الركن الثاني: الموكل

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الركن الثاني: الموكل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الركن الثاني: الموكل - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الثَّاني: المُوكِّلُ:

المُوكِّلُ هو مَنْ يُقيمُ غيرَه مَقامَ نَفْسِه في تَصرُّفٍ جائِزٍ مَعلومٍ، واشترَطَ الفُقهاءُ في المُوكِّلِ أنْ يَكونَ ممَّن يَملِكُ فِعلَ ما وُكِّلَ به بنَفْسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضُ ما يَملِكُه مِنْ التَصرُّفِ إلى غيرِه، فما لا يَملِكُه بنَفْسِه كَيفَ يَحتَمِلُ التَّفويضَ إلى غيرِه، فعلى هذا اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ مِنْ المَجنونِ ولا المُغمَى عليه ولا الصَّبِيِّ الذي لا يَعقِلُ أصْلًا؛ لأنَّ العَقلَ مِنْ شَرائِطِ الأهليةِ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ التَّصرُّفَ بأنْفُسِهِم؛ فإذا لَم يَقدِرِ الأصْلُ على تَعاطي الشَّيءِ فنائِبُه أَوْلَى ألَّا يَقدِرَ.

ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبِيِّ المُميِّزِ، هَلْ يُشترَطُ الذُّكوريَّةُ والعَدالةُ والإسلامُ في بعضِ حالاتِ الوَكالةِ أو لا؟ على هذا التَّفصيلِ الآتي:

١ - الصَّبِيُّ المُميِّزُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبِيِّ المُميِّزِ غيرِ البالِغِ، هَلْ يَصحُّ تَوكيلُه أو لا؟

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الصَّبِيَّ المُميِّزَ غيرَ البالِغِ لا يَخلو تَوكيلُه مِنْ ثَلاثِ حالاتٍ:

الحالةُ الأُولَى: ما فيها نَفْعٌ له مَحضٌ، كَقَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ، فيَصحُّ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه ممَّا يَملِكُه بنَفْسِه بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه بالتَّوكيلِ، وإنْ لَم يَأذَنِ الوَليُّ.

الحالةُ الثَّانيةُ: ما فيه ضَرَرٌ مَحضٌ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ والهِبةِ والصَّدَقةِ ونحوِها مِنْ التَصرُّفاتِ الضَّارَّةِ، فهذا لا يَصحُّ التَّوكيلُ فيه باتِّفاقِهم جَميعًا؛

لأنَّه لا يَملِكُه بنَفْسِه، ولا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه.

مثلًا لو وكَّل الصَّبيُّ المُميِّزُ آخَرَ بهِبةِ مالٍ له مَعلومٍ له لِآخَرَ وتَسليمِه إيَّاه، لا يَصحُّ، سَواءٌ أكانَ ذلك الصَّبِيُّ مَأْذونًا أم لَم يَكُنْ مَأْذونًا؛ لأنَّ الصَّبِيَّ لا يَقتَدِرُ بالذَّاتِ على هِبَتِه، كما أنَّه لا تُعتبَرُ إجازةُ الوَليِّ لِتَصرُّفاتِ الصَّغيرِ التي هي مِنْ هذا القَبيلِ، كَذلك لا تُعتبَرُ إجازةُ وَليِّه لِلتَّوكيلِ الذي يَقَعُ مِنْ الصَّبِيِّ المُميِّزِ بإجراءِ هذه التَّصرُّفاتِ.

الحالةُ الثَّالثةُ: التَّوكيلُ في التَّصرُّفاتِ الدَّائِرةِ بينَ النَّفْعِ والضَّرَرِ، كالبَيعِ والإجارةِ وغيرِهما مِنْ سائِرِ المُعامَلاتِ التي تَربَحُ مَرَّةً وتَخسَرُ أُخرَى؛ فَإنْ لَم يَكُنْ مَأْذونًا له في التِّجارةِ ولَم يَأذَنْ فيه الوَليُّ فلا يَصحُّ له التَّوكيلُ فيها اتِّفاقًا، وإنْ كانَ مَأْذونًا له في التِّجارةِ فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:

فَذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إنْ كانَ مَأْذونًا له في التِّجارةِ يَصحُّ مِنه التَّوكيلُ بها؛ لأنَّه يَملِكُه بنَفْسِه، وإنْ كانَ مَحجورًا يَنعَقِدُ مَوقوفًا على إجازةِ وَليِّه، وعلى إذْنِ وَليِّه بالتِّجارةِ أيضًا، كما إذا فَعلَ بنَفْسِهِ؛ لأنَّ في انعِقادِه فائِدةً لِوُجودِ المُجيزِ لِلحالِ، وهو الوَليُّ.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لا يَصحُّ التَّوكيلُ مِنْ الصَّبِيِّ العاقِلِ بما لا يَملِكُه بنَفْسِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ والهِبةِ والصَّدَقةِ ونحوِها مِنْ التَّصرُّفاتِ الضَّارَّةِ المَحضةِ، ويَصحُّ بالتَّصرُّفاتِ النَّافِذةِ، كَقَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ مِنْ غيرِ إذْنِ المَولَى؛ لأنَّه ممَّا يَملِكُه بنَفْسِه بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه بالتَّوكيلِ.

وأمَّا التَّصرُّفاتُ الدَّائِرةُ بينَ الضَّرَرِ والنَّفْعِ، كالبَيعِ والإجارةِ؛ فإنْ كانَ مَأْذونًا له في التِّجارةِ يَصحُّ مِنه التَّوكيلُ بها؛ لأنَّه يَملِكُها بنَفْسِه، وإنْ كانَ مَحجورًا يَنعَقِدُ مَوقوفًا على إجازةِ وَليِّه، وعلى إذْنِ وَليِّه بالتِّجارةِ أيضًا، كما إذا فَعلَ بنَفْسِهِ؛ لأنَّ في انعِقادِه فائِدةً لِوُجودِ المُجيزِ لِلحالِ، وهو الوَليُّ (١).

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ إلَّا ممَّن يَصحُّ تَصرُّفُه فيه؛ فكلُّ مَنْ جازَ له التَصرُّفُ لِنَفْسِه في شَيءٍ؛ فإنَّه يَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ عنه فيما تَجوزُ فيه النِّيابةُ، فيُشترَطُ في المُوكِّلِ البُلوغُ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ غيرَ البالِغِ مَحجورٌ عليه؛ فلا يَصحُّ مِنه أنْ يُوكِّلَ غيرَه (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَصحُّ وَكالةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ بإذْنِ وَليِّه في كلِّ تَصرُّفٍ لا يُعتبَرُ له البُلوغُ؛ بِناءً على صِحَّةِ تَصرُّفِه بإذْنِه (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٣٦)، و «الاختيار» (٢/ ١٨٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٤٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٧/ ٢٦٧)، و «درر الحكام» (٣/ ٥٤٤، ٥٤٥).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤)، و «الذخيرة» (٨/ ٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٢، ٥٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٤٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٣٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٣٨)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٢٧)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٢٧٨)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٧/ ٤٨١)، و «العباب» (٦٨٤)، و «الوسيط» (٤/ ٢٩٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٤)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٣)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٣)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ١٦١).
(٣) «المغني» (٥/ ٥١)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٠٤)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٤٥، ٣٥٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٣٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٤)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٣٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة

الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.

الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.

الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة

الْبَابُ الثَّانِي

فِي الْأَحْكَامِ

وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.

فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ركن التوكيل

لِأَنَّهُ أَدَّى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ.

فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَالْإِيجَابُ مِنْ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ بِكَذَا " أَوْ " افْعَلْ كَذَا " أَوْ " أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا " وَنَحْوُهُ.

وَالْقَبُولُ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ: " قَبِلْتُ " وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ الْوَكِيلُ فَقَبَضَهُ لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.

ثُمَّ رُكْنُ التَّوْكِيلِ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ " وَقَدْ يَكُونُ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ بِأَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ غَدًا " ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا فِي الْغَدِ فَمَا بَعْدَهُ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ الْغَدِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَإِذْنِ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدُّيُونِ، وَالتَّقْيِيدَاتُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالرَّجْعَةُ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.

فَصْلٌ فِي شَرَائِط الْوَكَالَة

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 180 - 182

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله