التوكيل في قضاء الديون وإقباضها

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > التوكيل في قضاء الديون وإقباضها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

التوكيل في قضاء الديون وإقباضها - الأقوال والأدلة

التَّوكيلُ في قَضاءِ الدُّيونِ وإقباضِها:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في قَضاءِ الدُّيونِ التي لِلمُوكِّلِ على النَّاسِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ قَدْ لا يَقدِرُ على الِاستِيفاءِ بنَفْسِه، فيَحتاجُ إلى التَّفويضِ إلى غيرِه، كالوَكيلِ بالبَيعِ والشِّراءِ وسائِر التَصرُّفاتِ، إلَّا أنَّ التَّوكيلَ بقَبضِ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ وبَدَلِ الصَّرفِ إنَّما يَجوزُ في المَجلِسِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ إنَّما يَملِكُ القَبضَ فيه لا في غيرِه.

وإذا قبَض الدَّينَ مِنْ الغَريمِ بَرِئَ الغَريمُ؛ لأنَّ القَبضَ الصَّحيحَ يُوجِبُ البَراءةَ، وتَجوزُ الوَكالةُ بقَضاءِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه يَملِكُ القَضاءَ بنَفْسِه، وقَد لا يَتهيَّأ له القَضاءُ بنَفْسِه، فيَحتاجُ إلى التَّفويضِ إلى غيرِه (١).

وقالَ السُّغْديُّ الحَنَفيُّ رحمة الله عليه: والوَكالةُ في قَضاءِ الدُّيونِ وقَبْضِها جائِزةٌ، وهي على ثَلاثةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَقولَ لِلوَكيلِ: وَكَّلتُكَ أنْ تَتَقاضَي دَيْني على فُلانٍ؛ فإنَّه وَكَيلٌ، ويَتَقاضَى دِينارًا واحِدًا؛ فإذا قَبَضَه فليسَ له أنْ يَتقاضَى له دِينارًا آخَرَ.

والآخَرُ: أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ بتَقاضي دُيوني على فُلانٍ، فهو وَكيلٌ في جَميعِ دُيونِه عليه في الحالِ، وفيما يَحدُثُ له بعدَ الحالِ أنْ يَتقاضاها ويَقبِضَها دونَ غيرِه.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢، ٢٣).

والثَّالثُ: أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ أنْ تَتَقاضَى دُيونِي على النَّاسِ؛ فإنَّه وَكَيلٌ على تَقاضي دُيونِه جَميعًا، وفي قَبضِها.

ولو قالَ لِلمَدِينِ: ادْفَعْ دَيْني إلى فُلانٍ؛ فإنَّه وَكيلي، جازَ ذلك، وسَواءٌ أمَرَ الوَكيلُ بالقَبضِ، أو المَدِينُ بالدَّفْعِ (١).

واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه، في بابِ الوَكالةِ في قَضاءِ الدُّيونِ:

حدَّثنا سُلَيمانُ بن حَرْبٍ حدَّثنا شُعبةُ عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ سَمِعتُ أبا سَلَمةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ يَتقاضاه، فأغلَظَ، فَهَمَّ به أصحابُه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «دَعُوه؛ فإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا»، ثم قالَ: «أعْطُوه سِنًّا مثلَ سِنهِ»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، لا نَجِدُ إلَّا أمثَلَ مِنْ سِنهِ، فقالَ: «أعْطُوه؛ فإنَّ مِنْ خَيرِكم أحسَنَكم قَضاءً» (٢).

قالَ ابنُ المُنيرِ رحمة الله عليه: فِقْهُ هذه التَّرجَمةِ أنَّه رُبَّما تَوهَّمَ مُتوَهِّمٌ أنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ لمَّا كانَ واجِبًا على الفَورِ امتَنَعَتِ الوَكالةُ فيه؛ لأنَّها تَأخيرٌ مِنْ المُوكِّلِ إلى الوَكيلِ، فبينَ أنَّ ذلك جائِزٌ، ولا يُعَدُّ ذلك مَطْلًا (٣).

وَلمَا رَواه الإمامُ مُسلِمٌ عن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: «أقبَلْنا مِنْ مَكَّةَ إلى

(١) «فتاوى السغدي» (٢/ ٦٠٠).
(٢) رواه البخاري (٢١٨٣).
(٣) «فتح الباري» (٤/ ٤٨٣)، و «شرح ابن بطال» (٦/ ٤٤٠).

المَدينةِ مَع رَسولِ اللَّه فاعتَلَّ جَمَلِي … وساقَ الحَديثَ بقِصَّتِه، وفيهِ: ثم قالَ لي: «بِعْني جَملَك هذا». قالَ: قُلتُ: لا، بَلْ هو لَكَ. قالَ: «لا بَلْ بِعْنِيه». قالَ: قُلتُ: لا، بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «لا بَلْ بِعْنِيه». قالَ: قُلتُ: فإنَّ لِرَجُلٍ عليَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فهو لكَ بها، قالَ: «قَدْ أخَذتُه»، فتَبَلَّغْ عليه إلى المَدينةِ، قالَ: فلمَّا قَدِمتُ المَدينةَ قالَ رَسولُ اللَّهِ لِبِلالٍ رضي الله عنه: «أعطِه أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وزِدْه». قالَ: فأعطاني أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وزادَني قِيراطًا، قالَ: فقُلتُ: لا تُفارِقُني زِيادةُ رَسولِ اللَّهِ. قالَ: فكانَ في كِيسٍ لي، فأخَذَه أهلُ الشَّامِ يَومَ الحَرَّةِ» (١).

قالَ الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: فيه جَوازُ الوَكالةِ في قَضاءِ الدُّيونِ وأداءِ الحُقوقِ، وفيه استِحبابُ الزِّيادةِ في أداءِ الدَّيْنِ وإرجاحِ الوَزْنِ (٢).

وكذا يَصحُّ التَّوكيلُ بإقباضِ الدُّيونِ التي على المُوكِّلِ لِلنَّاسِ بأنْ يُوكِّلَ في قَضاءِ دَيْنٍ عليه؛ لِعُمومِ الحاجةِ إلى ذلك، واستَدَلَّ عليه بما رَواه أبو داوُدَ وغيرُه عن أبي نُعَيمٍ وَهْبِ بنِ كَيسانَ قالَ: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنه يَقولُ: أرَدتُ الخُروجَ إلى خَيبَرَ، فقالَ لي رَسولُ اللَّهِ : «إذا أتَيتَ وَكيلي بخَيبَرَ فخُذْ مِنه خَمسةَ عَشَرَ وَسقًا، فإنِ ابتَغَى مِنْكَ آيةً فضَعْ يَدَكَ على تَرقُوَتِه» (٣)، وهي العَظمُ الذي بينَ ثُغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، وهُما تَرقُوَتانِ مِنْ الجانِبَيْنِ.

(١) رواه مسلم (٧١٥).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٣٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٦٣٢)، والدارقطني (٤٣٠٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 281 - 283

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر