الوكالة في الإبراء

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في الإبراء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

الوكالة في الإبراء - الأقوال والأدلة

الوَكالةُ في الإبراءِ:

لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ في صِحَّةِ التَّوكيلِ في الإبراءِ، كما قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الإبراءِ؛ لأنَّه في معنَى البَيعِ في الحاجةِ إلى التَّوكيلِ فيه، ويَثبُتُ فيه حُكمُه، ولا نَعلَمُ في شَيءٍ مِنْ ذلك اختِلافًا (١).

قالَ الشَّافِعيَّةُ: ويَجوزُ أنْ يُوكِّلَ في الإبراءِ مِنْ الدُّيونِ؛ لأنَّه إذا جازَ التَّوكيلُ في إثباتِها واستِيفائِها جازَ التَّوكيلُ في الإبراءِ عنها (٢).

إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في المُبْرَأِ مِنه، هَلْ يُشترَطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا أو لا يُشترَطُ؟ بِناءً على ما يلي: هَلِ الإبراءُ إسقاطٌ أو تَمليكٌ، أو الأغلَبُ فيه أحَدُهما؟ وهَل يَصحُّ الإبراءُ مِنْ المَجهولِ أو لا؟ فمَن نظَر في هذه المَسألةِ إلى معنَى التَّمليكِ اشترَطَ العِلمَ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَمليكُ المَجهولِ، ومَن نظَر إلى معنَى الإسقاطِ ذهَب إلى الصِّحَّةِ؛ لأنَّه تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ.

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ البَراءةُ مِنْ المَجهولِ.

(١) «المغني» (٥/ ٥٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٠)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٥٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٣٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٦٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٦٣).
(٢) «المهذب» (١/ ٣٤٩).

قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يُبرِئُ مَنْ له عليه حَقٌّ مِنْ مالٍ أو غيرِه مِنه، سَواءٌ علِم المُوكِّلُ والوَكيلُ ومَن عليه الحَقُّ بالمُبْرأِ مِنه أو جَهِلوا؛ فالتَّوكيلُ بالإبراءِ لا يَستَدعي عِلمَ المُوكِّلِ بمَبلَغِ الدَّينِ المُبْرَأِ مِنه، ولا عِلمَ الوَكيلِ، ولا عِلمَ مَنْ عليه الحَقُّ؛ لأنَّها هِبةٌ مَجهولةٌ، وهي جائِزةٌ عندَنا، ولأنَّه مَحضُ تَرْكٍ، ولأنَّه التَّرْكُ لا مانِعِيَّةَ لِلغَرَرِ فيه، كَقَولِ المُدوَّنةِ: إنْ كانَ لكَ عليه دَراهِمُ نَسيتَ مَبلَغَها جازَ أنْ تَصطَلِحا على ما شِئتُما (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَكالةُ بالإبراءِ، ولو كانَ الدَّيْنُ المُبْرَأُ مِنه مَجهولًا لِرَبِّ الدَّيْنِ والمَدِينِ، أو كانَ مَجهولًا لِأحَدِهِما، وسَواءٌ جَهِلَا قَدْرَه أو جَهِلَا وَصْفَه أو جَهِلَاهُمَا، أي: القَدْرَ والوَصْفَ، ويَصحُّ الإبراءُ مِنْ المَجهولِ ولو لَم يَتعَذَّرْ عِلمُه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ فيَنفُذُ مَع العِلمِ والجَهلِ، كالعِتقِ والطَّلاقِ. فيَصحُّ الإبراءُ مِنْ المَجهولِ في جَميعِ الحُقوقِ المَجهولةِ، لكنْ لو جَهِلَه رَبُّ الدَّيْنِ وعلِمه مَنْ عليه الحَقُّ وكَتَمَه المَدِينُ عن رَبِّ الدَّيْنِ؛ خَوْفًا مِنْ أنَّه -أي: رَبَّ الدَّيْنِ- لو علِمه -أي: الدَّيْنَ- لَم يُبْرِئْه رَبُّ الدَّيْنِ مِنه لَم تَصِحَّ البَراءةُ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا لِلمُبِرِئِ، وقَد أمكَنَ التَّحَرُّزُ مِنه. وظاهِرُ كَلامِ أبي الخَطَّابِ الصِّحَّةُ مُطلَقًا، قالَ: وهذا أقرَبُ.

(١) «الشرح الكبير» (٥/ ٥٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٧٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٣٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٦٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٦٣).

وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أنَّه يَصحُّ مَع جَهلِ المُبْرَأِ دونَ عِلمِه، وعَنه: لا يَصحُّ ولو جَهِلاه، إلَّا إذا تَعَذَّرَ عِلمُه.

وقالَ في «المُحرَّرِ»: ويَتخرَّج أنْ يَصحَّ بكُلِّ حالٍ إلَّا إذا عَرَفَه المُبْرَأُ وظَنَّ المُبْرِئُ جَهْلَه به، فلا يَصحُّ، انتَهَى.

وعنه: لا تَصحُّ البَراءةُ مِنْ المَجهولِ، كالبَراءةِ مِنْ العَيبِ، ذكَرها أبو الخَطَّابِ وأبو الوَفاءَ، كما لو كَتَمَه المُبْرَأُ خَوفًا مِنْ أنَّه لو علِمه المُبْرِئُ لَم يُبْرِئْه.

وَمِنْ صُوَرَ البَراءةِ مِنْ المَجهولِ: لو كانَ له على إنسانٍ دَيْنانِ وأبرَأَه مِنْ أحَدِهِما، لا بعَيْنِه، أو كانَ له دَيْنانِ على شَخصَيْنِ، وأبرَأ أحَدَهُما لا بعَينِه، ويُؤخَذُ، أي: يُرجَعُ إلى المُبرِئِ، بالبَيانِ، كَطَلاقِه إحداهُما وعِتقِه أحَدَهما، ثم يُقرَعُ، على المَذهبِ.

لَو أبرَأه مِنْ مِئة، وهو يَعتَقِدُ أنْ لا شَيءَ عليه، فكانَ له عليه مِئةٌ، ففي صِحَّةِ الإبراءِ وَجهانِ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ: تَصحُّ البَراءةُ مِنْ المَجهولِ إذا لَم يَكُنْ لهما سَبيلٌ إلى مَعرِفَتِه.

وقالَ أبو حَنيفةَ: تَصحُّ مُطلَقًا.

(١) «الفروع» (٤/ ١٤٤)، و «الإنصاف» (٧/ ١٢٨، ١٢٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٩٣).

وقالَ الشَّافِعيُّ: لا تَصحُّ، إلَّا أنَّه إذا أرادَ ذلك قالَ: أبرَأتُكَ مِنْ دِرهَمٍ إلى ألْفٍ؛ لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنِعَتْ لِأجْلِ الغَرَرِ؛ فإذا رَضيَ بالجُملةِ فقَد زالَ الغَرَرُ وصَحَّتِ البَراءةُ.

ولَنا: أنَّ النَّبيَّ قالَ لِرَجُلَينِ اختَصَما إليه في مَوارِيثَ دَرَسَتْ: «فاقتَسِمَا وتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثم استَهِمَا، ثم تَحَالَّا» رَواه أبو داودَ (١)، ولأنَّه إسقاطٌ، فصَحَّ في المَجهولِ والطَّلاقِ، وكما لو قالَ: مِنْ دِرهَمٍ إلى ألْفٍ، ولأنَّ الحاجةَ دَاعيةٌ إلى تَبرِئةِ الذِّمةِ، ولا سَبيلَ إلى العِلمِ بما فيها، فلَو وُفِّقَتْ صِحَّةُ البَراءةِ على العِلمِ لَكانَ سَدًّا لِبَابِ عَفْوِ الإنسانِ عن أخيه المُسلِمِ، وتَبرِئةِ ذِمَّتِه، فلَمْ يَجُزْ ذلك، كالمَنعِ مِنْ العِتقِ.

وأمَّا إنْ كانَ مَنْ عليه الحَقُّ يَعلَمُه ويَكتُمُه المُستَحقُّ خَوفًا مِنْ أنَّه إذا علِمه لَم يَسمَحْ بإبرائِه مِنه، فيَنبَغي ألَّا تَصِحَّ البَراءةُ فيهِ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بالمُشتَرِي، وقَد أمكَنَ التَّحَرُّزُ مِنه، وقالَ أصحابُنا: لو أبرَأَه مِنْ مِئةٍ وهو يَعتَقِدُ أنَّه لا شَيءَ له عليه، وكانَ له عليه مِئةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءةِ وَجْهانِ، أحَدُهما صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسقَطَتْه، كما لو علِمها، والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّه أبرَأَه ممَّا لا يَعتَقِدُ أنَّه عليه، فلَمْ يَكُنْ ذلك إبراءً في الحَقيقةِ، وأصْلُ الوَجهَيْنِ ما لو باعَ مالًا كانَ لِمُوَرِّثِه، يَعتَقِدُ أنَّه باقٍ لِمُوَرِّثِه، وكانَ مُوَرِّثُه قَدْ ماتَ وانتَقَلَ مِلْكُه إليه، فهَل يَصحُّ؟

(١) رواه أبو داود (٣٥٨٤) قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ٢٢٢): وفيه جواز البراءة من المجهول والصلح منه وهبته.

فيه وَجهانِ، ولِلشَّافِعيِّ قَولانِ في البَيعِ، وفي صِحَّةِ الإبراءِ وَجهانِ (١).

وأمَّا الشَّافِعيَّةُ؛ فقالَ الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: التَّوكيلُ في الإبراءِ يُشترَطُ فيه عِلمُ المُوكِّلِ إذا قُلْنا بالأظهَرِ إنَّه لا يَصحُّ الإبراءُ عن المَجهولِ، كما سبَق في كِتابِ الضَّمانِ.

ولا يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ على الأصَحِّ، وبِه قطَع القاضي والغَزاليُّ، وفي المُهذَّبِ والتَّهذيبِ اشتِراطُ عِلْمِه بجِنْسِه وقَدْرِه، كما لو قالَ: (بِعْ) بما باعَ به فُلانٌ فَرَسَه؛ فإنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ البَيعِ عِلمُ الوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ.

ولا يُشترَطُ في الإبراءِ عِلمُ مَنْ عليه الحَقُّ على الصَّحيحِ، والخِلافُ فيه مَبنيٌّ على ما سبَق أنْ الإبراءَ إسقاطٌ أو تَمليكٌ، فإنْ قُلْنا: تَمليكٌ اشتُرِطَ عِلمُه، كالمُتَّهبِ، وإلَّا فلا.

ثم إنْ كانَتْ صِيغَتُه: أُبْرِئُ فُلانًا عن دَيْني، أبرَأَه عن جَميعِه، وإنْ قالَ: عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن قَليلٍ مِنه، وإنْ قالَ: عَمَّا شِئتُ، أبرَأَه عَمَّا شاءَ، وأبْقَى شَيئًا.

قُلتُ: قولُه: أبْرَأَه عن قَليلٍ مِنه، يَعني أقَلَّ ما يَنْطَلِقُ عليه اسمُ الشَّيءِ، كذا صرَّح به في التَّتِمَّةِ، وهو واضِحٌ.

ولو قالَ: أُبْرِئُه عن جَميعِه، فأبرَأَ عن بعضِه جازَ، بخِلافِ ما لو باعَ بعضَ ما أمَرَه ببَيْعِه، واللَّهُ أعلَمُ (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٥)، و «الكافي» (٢/ ٩٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٦)، و «ابن عابدين» (٦/ ٢٤٩).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.

وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٤ - مسألة؛ قال: (وشراء الوكيل من نفسه غير جائز. وكذلك الوصى)

ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأَوَّلُ أشْبَه بظَاهِرِ كَلَامِهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: الشَّرْطُ الثاني، أن يُوَلِّىَ مَن يَبِيعُ، ويكونَ هو أحدَ المُشْتَرِينَ. فإن قيل: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه لِيَبِيعَها، وهذا تَوْكِيلٌ وليس لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يجوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بِنَفْسِهِ، والنَّدَاءُ ممَّا لم تَجْرِ العادَةُ أن يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ الناسِ بِنُفُوسِهِم. وإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِى له، وبَاعَه هو، جازَ على هذه الرِّوَايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه في البَيْعِ، وحَصَّلَ غَرَضَه من الثَّمَنِ، فجازَ، كما لو اشْتَراهَا أجْنَبِىٌّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ لِلْوَصِىِّ الشِّرَاءُ دُونَ الوَكِيلِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وإذا اشْتَرَى مالَ اليَتِيمِ بأكثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِه، فقد قَرِبَهُ بالتى هي أحْسَنُ. ولأنَّه نائِبٌ عن الأَبِ، وذلك جائِزٌ للأَبِ، فكذلك لِنَائِبِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ من غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكَالَةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْهُ غيرَكَ. ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويَتَنَافَى الغَرَضانِ في بَيْعِه نَفْسَهُ، فلم يَجُزْ، كما لو نَهَاهُ. والوَصِىُّ كالوَكِيلِ، لأنَّه يَلِى بَيْعَ مالِ غيرِه بِتَوَلِّيه ، فأشْبَه الوَكِيلَ، بل التُّهْمَةُ في الوَصِىِّ آكَدُ من الوَكِيلِ ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصَاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِىُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفى أنَّه يَشْتَرِى من مالِ اليَتِيمِ ما لَا حَظَّ لِلْيَتِيمِ في بَيْعِه، فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعند ذلك لا يكونُ أَخْذُهُ لمالِه قُرْبًا له بالتى هي أحْسنُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ،…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 297 - 301

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله