الشرط الثاني: أن يكون الموكل فيه معلوما من بعض الوجوه

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الشرط الثاني: أن يكون الموكل فيه معلوما من بعض الوجوه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

الشرط الثاني: أن يكون الموكل فيه معلوما من بعض الوجوه - الأقوال والأدلة

ولا تَصحُّ الوَكالةُ في بَيعِ ما سَيَملِكُه عَقِبَ الوَكالةِ تَبَعًا لِلمَبيعِ المَملوكِ له وَقتَ التَّوكيلِ؛ كَقَولِ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: بِعْ هذا الحَيَوانَ وما يَحدُثُ مِنْ نِتاجِه، أو بِعْه واشتَرِ بثَمَنِه كذا، أي: شِقصًا مَعلومًا، فأمَّا قَولُ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: بِعْ ما يَحصُلُ مِنْ نحوِ لَبَنِ البَهيمةِ، كَنِتاجِها وصُوفِها وشَعرِها، فلا يَصحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَوجودٍ (١).

الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ:

اشترَطَ الفُقهاءُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا، ولو مِنْ بعضِ الوُجوهِ، ولا يُشترَطُ العِلمُ فيه مِنْ كلِّ وَجهٍ، وإذا لَم تَكُنْ كَذلك بطَلتْ.

قالَ العمرانيُّ رحمة الله عليه: ولا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا في تَصرُّفٍ مَعلومٍ، فإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ لَم يَصحَّ، وبِه قالَ عامَّةُ العُلماءِ (٢).

وَقَدْ سبَقتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ في أنواعِ الوَكالةِ في «الوَكالةِ العامَّةِ والوَكالةِ الخاصةِ»، وسبَق ذِكْرُ أقوالِ العُلماءِ في اشتِراطِ العِلمِ بالمُوكَّلِ فيه بالتَّفصيلِ، وأنا أذكُرُها هُنا مُختصَرةً.

قالَ الحَنفيَّةُ: الأصْلُ أنَّ الجَهالةَ إذا كانَتْ تَمنَعُ الِامتِثالَ، ولا يُمكِنُ دَرْكُها، تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإلَّا فلا، والجَهالةُ ثَلاثةُ أنواعٍ:

جَهالةٌ فاحِشةٌ: وهي الجَهالةُ في الجِنسِ، فتَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، سَواءٌ

(١) «الإنصاف» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٥)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٢٦٠)
(٢) «البيان» (٦/ ٤٠٦).

بينَ الثَّمَنَ، أو لَم يُبيِّنْ، كما لو وكَّله بشِراءِ ثَوبٍ أو دَابَّةٍ أو نحوِ ذلك.

والثَّانيةُ: جَهالةٌ يَسيرةٌ: وهي ما كانَتْ في النَّوعِ المَحضِ، كما لو وكَّله بشِراءِ فَرَسٍ أو حِمارٍ أو ثَوبٍ هَرَويٍّ أو مَرويٍّ أو نحوِ ذلك؛ فإنَّه تَجوزُ الوَكالةُ به، وإنْ لَم يُبيِّنِ الثَّمَنَ، وقالَه بِشرٌ، لا تَجوزُ، والحُجَّةُ عليه ما رُوِيَ أنَّه عليه الصلاة والسلام «وكَّل حَكيمَ بنَ حِزامٍ بشِراءِ شاةٍ لِلأُضحيَّةِ»، ولأنَّ جَهالةَ النَّوعِ لا تُخِلُّ بالمَقصودِ، ويُمكِنُ دَفْعُها بصَرفِ التَّوكيلِ إلى ما يَليقُ بحالِ المُوكِّلِ حتى لو أنَّ عاميًّا وكَّل رَجُلًا بشِراءِ فَرَسٍ فاشترَى فَرَسًا يَصلُحُ لِلمُلوكِ لا يَلزَمُه.

والثَّالثةُ: جَهالةٌ بينَ النَّوعِ والجِنسِ: كما لو وكَّله بشِراءِ عَبدٍ أو جاريةٍ، إنْ بينَ الثَّمنَ أوِ النَّوعَ، بأنْ قالَ: عَبدًا تُركيًّا أو حَبَشيًّا، أو نحوَ ذلك، جازَتِ الوَكالةُ، وإنْ لَم يُبيِّنْ واحِدًا مِنهُما لَم تَجُزْ؛ لأنَّه ببَيانِ الثَّمَنِ يُعلَمُ مِنْ أيِّ نَوعٍ يُريدُ، وبِبَيانِ النَّوعِ يُعلَمُ ثَمَنُه، فتَبقَى الجَهالةُ بعدَ ذلك يَسيرةً، وهي لا تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَتِ الجَهالةُ في الجِنسِ، حيثُ تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإنْ بينَ الثَّمَنَ؛ لأنَّه بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كلِّ نَوعٍ، فلا يُفيدُ المَعرِفةَ (١).

وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا بالنَّصِّ، أو القَرينةِ، أو العادةِ، فلَو قالَ: وَكَّلتُكَ، لَم يُفِدْ حتى يُقيِّدَه بالتَّفويضِ، أو بأمْرٍ مَخصوصٍ.

(١) «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٥٨، ٢٥٩).

وإذا كانَ لَفظُ المُوكِّلِ عامًّا؛ فإنَّه يَتخصَّصُ بالعُرفِ، كما إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ دَوابِّي، وكانَ العُرفُ يَقتَضي تَخصيصَ ذلك ببعضِ أنواعِ الدَّوابِّ؛ فإنَّه يَتخصَّصُ، وكذا إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ هذه السِّلعةِ؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ عامٌّ في بَيعِها في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ؛ فإذا كانَ العُرفُ: تُباعُ هذه السِّلعةُ في سوقٍ مَخصوصٍ، أو في زَمانٍ مَخصوصٍ، يُخصَّصُ هذا العُمومُ، وكذا إذا كانَ الشَّيءُ المُوكَّلُ عليه مُطلَقًا، أو كانَ لَفظَ المُوكِّلِ؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بالعُرفِ، كما لو قالَ: اشتَرِ لي؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بما يَليقُ به، ولا يَتجاوَزُه الوَكيلُ إلى غيرِ ما وكَّل عليه، سَواءٌ كانَ مُعيَّنًا بالنَّصِّ، أو مُخصَّصًا، أو مُقيَّدًا، وتُخصَّصُ وتُقيَّدُ بالعُرفِ (١).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ، حيثُ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ، سَواءٌ كانَتِ الوَكالةُ عامَّةً، أو خاصَّةً، ولا يُشترَطُ عِلمُه مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لأنَّ تَجويزَ الوَكالةِ لِلحاجةِ يَقتَضي المُسامَحةَ فيه، فيَكفي أنْ يَكونَ مَعلومًا مِنْ وَجهٍ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ لِلوَكيلِ، بخِلافِ ما إذا كَثُرَ.

فَلَو قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ لي، أو مِنْ أُموري، أو في كلِّ أُموري، أو فَوَّضتُ إلَيكَ كلَّ شَيءٍ، أو أنتَ وَكيلي، فتصرَّفْ كَيفَ شِئتَ، أو نحوَ ذلك، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه ما يُطيقُ وما لا يُطيقُ، ويَعظُمُ الضَّرَرُ، ويَكثُرُ الغَرَرُ فيه.

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٧، ٥٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٤٧، ١٤٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٠، ٧١)، و «منح الجليل» (٦/ ٦٣٨).

وإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ أموالي وقَبضِ دُيوني واستِيفائِها وعِتقِ أرِقَّائي ورَدِّ وَدائِعي ومُخاصَمةِ خُصَمائِي، ونحوَ ذلك، صَحَّ، وإنْ جَهِلَ الأموالَ والدُّيونَ ومَن هي عليه، والأرِقَّاءَ والوَدائِعَ ومَن هي عندَه، والخُصومَ وما فيه الخُصومةُ؛ لأنَّ الغَرَرَ فيه قَليلٌ؛ لأنَّه يَعرِفُ مالَه ودَيْنَه، بخِلافِ ما لو قالَ: بِعْ بعضَ مالي، أو طائِفةً، أو سَهمًا مِنه، أو بِعْ هذا أو هذا؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ.

ولو قالَ: بِعْ، أو هَبْ مِنْ مالي، أوِ اقضِ مِنْ دُيوني ما شِئتَ، أو أعتِقْ أو بِعْ مِنْ عَبيدي مَنْ شِئتَ، صَحَّ في بَعضٍ، لا في الجَميعِ، فلا يَأتي الوَكيلُ بالجَميعِ؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ.

ولو قالَ: تَزوَّجْ لي مَنْ شِئتَ، صَحَّ، كما لو قالَ: بِعْ مِنْ مالي ما شِئتَ، ولو قالَ: أبرِئْ فُلانًا عَمَّا شِئتَ مِنْ مالي، صَحَّ، ولْيُبْقِ مِنه شَيئًا، أو عن الجَميعِ، فأبرَأه عنه، أو عن بعضِه، صَحَّ، أو قالَ: أبْرِئُه عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن أقَلَّ ما يُطلَقُ عليه الِاسمُ، كما قالَه المُتَوَلي.

وَيَكفي في صِحَّةِ الوَكالةِ بالإبراءِ عِلمُ المُوكِّلِ بقَدْرِ الدَّيْنِ، وإنْ جَهِلَه الوَكيلُ والمَديونُ.

وإنْ وكَّله في شِراءِ عَبدٍ، وجَب بَيانُ نَوعِه، كَتُركيٍّ أو هِنديٍّ، ولا يَكفي ذِكرُ الجِنسِ، كَعَبدٍ، لِاختِلافِ الأغراضِ بذلك، وإنْ تَبايَنَتْ أوصافُ نَوعٍ وجَب بَيانُ الصِّنفِ، كَخَطابيٍّ وقَفجاقيٍّ.

ولا يُشترَطُ استِيفاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ مِنها اتِّفاقًا.

وإنْ وكَّله في شِراءِ رَقيقٍ، وجَب مَع بَيانِ النَّوعِ ذِكْرُ الذُّكورةِ والأُنوثةِ، تَقليلًا لِلغَرَرِ؛ فإنَّ الأغراضَ تَختلِفُ بذلك، ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا كما تَشاءُ، لَم تَصِحَّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ.

وإنْ وكَّله في شِراءِ دارٍ وجَب بَيانُ المَحَلَّةِ -أي: الحارةِ-، والسِّكةِ -أي: الزُّقاقِ-، ووجَب العِلمُ بالبَلَدِ ونحوِها مِنْ ضَرورةِ ذلك.

وفي شِراءِ الحانوتِ يُبيِّنُ السُّوقَ؛ لِيَقِلَّ الغَرَرُ، وقِسْ على ذلك.

ولو وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً ولَم يُعيِّنْها، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ، بخِلافِ ما لو قالَ: زوِّجْنِي مَنْ شِئتَ؛ فإنَّه يَصحُّ، كما في الوَكالةِ، بشِراءِ عَبدٍ لَم يَصِفْه، بخِلافِ الأوَل؛ فإنَّه مُطلَقٌ، ودِلالةُ العامِّ على إفرادِه ظاهِرةٌ، بخِلافِ المُطلَقِ، لا دِلالةَ له على فَردٍ.

ولا يَجِبُ بَيانُ قَدْرِ الثَّمَنِ في الأصَحِّ، فيما ذُكِرَ؛ لأنَّ غَرَضَه قَدْ يَتعلَّقُ بواحِدٍ مِنْ ذلك النَّوعِ، نَفيسًا كانَ أو خَسيسًا.

والثَّاني: يَجِبُ بَيانُ قَدْرِه، كَمِئةٍ، أو غايَتِه، كَأنْ يَقولَ: مِنْ مِئةٍ إلى ألْفٍ؛ لِظُهورِ التَّفاوُتِ.

هذا كلُّه إذا قصَد القِنيةَ، أمَّا إذا كانَ لِلتِّجارةِ فلا يَجِبُ فيه ذِكْرُ نَوعٍ ولا غيرِه، بَلْ يَكفِي: اشتَرِ ما شِئتَ مِنْ العُروضِ، أو ما فيه حَظٌّ ومَصلَحةٌ.

ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا تُركيًّا صِفَتُه كذا، بما شِئتَ، فيَنبَغي تَقييدُه بثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ تَجويزَ الزِّيادةِ على ذلك غَرَرٌ، كالوَكالةِ العامَّةِ، وكذا لو قالَ: بما شِئتَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، وأكثَرَ، لا يُسمَعُ مِنه.

وَيَنبَغي التَّنبُّهُ لِذلك؛ فإنَّه يَقَعُ كَثيرًا في الوَكالةِ، ويُثبِتُها القُضاةُ، ولا يَنتَبِهونَ لِذلك، أمَّا لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ بما شِئتَ مِنْ الأثمانِ، قَليلِها وكَثيرِها؛ فإنَّه يَصحُّ، وكَأنَّه وَطَّنَ نَفْسَه على أقَلِّ شَيءٍ، فلا غَرَرَ فيه، أمَّا فَسادُ الوَكالةِ بالكلِّيَّةِ فلا يَظهَرُ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الشَّرطُ الثَّاني -وهو ذِكرُ ما وُكِّلَ فيه- فيَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، كما يلي:

قِسمٌ يَكونُ عامًّا في الأحوالِ كلِّها، وقِسمٌ يَكونُ خاصًّا في حالٍ بعَينِها، وقِسمٌ يَكونُ عامًّا في وَجهٍ، وخاصًّا في وَجهٍ.

فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ: وهو العامُ في الأحوالِ كلِّها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ في فِعلِ ما رَأيتَه صَلاحًا في مالي، فهذه وكالةٌ باطِلةٌ؛ لِلجَهلِ بها، ولِمُضادَّةِ الِاحتِمالِ فيها؛ لأنَّه قَدْ يُحتمَلُ التَّوكيلُ في حِفظِ القَليلِ والكَثيرِ، ويُحتمَلُ بَيعُ القَليلِ والكَثيرِ، وهُما ضِدَّانِ مُتَبايِنانِ، فبطَلتِ الوَكالةُ مِنْ أجْلِه.

وأمَّا القِسمُ الثَّاني: وهو الخاصُّ في حالٍ بعَينِها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ هذا العَبدِ، أو في شِراءِ هذه الدَّارِ، أو في اقتِضاءِ هذا الدَّيْنِ، أو

(١) «المهذب» (١/ ٣٥٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٩، ٢٠١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٦، ٣٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٩، ٣٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٨)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٩، ٨٥٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ١٦٩، ١٧٠).

في تَثبيتِ هذه الوَصِيَّةِ، أو في مُخاصَمةِ هذا المُدَّعِي، فتَصحُّ الوَكالةُ خُصوصًا في المَأْذونِ فيه دونَ غيرِه، وهذا ما وافَقَ عليه أبو حَنيفةَ، وإنْ خالَفَ في الوَصِيَّةِ؛ فإنَّ أبا حَنيفةَ يَجعَلُ الوَصِيَّ في شَيءٍ وَصيًّا في كلِّ شَيءٍ، ولا يَجعَلُ الوَكيلَ في شَيءٍ وَكيلًا في كلِّ شَيءٍ، وعندَ الشَّافِعيِّ أنَّهما سَواءٌ في أنَّ عَملَهُما مَقصورٌ على المَأْذونِ فيه دونَ غيرِه.

وأمَّا القِسمُ الثَّالثُ: وهو العامُّ مِنْ وَجهٍ، الخاصُّ مِنْ وَجهٍ، فعلى ضَربَيْنِ:

أحَدُهما: أنْ يَكونَ خُصوصُه بجَعلِ العُمومِ مَعلومًا، فتَصحُّ فيه الوَكالةُ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ مالي؛ لأنَّ تَخصيصَ البَيعِ قَدْ جعَل المُرادَ بعُمومِ مالِه مَعلومًا.

والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَصيرَ العُمومُ بما ذكَره مِنْ التَّخصيصِ مَعلومًا، فالوَكالةُ فيه باطِلةٌ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في شَرْيِ ما رَأيتَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ مالي؛ لأنَّ جِنسَ ما يَشتَريه بمالِه لا يَصيرُ مَعلومًا، فبطَلتِ الوَكالةُ فيه. وهَكذا لو قالَ: اشتَرِ لي بهذا الألْفِ ما رَأيتَ مِنْ العُروضِ، أو ما عَلِمْتَ فيه حَظًّا مِنْ الإبراءِ، كانَتِ الوَكالةُ فيه باطِلةً إلَّا أنْ يَكونَ مَقصودُه طَلبَ الرِّبحِ دونَ التَّمليكِ، فيَجوزَ، كالمُضارَباتِ، فإنْ قيلَ: أليسَ لو دفَع في المُضارَبةِ مالًا يَشتَري به العامِلُ ما رَأَى فيه صَلاحًا جازَ؟ فهَلَّا جازَ مِثلُه في الوَكالةِ؟ قيلَ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المَقصودَ في المُضارَبةِ طَلَبُ الرِّبحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه اختِلافُ الأجناسِ، فكانَ المَقصودُ مَعلومًا، فصَحَّ. والمَقصودُ في الوَكالةِ

تَملُّكُكَ العَينَ المُشتَراةَ، وإطلاقُ ذلك مَع اختِلافِ الأجناسِ لا يَجعَلُ المَقصودَ مِنها مَعلومًا، فبطَل، فعلى هذه الأُصولِ يَكونُ جَوابُ ما تَضمَّنه المُوكِّلُ، فاعتبَرَه بها، يَتقَرَّرُ لِكُلِّ الحُكمِ فيه، فعلى هذا لو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ عَبدٍ، لَم يَصحَّ حتى يَصِفَه بما يَتميَّزُ به لِلوَكيلِ مُرادُه في العَبدِ مِنْ ذِكْرِ جِنسِه ونَوعِه، ولا يَحتاجُ إلى ذِكْرِ صِفَتِه المُستَحقَّةِ في السَّلَمِ؛ لأنَّه يُضيِّقُ على النَّاسِ، فلَو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ مَنْ رَأيتَ مِنْ العَبيدِ، أو في شِراءِ ما رَأيتَ مِنْ الخَيلِ، لَم يَجُزْ؛ لِاختِلافِ العَبيدِ والخَيلِ، وجَهلِ الوَكيلِ بالمَقصودِ مِنها، وهَكذا لو قالَ: بِعْ مَنْ رَأيتَ مِنْ عَبيدي، أو بِعْ ما رَأيتَ مِنْ خَيْلي، لَم يَجُزْ، سَواءٌ ذكَر العَدَدَ أو لَم يَذْكُرْ، حتى يَتميَّزَ المَبيعُ والمُشترَى مِنْ غيرِه بصِفةٍ أو إشارةٍ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَه في شِراءِ عَبدٍ أو ثَوبٍ، وإنْ لَم يُشِرْ إلى صِفاتِه، اعتِمادًا على رَأْيِ وَكيلِه المُوكَّلِ، ولا يَجوزُ على المَذهبِ الأوَل عَقدُ الوَكالةِ وبَيانُ الوَكيلِ حتى يَقتَرِنَ به على الفَورِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا في تَصرُّفٍ مَعلومٍ، فإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو في كلِّ تَصرُّفٍ يَجوزُ لي، أو في كلِّ ما ليَ التَصرُّفُ فيه، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه كلُّ شَيءٍ مِنْ هِبةِ مالِه، وطَلاقِ نِسائِه، وإعتاقِ أرِقَّائِه، وتَزويجِ نِساءٍ كَثيراتٍ، ويَلزَمُه مُهورٌ كَثيرةٌ، فيَعظُمُ الغَرَرُ والضَّرَرُ، ولأنَّ التَّوكيلَ لا بدَّ أنْ يَكونَ في تَصرُّفٍ مَعلومٍ.

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٩٨، ٤٩٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة

لِلْكَلَأِ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ إنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي أَنْوَاع شَرَائِط رُكْنِ الْإِجَارَة

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ اللُّزُومِ أَمَّا شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَالْعَقْلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ عَاقِلًا حَتَّى لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مِنْهُمَا.

وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ وَلَا مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ عِنْدَنَا، حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ لَوْ أَجَرَ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ.

وَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ نَفْسَهُ وَعَمِلَ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ وَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ فَلِأَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ كَانَ نَظَرًا لَهُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ سَلِيمًا فِي النَّفَاذِ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يُهْدَرُ سَعْيُهُ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَانَ الْوَلِيُّ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْغَيْرِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 233 - 240

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله