الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > التوكيل في الحج والعمرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 35 دقيقة قراءةإثباتُ وِلايةِ التَصرُّفِ فيما هو ثابِتٌ لِلمُوكِّلِ، وليسَ بثابِتٍ لِلوَكيلِ، وهذا المعنَى لا يَتحقَّقُ فيمَن يَملِكُ بدُونِ أمْرِه؛ لِئَلَّا يَلزَمَ إثباتُ الثَّابِتَ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَملِكْه، فلا يَملِكُ إقامةَ غيرِه مَقامَه، ولأنَّ المُباحَ لمَن أخَذَه فلا يُمكِنُ إيقاعُ الحُكمِ فيه لِغيرِه (١).
التَّوكيلُ في الحَجِّ والعُمرةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الحَجِّ مِنْ الإنسانِ القادِرِ على الحَجِّ بنَفْسِه، واختَلَفوا في العاجِزِ عن الأداءِ بنَفْسِه هَلْ له أنْ يُوكِّلَ أو يَستَنيبَ مَنْ يَحُجُّ عنه أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ لِلإنسانِ العاجِزِ عن الحَجِّ بنَفْسِه أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عنه، واستَدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «جاءَتِ امرَأةٌ مِنْ خَثعَمٍ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ فَريضةَ اللَّهِ على عِبادِه في الحَجِّ أدرَكَتْ أبي شَيخًا كَبيرًا لا يَستَطيعُ أنْ يَستَويَ على الرَّاحِلةِ، فهَل يَقضي عنه أنْ أحُجَّ عَنهُ؟ قالَ: نَعم، وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ» (٢).
وفي لَفظٍ لِمُسلِمٍ: قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ، عليه فَريضةُ
(١) «العناية» (٨/ ٣٠٦)، و «المبسوط» (١١/ ٢١٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٣)، و «ابن عابدين» (٧/ ٢٩٦).
(٢) رواه البخاري (١٧٥٦)، ومسلم (١٣٣٤).
اللَّهِ في الحَجِّ، وهو لا يَستَطيعُ أنْ يَستَويَ على ظَهرِ بَعيرِه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «فحُجِّي عَنهُ» (١).
وعن ابنِ عَبَّاسٍ أيضًا أنَّ امرَأةً مِنْ جُهَينةَ جاءَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فلَمْ تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفَأحُجُّ عَنها؟ قالَ: «نَعم، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ، أكُنتِ قاضيتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أحَقُّ بالوَفاءِ» (٢).
وَلحَديثِ أبي رَزينٍ العُقَيليِّ رضي الله عنه أنَّه أتَى النَّبي ﷺ، فقالَ: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ لا يَستَطيعُ الحَجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعنَ، قالَ ﷺ: «احجُجْ عن أبيكَ واعتَمِرْ» (٣).
وعن عَلِيٍّ: أنَّ جاريةً شابَّةً مِنْ خَثعَمٍ استَفتَتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ، فقالَتْ: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ قَدْ أفنَدَ، وقَد أدرَكَتْه فَريضةُ اللَّهِ في الحَجِّ، فهَل يُجزِئُ عنه أنْ أُؤَدِّيَ عَنهُ؟ قالَ: «نَعم، فأدِّي عن أبيكِ» (٤).
وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنه، قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثعَمٍ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالَ: إنَّ أبي أدرَكَه الإسلامُ وهو شَيخٌ كَبيرٌ، لا يَستَطيعُ رُكوبَ الرَّحْلِ، والحَجُّ مَكتوبٌ عليه، أفَأحُجُّ عَنهُ؟ قالَ: «أنتَ أكبَرُ
(١) رواه مسلم (١٣٣٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: سبق تخريجه.
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٢٦٢١)، وابن ماجه (٢٩٠٦).
(٤) رواه الإمام أحمد (١/ ٧٥)، والترمذي (٨٨٥).
وَلَدِهِ؟»، قالَ: نَعم، قالَ: «أرَأيتَ لو كانَ على أبيكَ دَيْنٌ فقَضَيتَه عَنه، أكانَ ذلك يُجزِئُ عَنهُ؟»، قالَ: نَعم، قالَ: «فاحجُجْ عَنهُ» (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: العِباداتُ أنواعٌ مالِيَّةٌ مَحضةٌ، كالزَّكاةِ، وبَدنيَّةٌ مَحضةٌ، كالصَّلاةِ والصَّومِ، ومُرَكَّبةٌ مِنهُما، كالحَجِّ، والنِّيابةُ تُجزِئُ في العِبادةِ المالِيَّةِ عندَ العَجزِ والقُدرةِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيها سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، وذلك يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ، كما يَحصُلُ بفِعلِه، ويَحصُلُ به تَحَمُّلُ المَشقَّةِ بإخراجِ المالِ، كما يَحصُلُ بفِعلِ نَفْسِه، فيَتحقَّقُ معنَى الِابتِلاءِ، فيَستَوي فيه الحالَتانِ.
ولا تُجْزِئُ النِّيابةُ في العِبادةِ البَدنيَّةِ بحالٍ مِنْ الأحوالِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيها إتْعابُ النَّفْسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ طَلَبًا لِمَرضاتِه تَعالى، وذلك لا يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ أصلًا، فلا تُجزيُ فيها النِّيابةُ؛ لِعدمِ الفائِدةِ.
وفي المُرَكَّبِ مِنْ المالِ والبَدَنِ، كالحَجِّ، تُجزِئُ النِّيابةُ عندَ العَجزِ؛ لِحُصولِ المَشقَّةِ بدَفعِ المالِ، ولا تُجزِئُ عندَ القُدرةِ؛ لِعدمِ إتعابِ النَّفْسِ؛ عَملًا بالشَّبَهَيْنِ بالقَدْرِ المُمكِنِ.
وَإنَّما شَرطُ عَجزِ المَنوبِ يَكونُ لِلحَجِّ الفَرضِ، لا لِلنَّفلِ؛ لأنَّه في الحَجِّ النَّفلِ تَجوزُ الإنابةُ مَع القُدرةِ؛ لأنَّ بابَ النَّفلِ أوسَعُ، ألَا تَرَى أنَّه يَجوزُ التَّنَفُّلُ في الصَّلاةِ قاعِدًا وراكِبًا مَع القُدرةِ على القيامِ والنُّزولِ.
ثم الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ فيمَن حَجَّ عن غيرِه أنَّ أصْلَ الحَجِّ يَقَعُ عن
(١) رواه الإمام أحمد (٤/ ٥)، والدارمي في «سننه» (١٨٣٩). قال الحافظ: إسناده صالح. يُنظر: «نيل الأوطار» (٥/ ١٠).
المَحجوجِ عنه؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ؛ فإنَّها تَدُلُّ على أنَّ الحَجَّ نَفسَه يَقَعُ عنه، وعَن مُحمَّدٍ أنَّ الحَجَّ يَقَعُ عن الحاجِّ، ولِلآمِرِ ثَوابُ النَّفَقةِ؛ لأنَّ الحَجَّ عِبادةٌ بَدنيَّةٌ، ولأنَّ المالَ شَرطٌ لِلوُجوبِ؛ لِكَونِه عاجِزًا بدُونِه، فلا تَجري فيها النِّيابةُ كالصَّلاةِ والصَّومِ، بَلْ يُقامُ الإنفاقُ مَقامَ فِعلِه الحَجَّ بنَفْسِه، كالفِديةِ في حَقِّ الشَّيخِ الفاني، أُقيمَ مَقامَ الصَّومِ، والصَّحيحُ الأوَّلُ، ولِهذا لا يَسقُطُ به الفَرضُ عن المأْمورِ، وهو الحاجُّ (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَليُّ بوُقوعِه مِنه مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به، تارِكًا هَوَى نَفْسِه لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه ﷾، فيُثابَ، أو مِنْ المُخالَفةِ فيُعفَى عنه، أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعَذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.
ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُركَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ، وفي المالِيَّةِ في تَنقيصِ المالِ المَحبوبِ لِلنَّفسِ، وفيها مَقصودٌ آخَرُ، وهو سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، والمَشقَّةُ فيها ليسَتْ به، بَلِ التَّنقيصُ، فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ
(١) «الهداية شرح البداية» (١/ ١٨٣)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٨٥، ٨٦)، و «ابن عابدين» (٢/ ٧٤).
الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه، وأمَّا الماليَّةُ فما فيه المَشقَّةُ هو تَنقيصُ المالِ بإخراجِه، لَم تَجُزْ فيه النِّيابةُ، ولا يَقومُ به غيرُه؛ إذْ لا بدَّ مِنْ إذْنِه، والواقِعُ مِنْ النَّائِبِ ليسَ إلَّا المُناوَلةَ لِلفَقيرِ، وبِه يَحصُلُ المَقصودُ الآخَرُ الذي هو مِنْ حيثُ هو لا مَشقَّةَ به على المالِكِ.
وَعلى هذا كانَ مُقتَضَى القياسِ ألَّا تَجريَ النِّيابةُ في الحَجِّ؛ لِتَضَمُّنِه المَشقَّتَيْنِ البَدنيَّةِ والمالِيَّةِ، والأُولَى لَم تَقُمْ بالآمِرِ، لكنَّه تَعالى رَخَّصَ في إسقاطِه، بتَحَمُّلِ المَشقَّةِ الأُخرَى، أعني إخراجَ المالِ عندَ العَجزِ المُستَمِرِّ إلى المَوتِ، رَحمةً وفَضلًا، وذلك بأنْ يَدفعَ نَفَقةَ الحَجِّ إلى مَنْ يَحُجُّ عنه، بخِلافِ حالِ القُدرةِ؛ فإنَّه لَم يَعذُرْهُ؛ لأنَّ تَرْكَه فيها ليسَ إلَّا لِمُجَرَّدِ إيثارِ راحةِ نَفْسِه على أمْرِ رَبِّه، وهو بهذا يَستحقُّ العِقابَ، لا التَّخفيفَ في طَريقِ الإسقاطِ، وإنَّما شَرطُ دَوامِه إلى المَوتِ؛ لأنَّ الحَجَّ فَرضُ العُمرِ، فحيثُ تَعلَّق به خِطابُه، لِقيامِ الشُّروطِ، وجَب عليه أنْ يَقومَ هو بنَفْسِه في أوَل أعوامِ الإمكانِ؛ فإذا لَم يَفعَلْ أثِمَ، وتَقرَّر القيامُ بها بنَفْسِه في ذِمَّتِه في مُدَّةِ عُمُرِه، وإنْ كانَ غيرَ مُتَّصِفٍ بالشُّروطِ؛ فإذا عَجزَ عن ذلك بعَينِه، وهو أنْ يَعجِزَ عنه في مُدَّةِ عُمُرِه، رُخِّصَ له في الِاستِنابةِ؛ رَحمةً وفَضلًا مِنه، فحيثُ قَدَرَ عليه وَقتًا ما مِنْ عُمُرِه بعدَما استَنابَ فيه لِعَجزٍ لَحِقَه، ظهَر انتِفاءُ شَرطِ الرُّخصةِ؛ فلِذا لو حَجَّ عنه غيرُه لِمَرَضٍ يُرجَى زَوالُه أوْ لَا، أو كانَ مَحبوسًا، كانَ أمْرُه مُراعًى إنِ استَمَرَّ بذلك المانِعِ حتى ماتَ، ظهَر أنَّه وقَع مُجزئًا، وإنْ عُوفِيَ
أو خُلِّصَ مِنْ السِّجنِ، ظهَر أنَّه لَم يَقَعْ مُجزئًا، وظهَر وُجوبُ المُباشَرةِ بنَفْسِه، ولو أحَجَّ صَحيحٌ غيرَه ثم عَجزَ لا يُجزئُه، كذا في فَتاوي قاضيخانَ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه أذِنَ قبلَ وُجوبِ سَبَبِ الرُّخصةِ، ولا يُتَخايَلُ خِلافُ هذا (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنابةٌ، فما لا يَقبَلُها لا يَقبَلُ التَّوكيلَ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها ابتِلاءُ الشَّخصِ وامتِحانُه، إلَّا الحَجَّ عندَ العَجْزِ، والعُمرةَ؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ويَندَرِجُ فيهِما تَوابِعُهما، كَرَكعَتَيِ الطَّوافِ، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ممَّا لا تَصحُّ فيه النِّيابةُ، وتَفرِقةُ الزَّكاةِ، والكَفَّاراتُ، وصَدَقةُ التَّطوُّعِ، وذَبْحُ الهَدايا، والعَقيقةُ، وشاةُ الوَليمةِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في كلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعالى تَدخُلُه النِّيابةُ مِنْ العِباداتِ، كالحَجِّ والعُمرةِ، فيَستَنيبُ مَنْ يَفعَلُهُما عنه مُطلَقًا في النَّفلِ، ومَع العَجزِ في الفَرضِ مِنْ نحوِ مَعضوبٍ، ورَكَعَتا الطَّوافِ تَدخُلانِ تَبَعًا لهما، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ لا تَدخُلُها النِّيابةُ.
فَمَنْ وُجِدَتْ فيه شَرائِطُ وُجوبِ الحَجِّ وكانَ عاجِزًا عنه لِمانِعٍ مَيْؤُوسٍ
(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٤٥، ١٤٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٩٧)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٨٩، ٤٩٠)، و «شرح مسلم» (٩/ ٩٨)، و «المجموع» (٧/ ٦٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٧)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٦).
مِنْ زَوالِه، كَزَمانةٍ أو مَرَضٍ لا يُرجَى زَوالُه، أو كانَ نِضْوَ الخَلْقِ لا يَقدِرُ على الثُّبوتِ على الرَّاحِلةِ، إلَّا بمَشقَّةٍ غيرِ مُحتمَلةٍ، وكَذلك الشَّيخُ الفاني، ومَن كانَ مثلَه، متى وجَد مَنْ يَنوبُ عنه في الحَجِّ ومالًا يَستَنيبُه به لَزِمَه ذلك؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ولأنَّ هذه عِبادةٌ تَجِبُ بإفسادِها الكَفَّارةُ، فجازَ أنْ يَقومَ فِعلُ غيرِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ، إذا عَجزَ عنه افتَدَى، بخِلافِ الصَّلاةِ، وإنْ لَم يَجِدْ مالًا يَستَنيبُ به فلا حَجَّ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحيحَ لو لَم يَجِدْ ما يَحُجُّ به لَم يَجِبْ عليه، فالمَريضُ أَوْلَى (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلَفوا في حُكمِ جَوازِ التَّوكيلِ والِاستِنابةِ في الحَجِّ والعُمرةِ، هَلْ يَجوزُ مَع الكَراهةِ أو لا يَجوزُ.
فَفي قَولٍ يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَستَنيبُ عنه في الحَجِّ في غيرِ الفَريضةِ، مَع الكَراهةِ، أو يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عنه، وهذا ما مَشَى عليه خَليلٌ وشُرَّاحُه.
قالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: وَحَجٍّ، بأنْ يُوكِّلَ مَنْ يَستَنيبُ عنه في الحَجِّ، أو وكَّل مَنْ يَحُجُّ عنه (٢).
وقالَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: وَحَجٍّ، بأنْ يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عنه غيرَ الفَريضةِ، أو مَنْ يَستَنيبُ له مَنْ يَحُجُّ عنه (٣).
(١) «المغني» (٣/ ٩١، ٩٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٠)، و «شرح العمدة» (٢/ ١٣٥)، و «الفروع» (٣/ ١٨٣)، و «نيل الأوطار» (٥/ ١٠)، و «الإفصاح» (١/ ٤٥١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٣).
(٣) «الشرح الصغير» (٨/ ٦٦).
وقالَ الخَرشيُّ رحمة الله عليه: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَستَنيبُ عنه في الحَجِّ، أو يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عَنهُ؛ لأنَّ كَلامَ المُؤَلِّفِ في بَيانِ ما تَصحُّ فيه الوَكالةُ، لا في بَيانِ ما تَجوزُ فيه، وهذا في الحَقيقةِ استِنابةٌ، لا نِيابةٌ (١).
وَقَدْ ذكَر الحَطَّابُ رحمة الله عليه الخِلافَ وبيَّنَه فقالَ: قالَ في الطِّرازِ: أربابُ المَذاهبِ مُتَّفِقونَ على أنْ الصَّحيحَ القادِرَ على الحَجِّ ليسَ له أنْ يَستَنيبَ في مَرَضِه، واختُلِفَ في تَطوُّعِه، فالمَذهبُ أنَّه يُكرَهُ، ولو وقَع صَحَّتِ الإجارةُ، انتَهَى.
وَنَقَلُه المُصنِّفُ وابنُ فَرحونٍ والتِّلمِسانيُّ والقَرافيُّ والتَّادِليُّ.
وغيرُهم يُخَصِّصُ الصِّحَّةَ بالوَجْهِ المَكروهِ.
وَكَلامُ ابنِ عَرفةَ كالصَّريحِ في ذلك، ونَصُّه لا يَصحُّ عن مَرْجُوٍّ صِحَّتُه.
وَلأشهَبَ إنْ آجَرَ صَحيحٌ مَنْ يَحُجُّ عنه، لَزِمَ بلا خِلافٍ.
وعن ابنِ بَشيرٍ: لا تَصحُّ مِنْ قادِرٍ اتِّفاقًا، ووَرَدَ نَحوُه لِلَّخمِيِّ، انتَهَى.
فانظُرْ كَيفَ قالَ: لا تَصحُّ، ونقَله عن ابنِ بَشيرٍ، وجعَل القولَ باللُّزومِ لِأشهَبَ، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ كَلامُ أشهَبَ في النَّافِلةِ عن الصَّحيحِ، ولكنَّ سياقَه لا يُشبِهُ أنْ يَدُلَّ على أنَّه فَهِمَ كَلامَ أشهَبَ في الفَرضِ، واللَّهُ أعلَمُ.
وفي كَلامِ ابنِ عَرفةَ فائِدةٌ أُخرَى، وهي أنَّ مَرجُوَّ الصِّحَّةِ كالصَّحيحِ.
وَيَدخُلُ في قَولِ المُصنِّفِ: وإلَّا كُرِهَ، بحَسَبِ الظَّاهِرِ، ثَلاثُ صُوَرٍ:
(١) «شرح مختصر خليل» (٦/ ٦٩).
استِنابةُ الصَّحيحِ في النَّفلِ، واستِنابةُ العاجِزِ في الفَرضِ وفي النَّفلِ، لكنْ في التَّحقيقِ ليسَ هُنا إلَّا صُورَتانِ؛ لأنَّ العاجِزَ لا فَريضةَ عليه.
واعلَمْ أنَّ ابنَ الحاجِبِ حَكَى في جَوازِ استِنابَتِه ثَلاثةَ أقوالٍ:
قالَ في «التَّوضيحِ»: المَشهورُ عَدمُ الجَوازِ الذي يُكرَهُ، صرَّح بذلك الجَلَّابُ، وكَلامُ المُصنِّفِ -يَعني ابنَ الحاجِبِ- لا يُؤخَذُ مِنْ الكَراهةِ، بَلِ من المَنعِ، وهو ظاهِرُ ما حَكاه اللَّخمِيُّ. انتَهَى.
وَما قالَ: إنَّه ظاهِرُ كَلامِ اللَّخمِيِّ، هو الذي مَشَى عليه ابنُ عَبدِ السَّلامِ، وابنُ عَرفةَ، ونقَل الكَراهةَ عن الجَلَّابِ، واعتَرضَ ابنُ فَرحونٍ على المُصنِّفِ في حَمْلِه عَدَمَ الجَوازِ في كَلامِ ابنِ الحاجِبِ على الكَراهةِ، قالَ: ويَنبَغي حَملُ الكَراهةِ على المَنعِ، فقَد نَصَّ ابنُ حَبيبٍ عن مالِكٍ في الواضِحةِ: لا يَجوزُ، ولَفظُ «لا يَجوزُ» يَنفِي أنْ تَكونَ الكَراهةُ على بابِها. انتَهَى.
فَرْعٌ: قالَ سَنَدٌ: والكَلامُ في العُمرةِ كالكَلامِ في حَجِّ التَّطوُّعِ، ونَصُّه في بابِ النِّيابةِ في الحَجِّ، وسُئِلَ: هَلْ كانَ مالِكٌ يُوَسِّعُ أنْ يَعتَمِرَ أحَدٌ عن أحَدٍ إذا كانَ لا يُوَسِّعُ في الحَجِّ؟ قالَ: نَعم، ولَم أسمَعْه مِنه، وهو رَأْيٌ، إذًا أوصَى بذلك ظاهِرُ كَلامِه أنَّه يُكرَهُ ذلك ابتِداءً؛ لِقَوله: إذا أوصَى بذلك، وهو قَولُ مالِكٍ في المُوازيةِ، قالَ: لا يَحُجَّ أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يَعتَمِرْ عنه، ولا عن مَيِّتٍ، ولا عن حَيٍّ، إلَّا أنْ يُوصِيَ بذلك، فيُنَفَّذَ ذلك.
والكَلامُ في العُمرةِ كالكَلامِ في حَجِّ التَّطوُّعِ؛ لأنَّها عِبادةٌ بَدنيَّةٌ، وشَأنُهما واحِدٌ، فما جازَ مِنْ ذلك في الحَجِّ جازَ في العُمرةِ، وما مُنِعَ مُنِعَ. انتَهَى.
قُلتُ: فلا يَكونُ في الِاستِنابةِ في العُمرةِ إلَّا الكَراهةُ، سَواءٌ كانَ المُستَنيبُ صَحيحًا أو عاجِزًا، اعتَمَرَ أو لَم يَعتَمِرْ، واللَّهُ أعلَمُ.
فَرْعٌ: قالَ في «شَرحِ العُمدةِ»: النِّيابةُ في الحَجِّ إنْ كانَتْ بغيرِ أُجرةٍ فحَسَنةٌ؛ لأنَّه فِعلٌ مَعروفٌ، وإنْ كانَتْ بأُجرةٍ اختَلفَ المَذهبُ فيها، والمَنصوصُ عن مالِكٍ الكَراهةُ، رَأَى أنَّه مِنْ بابِ أكْلِ الدُّنيا بعَملِ الآخِرةِ.
فائِدةٌ: قالَ الشَّيخُ ابنُ عَبدِ السَّلامِ رحمة الله عليه في «شَرحِ ابنِ الحاجِبِ»: قالَ الشَّيخُ أبو بَكرٍ الطُّرطُوشيُّ في تَعليقَةِ الخِلافِ: الفَرقُ بينَ النِّيابةِ والِاستِنابةِ أنَّ النِّيابةَ وُقوعُ الحَجِّ مِنْ المَحجوجِ عنه، وسُقوطُ الفَرضِ عنه، ومعنَى الِاستِنابةِ جَوازُ الفِعلِ مِنْ الآخَرِ فَقط، يُريدُ بالآخَرِ المُستَنيبَ. انتَهَى (١).
وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: قالَ مالِكٌ: إذا كانَ مَعضوبًا سقَط عنه فَرضُ الحَجِّ أصلًا، سَواءٌ كانَ قادِرًا على مَنْ يَحُجُّ عنه بالمالِ، أو بغيرِ المالِ، لا يَلزَمُه فَرضُ الحَجِّ، ولو وجَب عليه الحَجُّ ثم عُضِبَ وزَمِن سقَط عنه فَرضُ الحَجِّ، ولا يَجوزُ أنْ يَحُجَّ عنه في حالِ حَياتِه بحالٍ، بَلْ إنْ أوصَى بأنْ يَحُجَّ عنه بعدَ مَوتِه حَجَّ عنه مِنْ الثُّلُثِ، وكانَ تَطوُّعًا، واحتَجَّ بقَوله تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فأخبَرَ أنَّه ليسَ له إلَّا ما سَعَى، فمَن قالَ: إنَّه له سَعْيُ غيرِه فقَد خالَفَ ظاهِرَ الآيةِ، وبِقَوله تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا غيرُ
(١) «مواهب الجليل» (٤/ ٥، ٧)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٧٩).
مُستَطيعٍ؛ لأنَّ الحَجَّ هو قَصدُ المُكَلَّفِ البَيتَ الحَرامَ بنَفْسِه، ولأنَّها عِبادةٌ لا تَدخُلُها النِّيابةُ مَع العَجزِ عَنها، كالصَّلاةِ.
وقالَ عُلماؤُنا: حَديثُ الخَثْعَمِيَّةِ ليسَ مَقصودُه الإيجابَ، وإنَّما مَقصودُه الحَثُّ على بِرِّ الوالِدَيْنِ، والنَّظرُ في مَصالِحِهِما دُنيا ودِينًا، وجَلبُ المَنفعةِ إليهما جِبِلَّةً وشَرعًا، فلمَّا رَأَى مِنْ المَرأةِ انفِعالًا وطَواعيةً ظاهِرةً ورَغبةً صادِقةً في بِرِّها بأبيها، وحِرصًا على إيصالِ الخَيرِ والثَّوابِ إليه، وتَأسَّفَتْ أنْ تَفوتَه بَرَكةُ الحَجِّ، أجابَها إلى ذلك، كما قالَ لِلأُخرَى التي قالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فلَمْ تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفَأحُجُّ عَنها؟ قالَ: «نَعم، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَينٌ، أكُنتِ قاضيَتَهُ؟»، قالَتْ: نَعم (١). ففي هذا ما يَدُلُّ على أنَّه مِنْ بابِ التَّطوُّعاتِ، وإيصالِ البِرِّ والخَيْراتِ لِلأمواتِ، ألَا تَرَى أنَّه قَدْ شَبَّهَ فِعلَ الحَجِّ بالدَّيْنِ، وبِالإجماعِ لو ماتَ مَيِّتٌ وعليه دَيْنٌ لَم يَجِبْ على وَليِّه قَضاؤُه مِنْ مالِه؛ فَإنْ تَطَوَّعَ بذلك تَأدَّى الدَّيْنُ عَنه.
وَمِنْ الدَّليلِ على أنَّ الحَجَّ في هذا الحَديثِ ليسَ بفَرضٍ على أبيها ما صرَّحتْ به هذه المَرأةُ بقَولها: لا يَستَطيعُ، ومَن لا يَستَطيعُ لا يَجِبُ عليه، وهذا تَصريحٌ بنَفْيِ الوُجوبِ ومَنْعِ الفَريضةِ، فلا يَجوزُ ما انتَفَى في أوَل الحَديثِ قَطعًا أنْ يَثبُتَ في آخِرِه ظَنًّا يُحَقِّقُه قولُه: «فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى»؛ فإنَّه ليسَ على ظاهِرِه إجماعًا؛ فإنَّ دَيْنَ العَبدِ أَوْلَى بالقَضاءِ، وبِه يُبدَأُ إجماعًا؛ لِفَقرِ الآدَمِيِّ واستِغناءِ اللَّهِ تَعالى، قالَه ابنُ العَرَبيِّ.
(١) رواه البخاري (١٧٥٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.