَ: ليسَ في السُّنَّةِ أنْ يَحلِفَ أحَدٌ ويَستحقَّ غيرُه، ومَصلَحةُ الإيمانِ الإجلالُ والتَّعظيمُ وإظهارُ العُبوديةِ للهِ، وإنَّما تَحصُلُ مِنْ جِهةِ الفاعِلِ، وكَذلك الصِّيامُ والصَّلاةُ، ومَصلَحةُ النِّكاحِ -بمعنَى الوَطءِ-: الإعفافُ، وتَحصيلُ وَلَدٍ يُنسَبُ إليه، وذلك لا يَحصُلُ بفِعلِ غيرِه، بخِلافِ النِّكاحِ، بمعنَى العَقدِ؛ فإنَّ مَصلَحَتَه تَحقيقُ سَبَبِ الإباحةِ، وهو يَتحقَّقُ بفِعلِ الوَكيلِ، كَتَحَقُّقِه بفِعلِ المُوكِّلِ.

الثَّاني: ما كانَ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ مَنظورٍ فيها لِذَاتِ الفِعلِ مِنْ حيثُ هو، وهذا لا يَتوقَّفُ حُصولُ مَصلَحَتِه على المُباشَرةِ، وحينَئذٍ تَصحُّ فيه النِّيابةُ قَطعًا، وذلك كَرَدِّ العَوارِي والوَدائِعِ والمَغصوباتِ لِأهلِها، وقَضاءِ الدُّيونِ، وتَفريقِ الزَّكاةِ ونحوِها؛ فإنَّ مَصلَحةَ هذه الأشياءِ إيصالُ الحُقوقِ لِأهلِها، وذلك ممَّا يَحصُلُ بفِعلِ المُكَلَّفِ لها وغيرِه، فيَبرَأُ المأْمورُ بها بفِعلِ الآخَرينَ، وإنْ لَم يَشعُرْ.

والثَّالثُ: ما كانَ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ مَنظورٍ فيها لِجِهةِ الفِعلِ ولِجِهةِ الفاعِلِ، فهو مُتَرَدِّدٌ بينَهما، واختَلفَ العُلماءُ في هذا بأيِّهما يُلحَقُ، وذلك كالحَجِّ؛ فإنَّه عِبادةٌ مَعها إنْفاقُ مالٍ، فمالِكٌ ومَن وافَقَه رَأوْا أنَّ مَصلَحَتَه تَأديبُ النَّفسِ وتَهذيبُها وتَعظيمُ شَعائِرِ اللَّهِ في تلك البِقاعِ، وإظهارُ الِانقيادِ إليه، وهذا أمْرٌ مَطلوبٌ مِنْ كلِّ قادِرٍ؛ فإذا فَعلَه إنسانٌ عنه فاتَتِ المَصلَحةُ التي طَلبَها الشَّارِعُ مِنه، ورَأوْا أنَّ إنفاقَ المالِ فيه أمْرٌ عارِضٌ، بدَليلِ المَكِّيِّ؛ فإنَّه يَحُجُّ بلا مالٍ، فقَد ألحَقوه بالقِسمِ الأوَل؛ لأنَّ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 369 - 370

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله