التوكيل في المباحات

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > التوكيل في المباحات

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

التوكيل في المباحات - الأقوال والأدلة

ولَنا: أنَّه وَكيلٌ في قَبضِ حَقٍّ، فأشبَهَ الوَكيلَ في قَبضِ الدَّيْنِ، وما ذَكَروه يَبطُلُ بالتَّوكيلِ في قَبضِ الدَّيْنِ؛ فإنَّه وَكيلٌ في قَبضِه ونَقلِه إليه (١).

وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدُ بنُ الحسَنِ -رحمهما الله-: يُقبَلُ إقرارُه في مَجلِسِ الحُكمِ فيما عَدا الحُدودَ والقِصَاصَ، وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يُقبَلُ إقرارُه في مَجلِسِ الحُكمِ وغيرِه؛ لأنَّ الإقرارَ أحَدُ جَوابَيِ الدَّعوَى، فصَحَّ مِنْ الوَكيلِ بالخُصومةِ، كما يَصحُّ مِنه الإنكارُ.

وَقالوا: إنَّ المُوكِّلَ إذا نَصَّ في عَقدِ الوَكالةِ على أنَّ الوَكيلَ ليسَ له الإقرارُ، لَم يَكُنْ له حَقُّ الإقرارِ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، فلَو أقَرَّ عندَ القاضي لا يَصحُّ، وخرَج به عن الوَكالةِ، كما نَصُّوا على أنَّ التَّوكيلَ بالإقرارِ يَصحُّ، ولا يَصيرُ المُوكِّلُ بمُجَرَّدِ التَّوكيلِ مُقِرًّا، ونقَل ابنُ عابِدينَ عن الطَّواوِيسيِّ: مَعناه أنْ يُوكِّلَ بالخُصومةِ، ويَقولَ: خاصِمْ؛ فإذا رَأيتَ لُحوقَ مُؤنةٍ أو خَوفَ عارٍ عليَّ فأقِرَّ بالمُدَّعَى، يَصحُّ إقرارُه على المُوكِّلِ (٢).

التَّوكيلُ في المُباحاتِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوكيلِ في المُباحاتِ، كَإحياءِ المَواتِ وإسقاءِ الماءِ والِاصطيادِ والِاحتِطابِ والِاحتِشاشِ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟

فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في المُباحاتِ، كَإحياءِ المَواتِ والِاصطيادِ والِاحتِطابِ والِاحتِشاشِ

(١) «المغني» (٥/ ٥٨، ٥٩).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٧/ ٢٩٦، ٣٦٦)، و «درر الحكام» (٧/ ٣٥١).

كالِاستِئجارِ عليه؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بسَبَبٍ لا يَتعيَّنُ عليه، ولأنَّها أحَدُ أسبابِ المِلْكِ؛ فجازَ التَّوكيلُ فيه، كالشِّراءِ والِاتِّهابِ، فيَحصُلُ المِلْكُ لِلمُوكِّلِ إذا قصَده الوَكيلُ له؛ فَإنْ لَم يَنْوِه له وقصَده لِنَفْسِه ملَكه، وانفسَختِ الوَكالةُ.

وهذا بخِلافِ الِالتِقاطِ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ فيهِ؛ لأنَّ المُغَلَّبَ فيه الِائتِمانُ، وكذا الِاغتِنامُ؛ لأنَّه يُستحَقُّ بالحُضورِ، فلا طَلبَ لِلغائِبِ به عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، فإنِ التَقَطَ أو غَنِمَ كانَ له دونَ المُوكِّلِ.

وذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في المُباحاتِ؛ لأنَّ وَضعَ اليَدِ وُجِدَ مِنه، وهو سَبَبُ المِلْكِ، فلا يَنصَرِفُ بالنِّيَّةِ إلى غيرِه؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملِكُه عندَ الوَكالةِ، فمَنِ استَولَى عليه ملَكه (١).

قالَ الحَنفيَّةُ: التَّوكيلُ في أخْذِ المُباحِ باطِلٌ؛ لأنَّه يَقتَضي صِحَّةَ أمْرِ المُوكِّلِ بما وُكِّلَ به، وهو أخْذُ المُباحِ، وأمْرُ المُوكَّلِ بأخْذِه غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّه صادَفَ غيرَ مَحَلِّ وِلايَتِه؛ لأنَّ الوَكيلَ يَملِكُه بدُونِ أمْرِ المُوكِّلِ، ومَن تَملَك شَيئًا بدُونِ أمْرِ المُوكِّلِ لا يَصلُحُ أنْ يَكونَ نائِبًا عَنهُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩١)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٤)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٧)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٨)، و «المغني» (٥/ ٥٢)، و «الفروع» (٤/ ٣٠٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٥٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 345 - 346

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله